هالني في العاصفة الثلجية التي حلّت بالبلد أني كنت عاقدًا اجتماعًا كبيرًا تغيّب عنه كثيرون. عذرت مريضًا وعذرت الذين حالت الثلوج من سلوكهم الطريق. ولكني لم أعذر الذين خافوا من البرد الشديد. فنحن نحبّ الله في البرد والحر ونترجم هذا في حضور مطلوب.

ثم بعد هذا -في خضم العاصفة- أقمت القداس الإلهي في إحدى القرى ولم تكن في أعالي الجبال والطرقات سالكة فيها مع سقوط أمطار خفيفة. وعذرت الشيوخ ولكني لم أعذر الشبان.

أتساءل اليوم: لماذا يكابد الناس مشقات المناخ لزيارة صديق أو حبيب ولا يتحمّلون أي عناء ليزوروا المسيح في كلمته التي يسمعون في كنائسهم، وكيف يحرمون أنفسهم من تناول جسده ودمه الكريمين؟ أليس هو الحبيب الذي يشتاق إلينا والمفروض ان نبادله هذا الشوق؟ ان الذي يغيب كأنه يقول: أنا أُرجئ زيارتي للمسيح لأنه غير منظور أما حبيبي فمنظور.

حدّثني أحد كهنة الأبرشية ان امرأة مسنّة أوصاها طبيبها ألا تذهب يوم الأحد إلى الكنيسة حتى لا تتعرّض إلى سوء مناخ أو إلى مشي متعثر فأجابته: أفضّل أن أموت في طريقي إلى الكنيسة أو في الكنيسة من ان أموت على فراشي.

أنا لا أتمنى ان يصيب أحد نزلة صدرية ولكن هذه الحياة فيها خيارات. إذا ذهب بنا الحرص على صحتنا إلى درجة الوسواس الضخم أو الخوف الشديد يكون فينا خلل. هذا العمر اقتحام. هنا أود ان أحدثكم عن الاب الروحي الذي كان يرشدني في باريس لما كنت اطلب اللاهوت فيها في منتصف القرن العشرين. كان هذا الكاهن المتوحد يحبني كثيرا ويستضيفني كل يوم بعد الظهر لتناول الشاي. دخلت عليه مرة وكان معصَّب الجبين بمنديل ابيض. سألته عن صحته. قال عندي حرارة 39 درجة. جلست في مكاني. وبعد دقائق معدودة رن الهاتف في الممر الذي كان يقود إلى البهو الذي كنت أنا فيه. فتركني وذهب ليتناول المخابرة ورأيته عائدا إليّ ونزع المنديل عن رأسه. وقلت: ما هذا الذي جرى حتى ترمي بالمنديل؟ قال: الطالب فلان مريض بمصحّ المسلولين، وطلب أن اذهب إليه لكي يتناول جسد الرب. فسألته عن المسافة بين المعهد اللاهوتي (الذي كنا فيه) والمصحّ. قال: ستون كيلومترا. قلت له: عليك إذًا ان تجتاز 120 كيلومترا يضاف إليها مسافة المِترو وأنت على هذه الحالة. أليس الأفضل ان ترتاح الليلة عسى تنخفض الحرارة وتذهب في الصباح الآتي إلى رفيقنا؟ قال: قد لا يعيش صديقنا حتى الغد. يجب ان يتناول هذا المساء. ذهب أبي الروحي وعاد غير مكترث لصحته وشُفي من مرضه.

الأعذار دون الذهاب إلى القداس: أنا تعبتُ هذا الأسبوع وليس لي من وقت راحة إلا صباح الأحد، أو أنا ارغب في ان اصعد بعائلتي إلى الجبل، أو اذهب بها إلى البحر، وما إلى ذلك.

حدثني احد الناس ان شابا ماتت أمه ودفنت يوم سبت ولم يتقبل المعزّين في اليوم التالي صباحا لأنه كان لا يستطيع ان يتنفس بلا القداس الإلهي. أتصور ان هذا الفتى حمل أمه في صلاته ولم يغرق في حزنه. أنا أعرف عن بعض الأفارقة انهم يسوقون سيارتهم أربع ساعات ليَصلوا إلى أقرب كنيسة. أجسادهم تتعب ككل الأجساد. الا انهم متيقنون ان هذا هو الخبز النازل من السماء، وانهم دونه تقتات أجسادهم فقط بالخبز والخضار.

نفسي كانت حزينة حتى الموت لما أقمت الذبيحة الإلهية التي كلمتكم عليها وكنت انظر إلى فراغ الكنيسة أي إلى لا شيء والناس خائفون من البرد. غيابهم جعلني في برد أشد وأعظم وجعا من ذاك.

متى نفهم ان حبنّا لله الذي ندّعيه يجب ان يُتَرجم؟