«الكنيسة ليست مؤسسة. انها حياة في المسيح» (سرجيوس بولغاكوف). هي ليست مؤسسة بمعنى ان قوانين العالم المدني لا تسودها ولو ظهر ان ثمة مسؤولين في ما بينهم تراتبية. في الحقيقة ليست الكنيسة شبيهة بجيش ولا بإدارة مدنية فيها الآمر والمأمور لان هذين مرتبطان بحقوق يحددها نص. الزامات يفعلها التنفيذ والتنفيذ يظهر بالعقوبة. والعقوبة قائمة على الخوف والخوف قائم على وجود سلطة آسرة تتحدد فيها الحقوق والواجبات وآخر حد فيها هو السجن او ما هو اقسى منه.
إذا كانت المسيحية ديانة المحبة معنى ذلك ان امور الكنيسة تحل بالمحبة فقط ولا تقوم على دستور بالمعنى القانوني للكلمة وان الآمر يأمر بمحبة والمؤمن يطيع هذه المحبة. ولذا كانت الكنيسة شركة قلوب. اجل هناك ما يسمى قوانين الكنيسة منذ القرن الرابع وهناك اعراف هيأت لها. لكن القانون الكنسي ليس شبيها بقوانين العالم لانه يعبر عن موقف لاهوتي. صحيح مثلا انك تخضع للأسقف ولكن بوصفه اباك واذا ادبك فهو كمن يؤدب ابنا اي بالمحبة ايضا. صح انك لا تصبح كاهنا الا اذا وضع يديه عليك. لكن صلوات الرسامة عندنا توضح ان وضع اليد (او الرسامة) صورة عن انحدار النعمة على من تجعله كاهنا. “النعمة الالهية التي للناقصين تكمل وللمرضى تشفي هي تنتدب فلانا الكلي الورع من رتبة الشموسية الى رتبة القسوسية”. الاسقف يختفي وراء النعمة التي تنتقل بقوتها وقوة الصلاة التي في الجماعة. واذا اوقف الاسقف قسا عن الخدمة فترة من الزمان فليس هذا عقابا له لان الاسقف يحب الكاهن. والامر اذاً تأديب للاصلاح والتوبة. واذا منعك الاب الروحي من مناولة القرابين فلكي يزداد بالمنع شوقك الى الاسرار الالهية فتدنو منها اكثر اهلية مما كنت. نحن اذاً خارج الدنيا الحقوقية اطلاقا.
ما شكل الكنيسة اذاً. او ما صورتها لو اتخذنا كلمة فلسفية. الحقيقة ان ليس لها شكل لانها حركة. قطعا هي حركة الله الى الانسان وحركة الاخوة بعضهم الى بعض. وما بينهم الشركة، شركة الروح القدس اي الكون بالنعمة الالهية المجانية. وهذا ما عبر عنه انجيل مرقس في مقطع شهير لما جاء يعقوب ويوحنا ابنا زبدى الى السيد وسألاه ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن شماله في مجده فوبخهما ثم قال لتلاميذه: “تعلمون ان الذين يعدون رؤساء الامم يسودونها، وان اكابرها يتسلطون عليها، فليس الامر فيكم كذلك. بل من اراد ان يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما. ومن اراد ان يكون الاول فيكم، فليكن لاجمعكم عبدا. لان ابن الانسان لم يأت ليُخدم (بضم الياء)، بل ليخدم (بفتح الياء) ويفدي بنفسه جماعة الناس”. انت لست آمرا اذاً لاحد ولكنك مبذول في الخدمة. والبذل يعطيك اولية والطاعة للمبذول. فانت لا تطيع الاسقف لانه فوقك اذ ليس في المسيح من كان فوق او كان تحت. لكن القادر على ان يكون كامل البذل لكونه تحرر من الغرض والهوى قادر على ان يأمرك بلا غرض ولا هوى وانت تطيعه لانه تنزه عن كل ذلك. العلاقة هي اذاً بين محب ومحبوب.
