طفل له من العمر سنتان وثمانية أشهر بعد أن ودّعني قال لي: «سلّم على يسوع». لماذا جمعني مع السيّد؟ هل وجه الكاهن الملتحي ذكّره بأيقونة المسيح؟ أيًا كان الجواب العلمي المفترض أظن ان هذا الولد هو من دنيا لا يبلغها البالغون. أخته تتفوّه بكلمات لا يُصدّق ان مضمونها ممكن وروده عند طفلة كان لها من العمر خمس سنين لما قالت ما يفوق التصوّر عند ذوي العقول الكبيرة.

عند الشاب او الكهل لا يعني لي التفوّق العلمي شيئًا. هذا تحصيل ودربة على وراثة. الأطفال يرثهم الرب بدفء خاص ويتقبّلهم حضن يسوع القائل: «دعوا الأطفال يأتون اليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات». المعروف في كنيستي ان الطفل غير المعمّد كالمعمّد يقتبله الرب في مساكنه ولا يُحرم رؤيته. ذلك ان الله طريء وأيقونته طراوة الصغار حتى تزول الشراسة عن وجه الأرض.

نحن أمام سر لا نخترقه. ربما يدركه علماء النفس. ولكن ماذا تحت النفس الظاهرة، في قلب الكلمة؟ ليست مسألتي ماذا يأخذ عنك الطفل ولكن ما تأخذه انت عنه. كيف تتماهى دنياه ودنياك واللغة الظاهرة واحدة. في الحقيقة ان الألفاظ واحدة وما تعنيه لا تناله انت كما هو معطيه. انت امامه متلق ان رمت ذلك وان لم ترغب في ذلك تضيع عليك غنى كبيرا. ربما فقدت فرصة طراوة ترغب في استعادتها او فرصة بساطة على قدك لأن الصغير يعديك بساطة.

لاحظوا ان باسيليوس الكبير دعا الله ان يربي هو الأطفال كأنه يعرف ان تربية الوالدين قد تكون ضعيفة احيانا وقد تكون زائلة وان التعاطي بين الأجيال قد يكون مؤذيا وكأن باسيليوس يؤمن بأن الرب يهذّب الصغار مباشرة اي يرثونه ولا يرثون ذويهم. اجل من التربية ان تكرم اباك وأمك وقد لا يأخذ الوالدان من أولادهم شيئا في حين ان الخضوع يربي من يخضع ومن يخضع له. لا توريث في التولّد بالضرورة. الوراثة الروحية نعمة لا يعرف احد منا كيف تنزل اذا نزلت.


# #
#

أجل يتوسط الله ذوينا لإنشائنا على صورته. غير ان الرب يستغني عنهم احيانا وقد جعل نفسه ابا قبل الدهور. وهو يلدنا مباشرة بعطفه اذ ليس احد في الحقيقة وديعة عند أحد. ولو كان كل الناس اولاد ذويهم روحيا لماتت الانسانية اختناقا او تصحرت قلوبها. كل البشرية على الوسطاء التربويين الذين يتعاقبون لها علاقة عمودية مع الله اي انها تولد من فوق ويبقى فيها ما استحدثه من السماء. ترجموا هذا كما شاء تراثكم الديني نحن في هذا المعنى ابناء الله، ابناء كلمته وروحه الى ان يفسدنا الدهر او تحفظنا النعمة.

واذا أعطى الفضل الإلهي ذوينا ان يتوسطوا بين فضله ورعايتهم فالطوبى لهم. فيكون، اذ ذاك، انجابهم بركة لهم وتقديسا حتى لا يفتخروا بعطاء جاءهم وسلموه ليتزكوا هم ويجلسوا على آرائك حب إلهي يحسبونه هم حبا بشريا. لعلّ الكثير من سر الزوجية وما يعقبها من أبوّة وأمومة كامن في هذا الإمداد الروحي اذ البشر الذين تستخلف يظلون اجسادا او يصبحون مرشحين للملكوت.

