Category

2014

2014, جريدة النهار, مقالات

التجلي / السبت في ٩ آب ٢٠١٤

التجلي عيد ليسوع هام لأنه يكشف حقيقته. يظهره لنا مخلصا. هذه هي العلاقة بيننا. يقول لنا الكاتب انه في تجليه على جبل ثابور في الجليل لما ظهر له موسى وإيليا كانا يتكلمان معه عن خروجه من أورشليم أي عن موته اذ ليس من كلام آخر لأن موته يحمل قيامته أو لأن قوة قيامته كامنة في موته. في صميم النور كلماه عن موته. بدأت فاعلية القيامة على الصليب لأنها هي والصليب الحب. ليس من نور آخر. كل حدث من أحداث سيرته كامن في الآخر. تجلياته واحدة. نفهم وحدتها في اليوم الأخير وكل مؤمن يكتشفها في حبه ليسوع.

ما معنى التجلي في سر المسيح؟ حقيقة المسيح كامنة في كل حدث من أحداث سيرته على الأرض. نور المسيح كان فيه قبل ظهوره على جبل ثابور. التجلي لا يعني ان نورا نزل على السيد بل ان نور السيد الكامن فيه بدا للتلاميذ. يسوع لا يكتب شيئا من الآب في كل مرحلة من مراحل حياته على الأرض. هو يكشف علاقته بالآب. التجلي هو انه جعلنا نقرأ هذه العلاقة. نحن نعرف الله في علاقته بمسيحه. لعل أهم ما نفهمه انجيليا عن التجلي ان نور المسيح كان في آلامه اذ كشف لنا لوقا ان موسى وايليا لما ظهرا له كانا يحدثانه عن موته وكأن لوقا أراد ان يقول ليس من حديث آخر فالصلب كامنة القيامة فيه.

يسوع لم يتغير في ذاته لما تجلى. اظهر لنا ذاته قادرا على كل شيء ومحبا. يسوع لا يتجلى. يكشف نفسه جميلا وأنت ما كنت تراه كذلك. هو يهب لك ان تراه كما هو لتستطيع أن تحبه وتحيا به.

هو تجلى لتتجلى أنت به مع كل المؤمنين. يسوع تجلى تعني ان لا شيء يحجبه عن قلوب أحبائه. هم باتوا أحياء لكونه حيا. سيبقون أحياء ما دامت الشهادة. المسيح لا يموت. انه حي في ذاته وفي أحبائه، ولسنا نخاف شيئا لأنه قضى على الخوف. محبته وحدها تحيينا إلى الأبد.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الله يكتب / السبت في 2 آب 2014.

من كتب يكتب من جوع. يحس أنه يوجد إذا قال. الجائع يأكل أي يأخذ فيوجد. الكاتب إذا أعطى يوجد. الجائع هو بطنه. الكاتب هو كلامه ويؤخذ. هو غير موجود لنفسه ولو أغري أحيانا بالسيطرة. إذ ذاك لا يكون كاتبا عظيما إذ ليس من كتابة الا في الحب.

غير صحيح أنّ غايته في الكتابة أن يتحقق. هذا قد يأتي على الدرب. ليس خارج المحبة من غاية. الأطهار يحبون بالخدمة. الموهوب عقليا يحب أن يقول الكلمة. هذا ليس خياره. هذا ما صنعه الله فيه.

أنا لا أعتقد أن ثمة ناسا مغلقين. صح أن الإنفتاح درجات ولكن الإنسان أيا كان هو للآخر. يختنق بلا انفتاح. الكاتب يحيا في داخله لأنه يكتب. يحيا لأنه يحب. ما الأدب الا انك لا تعيش الا إذا قلت شيئا للناس. هو ترجمة من ترجمات المحبة. القديسون الصامتون كانوا أدباء لأنهم هكذا كانوا يترجمون الله.

الكلمة نير وضع عليك. تخون إن لم تقلها. الكاتب مجرد رسول، ليس خالقا. «في البدء كان الكلمة» (يوحنا 1: 1) وأنت لا تزيد شيئا على الكلمة. اختارك الله لتقولها. وضع فيك طاقة لذلك. ليس لك في ذلك شيء. أنت تأخذ طاقتك من فوق. غير هذا ادّعاء. نحن ليس لنا كلمة. كلمتنا زينة فقط لما قيل إلهيا. لذلك كان القديسون يختفون وراء الكلمة. كان يذهلني دائما لما كنت أقرأ عند آباء الكنيسة قولهم إنهم يرددون ما قاله الأسلاف. ما ادّعى أحد منهم شيئا لنفسه. المبدعون الحقيقيون يعرفون أنهم يترجمون الله ولا ينسبون شيئا فيهم الى أنفسهم. الإنسان لسان الله أو ليس بشيء.