وما يؤيد كلامي هذا الحديث الذي ورد بعد القيامة بين المخلص وبطرس لما سأله السيد: “يا سمعان بن يونا (وكان هذا اسمه الاول) اتحبني اكثر مما يحبني هؤلاء؟” قال له: نعم يا رب، انت تعلم اني احبك حبا شديدا. قال له: “ارع حملاني”. اي ان يسوع جعل بطرس راعيا لما اعترف له بحبه. تلك هي الرعاية والحب مضمونها الوحيد وليس من علاقة اخرى بين الراعي والخراف.
ثم لما انتظمت الكنيسة جماعة واحدة بنزول الروح القدس عليها “كانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات”. وذكر الكتاب بعيد هذا: “كان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة”. جوهر الكنيسة انها واحدة بالروح الالهي.
وفي المنحى نفسه يقول سفر الاعمال: “وكانت الكنيسة تنعم بالسلام في جميع اليهودية والجليل والسامرة. وكانت تنشأ وتسير على مخافة الرب، وتنمو بتأييد الروح القدس”. غير ان مسألة اثيرت حول ختانة الوثنيين عند انضمامهم الى المسيح او عدم ختانهم فاجتمع الرسل والشيوخ في اورشليم وبت الخلاف المجمع المؤلف من هاتين الفئتين (وليس فقط من الرسل).
كان هذا اول شكل – اذا صح التعبير – اتخذته الكنيسة. المجمعية او الجماعية بالحري هي الترتيب الالهي الذي تسير عليه الجماعة. وهذا تعبير عن روح وليس نظاما بالمعنى الحقوقي. الفكرة التي هيمنت ان الروح يجعل المسيحيين جماعة وليس معنى ذلك ان مجرد انعقاد الجماعة في مجمع ينزل عليها الروح الالهي آليا. وسلكت الكنيسة في ما بعد على حل مسائلها بهذه الهيئة التي دعيت مجمعا وباليونانية سينوذوس اي السائرين معا على طريق واحد. فهم ليسوا مجمعا لمجرد تلاقيهم الجسدي ولكن لتلاقيهم على طريق القائل: “انا الطريق والحق والحياة”. فالجماعة تصير شركة اذا حل الروح القدس عليها والا بقيت قطيعا بلا رأس.
ثم على غرار مجمع اورشليم انعقدت مجامع عديدة اقليمية وعالمية.
وما سمي كل تجمع مجمعا لمجرد التقاء اساقفة ولكنه مجمع اذا ظلوا على استقامة الرأي فقد كفّرت الكنيسة مجامع لكونها انحرفت عن جادة الصواب. لذلك لا نقول نحن ان المجمع آلية تدير بحد نفسها الكنيسة. فأخذت المجامع المتتالية تؤيد المجامع السابقة لكي تثبت شرعية ما سبق اي لتعلن ان ما سبق كان من الله. تأييد الله الظاهر في وجدان الجماعة هوالذي يضفي صورة الاستقامة على الاجتماعات الكنسية. فالسلطان المجمعي يأتيه من صحة الكلمة التي تقال فيه ولا تتبين انت صحتها لمجرد الالتئام.
يبقى ان الكنيسة تعيش في ازمنة الناس وشاء الله ان تنتظم كنائس مكانية والكنيسة المكانية هي المدى الذي بشره الرسل في الاصل او بشرته الكنائس الرسولية. وهكذا بدا ان الحضور المسيحي بأن تدبير شؤونه في كنائس خمس في الألفية الاولى هي رومية والقسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واورشليم. وكل كنيسة من المدى المسيحي تتكلم وترتب شؤونها من طريق مجمع مقدس يؤلفه بخاصة اساقفة المنطقة لا من حيث هم افراد ولكن من حيث ان كلا منهم يحمل كنيسته (أو أبرشيته) معه فتتلاقى هكذا كنائس المنطقة الرسولية الواحدة حول كنيسة تعتبر مركزية كان يسمى رئيسها المتروبوليت وبعد هذا سمي بطريركا اي رئيس الامة المقدسة وقال الضمير الكنسي ان من اقيم بطريركا هو اول بين اخوة متساوين Primus inter pares
ما معنى ان البطريرك هو الاول؟ بما لا يقبل الجدل كان مفهوم الامر ليس ان هذا الرجل آمر ناه شبيه بصاحب النظام الرئاسي كما في الولايات المتحدة. ان صلاحية كهذه لم يعرفها العالم المسيحي في الالفية الاولى ولا يعرفها الشرق الارثوذكسي اليوم. فالبطريرك لا يتدخل في ادارة ابرشية اخرى لان الاسقف موضوع الهيا وليس فوق رأسه في نطاق ابرشيته احد. لكن احدية الاسقف لا تفهم استقلالا عن اخوته في الايمان والعقيدة والاسرار المقدسة لان الشركة الاخوية تمنع الانعزال او الاعتزال لان كلمة الله ليست ملكا للأسقف فهو خاضع لاستقامة الرأي. ولذلك عندما تتم رسامته يوضع الانجيل مفتوحا فوق رأسه لتنزل عليه الكلمة ولا يبقى اسقفا اذا خرج عنها او اخرج منها.
