ما قاله آباؤننا في هذا اليوم انه فيه يقترب انتصاف الصوم وقد راقبوا ان بعضا من المؤمنين يملّون هذا الجهاد ويتعبون. وحتى لا يتركوا هذه الرياضة، ولئلا يقعوا في التجربة، رفعت الكنيسة-الأم الصليب أمام أعينهم في طواف، فيتقدمون للسجود له ويعانقونه ليوحوا لأنفسهم أنهم مصلوبون مع المسيح ويشتاقون الى قيامته.
واذا ما قبّلوا الصليب مرفوعًا على صينية ومحاطًا بالرياحين او الزهور، يعطي الكاهن كل واحد منهم زهرة ليذكروا بأنه بالصليب قد أتى الفرح كل العالم، وهكذا يتشدّدون.
وبسبب هذه الذكرى نقرأ الفصل الإنجيلي حيث يقول الرب: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». انها دعوة ان نتبع يسوع في حياتنا اليوميّة وان نستوحيه في كل ما نعمله وان نطيع تعاليمه وألّا نتبع سواه او شهواتنا.
ان نتبعه شرطها ان يكفر الانسان بنفسه بحيث يتخلّى عن أنانيته ولا يفتش عن ملذاته، ان يتحرر من رغباته الدنيئة، ان يُميت الأنا الطامعة فيه ليحل محلها حضرة المسيح فيصير هو عمق كيانه.
ثم بعد هذا يتابع يسوع: «من أراد ان يخلّص نفسه يُهلكها، ومن أَهلكَ نفسه من أجلي ومن اجل الانجيل يخلّصها». المعنى ان خلاص النفس مع المسيح شرطه ان يُهلك الانسان شهواته المؤذية اذ لا تجتمع هذه مع السيد. فإذا لم يملأ السيّد كله كل نفسك يكون للشيطان محل فيها.
هذه إماتة الأهواء اي القوى التي تنبع منها الخطيئة. لا يكفي ان تندم على الخطيئة. يجب ان تقتلعها من شروشها حتى لا تعود لتؤذيك. وهذا يتطلّب ان تتبع المسيح الى حيث ذهب اي الى الجلجلة. واقتلاع الخطيئة من داخلك يشبه سفك دم المخلّص. ولما وصل كلام المعلّم الى الذروة قال: «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه».
الانسان يغرى بربح العالم وهو الغنى والنفوذ والسلطة ومسرّات الجسد والكبرياء وما الى ذلك. هذه المجموعة من الضعفات التي ينتفخ بها الانسان تجعله يظن أنه شيء كبير وهي بنظر الله لا شيء لأنها لا تعطي الانسان حقيقة ولا غذاء روحيا ولا تجعله كبيرا في عيني الله. هذه فقاعات صابون يغرى بها الانسان موقتا. تسكره موقتا اذ ليس من لذّة تدوم. امّا الفرح الإلهي فيدوم، وعطاء قلبك يدوم في قلبك ويرى الله انك ملآن منه. فعليك ان تختار بين ان تربح خلاص نفسك او ان تربح مغريات العالم، وليس من جامع بينهما. لذلك يكمل السيّد فكره بقوله: «ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه؟». القصة كلها ان المسيح يريحك في العمق، وان الأشياء الزائلة توهمك بالراحة، ولكنها لا تعطيك الفرح الداخلي العميق. يمكن ان تربح هذه الاشياء الفانية وتكون هزيلا امام الله.
من بعد هذا يقول يسوع: «مَن يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الشرير يستحيي به ابن البشر متى أتى في مجد أبيه» في اليوم الأخير. مَن استحيى بالفضيلة يكون مستحييا بالمسيح نفسه. الفضيلة ثمرة المسيح. هناك ناس بلا شك يستحييون امام بعض الخطأة بأنهم دائمًا حاضرون في الكنيسة.
في بعض المجتمعات الفاسقة هناك رجال ونساء يعتبرون أنفسهم عصريين اذا دنّسوا الحياة العائلية. هناك مَن يفتخر بأنه يقبض كومسيون عن بضاعة هو مؤتمن على بيعها. كل هؤلاء يستحييون بالمسيح حقيقة.
المسيح انت تشهد له ليس فقط اذا أعلنت ايمانك به، ولكن إن سلكت بموجب إنجيله بحيث أن من رآك يرى نور المسيح مرتسمًا على وجهك.