أجل الملكوتية ليست حكرا على الأطفال ولكن لك انت ان تذوقها ان عرفت ان تبصر وتتبصر لئلا تدركك الشيخوخة الروحية وهي ليست محتومة ان أصغيت الى ما فوضك الله اياه للاعتناء بأولادك بوصفك وسيط الله للعناية.

تعب الوالدين الحقيقي انهم لا يعرفون المستقبل الروحي للطفل. عليهم هم ان يقتربوا من القداسة علها تنتقل ولكن الخوف انها لا تنتقل دائما او تنتقل عيوبهم مهما كانوا كاملين ذلك ان القلب البشري مسرح للحسنات والسيئات وقد تصدم السيئة قلب الطفل الكثير الحساسية. اذكروا ما قال السيد: «ويل لمن تأتي عن يده العثرات». مشكلة الحياة العائلية انها كثيرا ما تكون ظرفا للعثرات. وعندنا نحن اللبنانيين ميل للغضب والشتم والسُباب. هذه تجرح كثيرا ثم بعد جرحها او معه يتعلّم الطفل الكلام البذيء الطافح من قلب بذيء. ان لم تكن مالكا عفة اللسان فأولادك غير محصنين والشر اسرع انتقالا من الخير عند معظمنا. ابنك او ابنتك هدية الله ولكنها هدية له. ولدك وديعة عندك ونفسه مردودة اليه او تصبح فريسة للشيطان وانت تدان.

# #
#

قال لي رجل مرة في حديث بيننا دقيقة مسؤليته: انا متزوج منذ خمس وعشرين سنة ولم أسهر مرّة خارج البيت لأحفظ أولادي. هذا حد في التربية لم يبلغه الكثيرون ولكنه مثال يحتذى جلّه ان لم نستطعه كله. ان كنت تحسب زواجك تفويضا إلهيا هذا يتطلب منك نباهة كثيرة لئلا تخسر نفسك. ان كنت غير قادر ان تحمل ابوة الله يصبح زواجك ضلالا او لهوا او ظهورا اجتماعيًا ومكانا للتيه.

لم يولد الولد للغنج كما لم يولد للقسوة ولكنه جاء ليرث عطاء الله بواسطة راعييه اي أبيه وأمه. هل يجد ابنك عندك مرعى؟ هل يجد فيك حياة؟ هذا يتمّ ان بذلت نفسك عنه والا أكلته الذئاب. هل تريد ان يخطفه الذئب ام تطرد انت ذئبيتك وذئبيّة المتصلين به لتستحق ان تسمى راعيا صالحا؟

التربية مشكلة كبرى ولا تتم بلا الرضاء الإلهي ويقولون لك اجتنب الكبت. استاذ الكبت زيغموند فرويد لم يقل ان الكبت يأتي من التربية. قال انه يأتي من طفولة اعوجّت بسبب من العقد وهي ليست من مجال الوعي. ولكن ضبط نفس أولادك ليس كبتا. انه تطهير والتطهر فيه ان يحس انه قادر ان يصل الى بلوغ ناضج وهذا بعض من الاستقامة. والاستقامة مفتاح العظمة الروحية الكبرى.

تعلم من طفلك الطراوة والعلاقة المباشرة التي لا رياء فيها. تعلّم ان تبكي ولا تتعلّم منه ان تخاف. واذا عرف انه محبوب كثيرا يطرح عنه الخوف. بمعنى، ابنك معلّمك الارتماء في حضن الله كما يرتمي هو في حضنك. كل الحياة احتضان اي ثقة والثقة تقودنا الى التبادل الذي تكتمل به الشخصية. والشخصيّة الكاملة هي الشخصية الحرة التي لا انغلاق فيها.

انت لا تصر طفلا لأن هذا بعض من نقص ولكن كن كالأطفال في قلبك اي تحرّر من العصبيّة ومن القسوة، يبقى، اذا ذاك، قلبك كبيرا شبيها بقلب الله.