ما علاقة الكاتب بالقارئ؟ الكاتب المؤمن لا تهمه هذه العلاقة. يسعى الى إقامة صلة بين القارئ وربه. الكاتب ليس خالقا. إنه مترجم. يترجم حسّه بالخالق بكلام بشري. الكاتب المؤمن لا يعرف نفسه الا دليلا على الله. ليس عنده كلمة. إنه غارق في كلمة الله تلبسه كما هي تشاء. عندما نقول عن شاعر إنه مبدع هذا من باب التجاوز الأدبي. أعظم شاعر في الكون ناقل الشعور الإلهي لأن الله استعار لغة البشر ليخاطبهم.

أنت لا تكتب. الله يكتب. لما قال الإنجيل الرابع: «في البدء كان الكلمة» أظن أنه قصد أنّ الكلمة كان في البدء وفي الآخر بدليل قول الله: «أنا الألف والياء، البداءة والنهاية». أنت لا تزيد على قول الله حرفا أو فاصلة. أنت لا تخلق. أنت تفسّر. علاقة الكاتب بالقارئ أنه ينقل كلمة الله إن كان كاتبا عظيما. يلبسها ثوبا بسبب وضعنا البشري. ولكنها لا تكون كلمة عظيمة الا إذا كانت مخفية وراء ثوب إلهي. عندما قال الله: «أنا الألف والياء» أظن أنه قصد أنك لا تزيد بكلامك حرفا على كلامه وأنت كاتب عظيم فقط إن أوضحت كلامه اذ تصبح إلها. ألم يقل هو: «أنتم آلهة؟». ذلك أنّ الألوهة كامنة فيكم. أعرف أنّ هذه مسيحية ولكن ماذا تعني لي الألوهة إن لم تكن منسوبة؟ أرجو أن يفهم المسلمون بعمق ايمانهم أنّ هذا ليس بتجديف والا ماذا تعني أن للرب صلة بي. كيف يصل إن لم يتصل، إن لم يلتصق ويصير إياي وأصير إياه بالحب؟ أن تكون علاقتي به ليست على هذه الصورة يعني أن لا علاقة. أنا مسيحي وإلهي تجسد. قبل تجسده أفهم أنه كان عنده حنان. الآن أفهم أن فيه لصوقا بي وأن عندي لصوقا به أي أني أنا فوق وهو تحت وإذا كان عندك حب تفهم ما أقول.

تنزل الكتابة -فإنها تنزل- لأن ما تقوله أنت سامعه. إذًا في البدء كان الكلمة. في كل الكلمات أنت تتلقى من الله ان كنت مطيعا. أنت لا تخلق إذ ليس ما كان في البدء الا في الكلمة.

فيما أكتب هذه السطور في بيت أبي أنظر إلى أيقونة بيزنطية من القرن الثامن عشر الناقلة وجه المسيح على المنديل. لماذا يجب أن أنظر إلى الأيقونة إذ أكتب؟ أليست الكتابة طاعة لإلهامها؟ ماذا تعمل بهؤلاء الأرثوذكسيين المتمسكين بالأيقونة ليصلوا بالله لا بلوحة من رافائيل؟ لماذا تريد أن تسلخهم عن هذا الشرق ليتمدّنوا؟ هم يعرفون كيف يتمدنون إذا شاؤوا. ماذا لك عليهم إن تمسكوا بتراثهم وتكلموا كل لغات الغرب؟ هذا يعني أنهم لا يحبون الهجين. دائما كان يذهلني هؤلاء الروس الذين هاجروا إلى الغرب بعد ثورتهم إذ كانوا ثقافيا يحبون روسيا والغرب معا. هل المحبات تتنافر؟

في الفهم المسيحي لإلهام الكتاب المقدس صعوبة إذ نقول إن الله كاتب الكتب وإن أصحابها كتبوها. هذه صعوبة ظاهرة. الله لما كتب اللوحين اللذين سلم موسى لم يكتب بإصبعه ولكنه قال كل الفحوى. الله هو القائل في ما هو مقدس. الكاتب الديني لا يشعر بثنائية إذا تكلم عن علاقته بربه. القصة ليست قصة سطور سطرت.

