قضيت سهرة ممتعة مع أربعة او خمسة أصدقاء أحدهم يلامس الايمان وكان تحديه عظيما وجدّيا للفريق المؤمن اذ قال: أين المسيحيون من المسيحية. وهذا معروف منذ جحود بطرس وخيانة يهوذا وهما من المختارين. وما من شك ان الله يعرف كل خونة الدهور المتعاقبة أي انه يعرف ان الكنيسة في أيدي أناس خطأة. المسألة الحقيقية تدور حول هذا السؤال: هل يمكن المسيحي أن يكون كاملاً؟ تأمل في هذا السؤال أحد آبائنا الأقدمين وقال ان الكمال الذي دعا اليه المسيح هو ان تسعى إلى الكمال. غير ان غريغوريوس النيصصي صاحب هذا القول عاش في القرن الرابع حيث كانت الكنيسة تقطع من عضويتها مرتكبي بعض المعاصي الجسيمة وهي الوقوع في الوثنية والزنا والقتل. ثم سرعان ما أعرضت عن هذا الانضباط لتعوضه بعقوبة ابعاد المرتكب عن الكأس المقدسة فيبقى الزاني بحسب قوانين باسيليوس الكبير خمس عشرة سنة خارج المشاركة الكنسية بحيث يقبل حضوره القداس ولكن من دون سر مناولة جسد الرب.

ثم سقط هذا التدبير واستُعيض عنه بسر التوبة الذي يمارَس بالاعتراف ويستتبع أحيانا عقوبة الابعاد عن الشركة لفترة طالما عرفناها قصيرة فيبقى المؤمن الذي أخطأ صمم تصميما صادقا على الرجوع الى الله. هنا يقول القديس افرام السرياني: «الكنيسة هي جماعة الخاطئين الذين يتوبون». احصاء المسيحيين الذين يقعون في هذا الذنب أو ذاك – ونحن لا نعرف ذنوب الآخرين – إحصاء غير ممكن واذا أمكن لا ينفع اذ «ليس من إنسان يحيا ولا يخطئ». ولكن ما من شك ان ألوفا مؤلّفة من الناس يبتعدون عن الإيمان بسبب خطايا المعتبرين مسيحيين ولا سيما اذا كان هؤلاء الخطأة يصلّون في الآحاد والأعياد ويمزجون بين آثامهم وأعمال الرحمة التي يقومون بها. المؤكد ان كلاً منا يعرف أنه من طين وأن أحدا لا يحمل صك براءة واننا ندخل ملكوت الله فقط بالرحمة ولكنّا، مسيحيين، نتوق دوما إلى الجمالات التي كشفها لنا المسيح في نفسه. المسيحية هي الشوق إلى البهاء الإلهي ينسكب علينا في أويقات الرضاء الذي يرضى به عنا القائم من بين الأموات.

لست أريد على ذلك ان أقتنع بما قاله نيتشه: «آخر مسيحي هو ذلك الذي صُلب على الصليب». مع ذلك اشتهى كتاب العهد الجديد أن نحيا حياة المسيح فينا، أن نُدفن معه ونقوم معه، والمصطبغ بالمعمودية عنده شيء من هذا أو الكثير. ثم عندك صبغة الشهادة بالدم. يقول علماء الاحصاء ان المسيحيين في الالفي سنة التي عشناها يقدرون بستين مليار نسمة. ذبح من هؤلاء الملايين في أصقاع عديدة من هذه الدنيا. هؤلاء أحبوا المسيح حتى النهاية في شجاعة أذهلت علماء النفس. فمن زهد بحياته يكون بلغ الكمال، استطاع هؤلاء اذًا ان يلبسوا المسيح بصورة كاملة. انهم وصلوا اليه في قلوبهم وأجسادهم. والشهادة في المسيحية واجبة ولا خيار أمامها.

إلى هذا نُعجَب نحن بالقديسين الذين كانت حياتهم ذبيحة غير دموية بحيث انهم قضوا على شهواتهم. ونحن نعلن قداستهم بعد تحقق دقيق ليقوموا نماذج أمامنا ويجذبونا إلى طهارة السيد. واذا بلغ هؤلاء هذا المجد يعني اننا قادرون جميعا على بلوغه. معنى ذلك ان المسيحية ليست فقط حلما أو تغنيًا ببهاء من سبقنا إلى حب الله حبا كبيرا، لكن المسيحية بالإنجيل وما يحوط به من حس إلهي تحمل طاقة أن تكون مثل الله في القوة الصادرة عنه ولو بقيت عبدًا مخلوقا. فالقدرة الإلهية التي تنزل علينا بنعمة التروض تمكننا اذا استطعنا ان نطيع، إلى مقامات مذهلة من الجمال الروحي ساطع في سيرة قديس أو غير قديس نعيّد له كل يوم من أيام السنة. وهذه سِيَر لك ان تقرأها اذا شئت وتعرف ان المسيح عاش في ألوف مؤلفة من القلوب وقدر ان يحوّلها اليه.

