إنجيل لوقا إنجيل الرحمة بامتياز، وفي مستهل قراءة اليوم (لوقا 6: 31-36) يقدم الإنجيلي قاعدة للسلوك فيها إقدام: «كما تريدون ان يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضا بهم». تريد أن يعطف عليك الناس، ان يساعدوك، ان يؤتوك خدمة في الضيق، ان يعودوك في مرضك، فبادر إلى هذه الأعمال إنْ وجدتَ الناس في مثل هذه الأحوال.
ثم يرتفع لوقا درجة عن هذا فيقول: «ان أحببتم الذين يحبونكم فأية منّة لكم»؟. وإذا أردتَ ان تعبّر عن محبتك بالإحسان، فأحسن إلى أي محتاج وليس فقط إلى نسيب لك أو صديق إذ قد تتوقّع من هذا شكرا أو ان يعاملك بالمثل ان صرت أنت في الضيق. ولكن أعطِ من لا ترجو منه مكافأة أو تقرُّبا إليك وقد لا يعود يوما للشكران. يذكر لوقا تطبيقا وهو: «ان أقرضتم الذين ترجون ان تستوفوا منهم فأية منّة لكم»؟. فقد لا يستطيع هذا ان يوفي السند الذي وقّعه على نفسه. أو ترسله إلى السجن؟ وماذا ينفعك هذا؟ ان كنت عاجزا عن دين كبير لا تَقُم به. اعرف ان بعضا من الناس يستغلون ميلك إلى المحتاجين ويعرفون رحمتك فلا يوفون ولو كانوا قادرين. تعامل مع هذا الوضع. فهناك ما يسمّونه دين شرف وهو يعني ان تسلف مبلغا ولا تقاضي من استدان. فهو يوفي إذا استطاع أو لا يوفي ولو كان قادرا على ذلك. سلّمه إلى الرب.
ثم يعلو لوقا أيضا درجة ويقول «أحبوا أعداءكم». «أحبوا» هنا لا تعني ان تجعل عدوّك صديقا فقد لا يقبل صداقتك. في ادنى مستوى، الكلمة تعني الا تحقد ولو توجّعت داخليا فالظلم موجع. وفي اغلب الأحيان لا تستطيع ان تقنع عدوك ان لا سبب حقيقيا لبغضه إياك أو لأذاك. فقد يشن عليك حملة شعواء ويلطخ سمعتك وذلك لأن الشيطان دخله ولوّث نفسه، ثم هناك من كان نهجه البغض ويتلذذ بالأذى. ويسوع حريص على ألا تقع أنت في حقد مقابل حقد لأن الحقد ظلم وبه تُلطِّخ قلبك وتنزع عنه الهدوء. وإذا تعكرتْ نفسك لا تستطيع ان تعاين وجه الله لأن الله سلام.
ويقدّم الإنجيلي عن الغفران حجة إذ يقول انك في الغفران تصير ابنا لله الذي «يُنعم على غير الشاكرين والأشرار». انه يرسل المطر ونور الشمس على جميع الناس كما يقول متى. ويُنعم على الناس بطعامهم أيا كانوا، ويُنعم على الخاطئ أيضا بشتى المواهب علّه يتوب.
ثم ينهي لوقا هذا الفصل بقوله: «كونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم». هنا يطلب يسوع ان تسلك كما الله يسلك. وأنت قادر على ذلك إذا أدركت ان النعمة جعلتك ابنا لله أي مشاركا المسيح بُنُوّته للآب.
ان تكون رحيما تعني في اللغة ان يتسع صدرك لجميع الناس. هكذا صدرُ الله. المهم ان تفهم ان الخطيئة هي وحدها ذلك الشيء الذي يؤذيك في العمق. وقد تنجح الرحمة بإعادة من ترحمه إلى صوابه. ربما لا يتأثر من ترحمه برحمتك. ولكن تكون أنت نجّيت نفسك من الكراهية. وفي أعلى مراتب الغفران تكون صرت غافرا مثل الله أبيك. لأن الرحمة تمحو كل معصية فيك وتكون تروّضت على التواضع. مَن لا يغفر هو الذي لا يتحمل جرحه. ولكن قد يجرحك الناس كثيرا. مطلوب منك ان تنزف وان تداوي جرحك بالدواء الوحيد الذي يشفيك وحده وهو الغفران. كل الخطايا تأسرنا، ولكن ليس مثل الحقد سجنا. وكما تغفر بسهولة لابنٍ لك شرس أو مشاكس لأنه مِن لحمك ودمك، اغفر لكل الشرسين لأنهم من لحم المسيح ودمه.