ما مكانة البطريرك في هذا الانتظام؟ لدينا مجموعة قانونية تسمى قوانين الرسل تيمنا بالفكر الاول وتعود غالبا الى بداءة القرن الرابع. القانون 24 في هذه المجموعة يمكن اعتباره تحديدا لمكانة البطريرك وعلاقته بالاساقفة . يقول: “ان اساقفة كل امة يجب ان يعرفوا الاول فيهم ويعتبروه رئيسا لهم ولا يقدموا على امر خطير بدون رأيه، بل ليدبر كل منهم شؤون ابرشيته خاصة. ولا يقدمن الاول على شيء بدون مشاورة الجميع وبذلك يتم اجتماع الرأي ويتمجد الله بالرب في الروح القدس”.
هناك وحدة روحية بين اعضاء المجمع المقدس على صورة الثالوث حيث لا عسف ولا تسلط على صورة التناغم القائم بين الاقانيم الالهية. الامر شورى غايتها “اجتماع الرأي” فلا مجمع بلا بطريرك ولا بطريرك بلا مجمع وليس من ديموقراطية بمعناها العددي. نحن لسنا في نظام حقوقي يفيد ان يفرض المطارنة شيئا على البطريرك وليس من نظام اوتوقراطي بحيث يفرض البطريرك شيئا على الاساقفة. السؤال الذي يفرض نفسه هو هل للبطريرك حق النقض. هذا يرده قول القانون: “لا يقدمون الاول على شيء، بدون مشاورة الجميع”.
طبعا هذا ليس نظاما بمعنى الحقوق الوضعية. هذا سعي روحي غايته تجنب الانشقاق. انه خطر روحي ان تقاوم بالتصويت موقف البطريرك. لكن البطريرك يكون ايضا في خطر روحي ان قاوم الاساقفة مجتمعين. اجل يمكن ان ينتج من هذا تعطيل اداري او غياب اداري. لكن المؤمن يرجو الا يكون هناك عناد وان يستمر السعي بالصلاة والاقناع للأخذ بالموقف الصالح.
لماذا الاجماع كغاية او مرتجى؟ لان الانشقاق خطيئة لا تغتفر حسبما علم القديس يوحنا الذهبي الفم بقوله ان الانقسام في الكنيسة شق لثوب المسيح غير المخيط (المصنوع من قطعة قماش واحدة). هناك دائما رجاء وقد يكون ارجاء الحل أدنى الى الرجاء واذا كان البطريرك “راعي الرعاة” فمعنى ذلك انه المحب الاول واذا كان الاول بين أئمة الحياة الروحية يكون الاقرب الى العدل والاقرب الى الرحمة ولا يعرف قلبه بغضا او انتقاما ويفرض ان يكون زملاؤه موضوعيين وان يتخذوا المواقف الموافقة لفكر المسيح كما يقول بولس. هذه اعجوبة التناغم بين اخوة تنزهوا عن الشهوة وليس فيهم أحزاب ولا كتل.
ليس من شهادة في المؤمنين اقوى من شهادة الوحدة بين رؤساء الكنيسة. والوحدة في ما بينهم ان يتفقوا على ما يرضي الله في الظرف الذي يعيشون. اجل تاريخ الكنيسة لم يكن دائما هكذا ولكن على المرء ان يسعى لتبدو الكنيسة عروسا للمسيح لكي يؤمن الناس.