غير ان الذين لم ترد أسماؤهم في التقويم هم هذا وذاك من الناس، من الرجال والنساء الذين يتطهرون كل يوم ليتمسحن كيانهم. فهذا معروف بالصدق الكامل وذاك بالتواضع الكبير أو بمجموعة من الفضائل واذا كنت تعرف ان تقرأ فانك تقرأ الجمالات الأخاذة في أقوالهم وأفعالهم ويكدحون بجدية ودموع لئلا يتلطخوا أو ليعودوا من سقوط لأنهم لا يرضون ان تعشش الخطيئة فيهم وقد آمنوا انهم ليسوا فقط من طين ولكنهم من طين مجبول بنور حتى يسقط التراب عنهم ليراهم ربهم قامات من ضياء اذ المؤمن بيننا من جعل الله أمينا له ومأمنا فيعيش خلاص الله فيه ليس فقط وعدا ولكن تحقيقا.

«لا بد من العثرات ولكن ويل لمن تأتي عن يده العثرات». وأفهم فهما جيدا ان من انكشفت ذنوبه يبعد الآخرين عن الرب الذي يقيلنا من العثرات اذا التمسنا عفوه وتُقنا إلى ألا تنثني فينا الخطيئة وجاهدنا حتى الدم ليتنقى وعاؤنا الداخلي ويسكنه روح الله وحده.

وهذا ممكن إن آمنا ان المسيح هو «الطريق والحق والحياة» واننا به قادرون ان نصبح خلائق جديدة واذا آمنا ان «تناهى الليل واقترب النهار». لقد اخطأ صديقي في تلك السهرة لما قال ان المسيحية مستحيلة، انها فوق طاقات الانسان. لو كانت كذلك لما بشر بها يسوع الناصري. لكن الكمال الذي دعا اليه يفترض ان سقف الإنسان هو السماء وليس ما هو دونها وأنت مدعو إلى ان تغتصب الملكوت اغتصابًا وهذا يكلّفك حياتك كلّها بمعنى ان كل ما تقوم به في هذه الدنيا انما هو وسيلة للعيش والمعيشة فيها غفلات واخطار كثيرة. لكن الحياة الأبدية التي فيك قادرة ان تنقذك ليس فقط من الغفلة ولكن من خطيئات ترتكبها عمدًا فيما لا يموت شوقك إلى الله. معنى ذلك ان المؤمن متأرجح بين الشوق والكسل، بين الرغبة في الإله ورغبة الشهوة. معنى ذلك ان الذي غلب الموت وحاكم الخطيئة في جسده قادر ان يقيمك من الموت الروحي الذي ترتضيه.

معنى ذلك في الاخير ان المسيحية هي في المسيح وان المسألة – وأقولها لصديقي في تلك السهرة – هي ان تصبح أنت مسيحيًا آخر أي ممسوحًا بالنعمة التي كانت فيه ليتجلى كلمة الله فيك قولاً وعملاً ورجاء ومحبة لتصبح أنت بدورك كلمة الله بين الاخوة، إنجيلاً حيًا يقرأه الناس فيعرفوا انك أنت – لا الكتاب وحده – تجليات إلهية فيما لا تزال ساكنًا هذا الجسد الفاني.

أريد ان أقول مع نيتشه ان المسيحي الوحيد هو المسيح فتغفر للناس زلاتهم ويغفر لك هو زلاتك فترضى ان تعيش مع نفسك جريح الخطيئة ولكن راجيًا ان تغلبها بحبه اياك وحبك الاخوة. الا تذكر قول المخلّص في خطبة الوداع: «من منكم يبكتني على خطيئة»؟ في الأخير أمام آثامك وآثام الناس ليس لك الا ان تبكي. اذ ذاك يمسح السيد عن عينيك كل دمعة وينعشك لتصير إنسانًا جديدًا أي ان تصير له في أعماق النفس ولا تقلق لمعصية ارتكبتها أنت أو ارتكبها الناس لانه قال: «لا تضطرب قلوبكم». أنت مدعو إلى الهدوء الداخلي أمام كل ويلات الأرض. وهذا يحل فيك ان دعوت الروح القدس ليساكنك حتى تشاهد الخطيئة وتكرهها وتربي نفسك في حضن الرب كما فعل التلميذ الحبيب في العشاء السري. هذا نسي كونه إنسانًا خاطئًا ليتقبل نفسه من المحضونية التي نالها في اخلاصه الكامل للحب الإلهي.

لقد خسرت كرامتك بالمعصية. لكن الله يغرق معاصيك في محبته الكاملة وفي غفرانه الكامل اذ يراك ابنًا له مع ابنه الوحيد فترتفع بالقدرة التي احلها فيك فتنسى نفسك إلى الأبد لتراه فيها مصدرًا لتنقية فيك ترجو ان تلازمك إلى الأبد.