«لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» مطلع تأملنا في رسالة بولس وفي الانجيل. فباقتراب الصيام وغدا بدؤه أحست الكنيسة انه ينبغي ان ندخل هذه الفترة المباركة بتذكيرنا بالفضائل لأنه لولاها ماذا يعني الإمساك. فبعد ان قال بولس: «قد تناهى الليل واقترب النهار» اخذ يذكرنا بأعمال الظلمة التي ينبغي ان نجتنبها، فذكر السكر والعهر التي يتطهر الناس اذا ابتعدوا عنها، وذكر الخصام والحسد لأنك إنْ صُمْتَ مع الجماعة كيف تكره احدًا.

اما من الانجيل فاخترت لكم قول السيد: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» اي لا يكن همكم ان تصيروا اغنياء. احيانا يصبح الانسان غنيا ولكن لا يجعل المال عشقه لأن معنى هذا ان الرب ليس الحبيب الوحيد عنده. ويوضح متى الانجيلي ذلك بقوله: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». المال يصبح خطرا ليس اذا جمعته بعملك ولكن اذا عبدته فصرت له عبدا، ويفسد، في هذه الحالة، قلبك ولا تشفق على الفقير. المادة تصير عندك اهم من الانسان، وتصبح انت بسبب قوتك مركز الوجود لأنك تكون متعلقا بذاتك وشهواتها وان تعظم وان يمجّدك الناس. وفي هذا خطر على خلاص نفسك اذ قال للفريسيين: «انكم لا تستطيعون ان تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدا من بعضكم البعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه».

ما من شك ان احد اخطار الغنى هو انك تخاف على نفسك وعلى عائلتك وتريد ان تحميها من العوز، وهذا يقتضي مستوى من التملك في نظامنا الاقتصادي. ولكن هذا لا يتطلب الغنى الفاحش ولكن تملكا معقولا حسب الوضع الاقتصادي.

غير ان الخطر الأكبر هو انك تفتش عن صداقات في الاوساط السياسية والاقتصادية العالية لتستمد من هذه المعاشرة سلطة على الناس. تصير ملكا صغيرا في جماعتك وتسعى الى زيادة غناك لتكون اقوى من منافسيك وليقوى بك الناس اكثر مما يقوون بسواك. في الحقيقة انك تطلب مجدا باطلا يزول بموتك ولكنك تستمتع بهذا المجد في حياتك.

يسوع ما دعانا مرة الاّ نصبح أغنياء. حذّرنا فقط من الكبرياء الناتجة عن المال كما حذّرنا من الاتكال على المال، وهو يريد ان يكون للمؤمن متكله وحده بحيث اذا بقيت فقيرًا او صرت ميسورا وثريا يكون المال لا شيء في عينيك ولكن تستعمله من اجل عائلتك وقوتها وتعليم اولادك في احسن الجامعات اذا استطعت. هو يريد ان يكون المال عبدا لك لا ان تكون انت عبده.

ان الخطر الكبير هو في العبودية لأي شيء ولأي انسان. السيد قال: «تعرفون الحق والحق يحرّركم». انت تملك (في السماء) ما تعطيه هنا فاذا ازداد مالك تعطي بقدر ما يزاد. والمستوى الأعلى لهذا السلوك ما ورد عن الانسان الكريم في المزامير: «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد». شارِكِ الفقراء لئلا يقعوا في ذلّ الفقر. شاركهم لأنهم إخوتك. امتنع عن بعض الأطعمة في الصيام لتحس مع الجائعين وتعرف انهم قد يكونون افضل منك. لا تحب الدنيا ولا ما في الدنيا. احبب المخلّص الجالس في السماء لتصير الى السماء. هذه كل غاية الصوم.