نحن في المسيحية لا نسعى إلى إقامة علاقة بين القارئ والكاتب. بين القارئ وكلمة الشراح صلة. الرب الموحي حتى نختفي جميعا في الكلمة. هذا سر إن رمت أن تعرف من حقا هو الكاتب. هل موصل الكلمة مبدعها أو مبلغها؟ كيف نخلق؟ هذا هو سر الأداء الأدبي أنك لا تعرف من هو المبدئ.

الكاتب المؤمن عنده صعوبة دينية مع الكتابة. إنه يريدها تبليغا إلهيا دالا لما كتب. مع ذلك يعرف من كل جوارحه أنها آتية من خبرته وذوقه ومن تراث عليه أن يكون أمينا له. كيف تكون إلهيا وأنت مجرد مستظهر للكلام الإلهي لأن الإجترار يلغيك كاتبا والنص الإلهي بلا تأويلك أفصح منك؟ أفهم أن تقول لي أنا أكرر كلمات الله. إذ ذاك أقول لك لست بكاتب وهذا لا ينتقص منك شيئا. ولكن إن أردت نفسك كاتبا لأن هذا من جوفك فلا تستطيع فقط أن تستظهر الآيات. أنت شيء مع الآيات، بالآيات إذ ذاك أنت كاتب. بلا هذا التمييز بينك وبين كلام الوحي أنت راوية وهذا جميل. ولكني أنا أحب لعبة الله بكلمات البشر كما أحب كلام الله وحده. هناك فرق بين الأديب المتأثر بالشعر وبين الناقد. الأديب يلعب أي يحيا. الناقد لا يلعب.

أنا من زمان عندي صعوبة مع الكتابة. دائما أخشى فيها أن أخون الأصل الإلهي المفروض عليّ. في أعماق العمق الإنسان ليس بشاعر. إنه ناظم. الله وحده شاعر. أعظم ما يقوله المؤمن أنه يحيا بالله. لا يقول إنه يحيا الله إذ هذا يتطلب اختلاط الجوهر الإلهي والجوهر البشري فينا. لذلك ما كانت الكتابة خلقا. إنها تقليد للخلق.

أنت تقلد الخالق إذا فكرت مثله أي إذا اقتربت منه في عمق كيانك. هذا فوق المستوى الذهني. هذا اختبار وجدان لأن لله قلبا ومن القلوب ما كانت شبيهة به. كيف تنسب إلينا فضائل هي أصلا لله إن لم تكن بين الأفضلين منا والله قربى وبيننا جميعا وبينه شيء من القربى؟ إذا كنت غير جائع اليها تحسب أنك طالب فضائل ولا تفهم أنك تبغي قربى. إن لم تفهم ضرورة القربى تكون أدركت أنك تريد فقط تشبهاً بفضائل الله لا قربى من كيانه. وإذا لم تحس بهذه القربى لا تشعر أنك أليف الله أو حبيبه أي تبقى أسير محسوسية الخلق. العاشقون يفهمون أنهم بالحب اخترقوا الحاجز بين الخالقية والمخلوقية.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

أطفال فلسطين / السبت 26 تموز 2014

هذا ليس مقال حسرة لأن قتل اليهود لنا لا يذهلني. هذا تاريخهم. ليس أنهم ملعونون. الجريمة ليست مفروضة عليك من قدر. تختارها لأنك تحت اللعنة، لأنها سرك وليس علينا أن نفهم. جرحي أنا أنّ أولاد فلسطين يقتلون (بضمّ الياء) وليس من سبب الا أن المجرم مجرم وأنا لست الله لأبرره. لماذا تباد فلسطين أمام أعين كل الشعوب؟ لماذا قتل (بضمّ القاف) يسوع الذي كان من الناصرة؟ ماذا يبقى من العالم إن ذهبت فلسطين؟ إن هي ذهبت فهذا قتل آخر ليسوع الناصري. ويسوع أهم شيء في العالم. إن ذهبت فلسطين أين أقبّل قدمي يسوع؟ أنا في حاجة الى أطفال فلسطين أني في حاجة الى قدمي يسوع.

أنا واثق أن الذين لا يحبون فلسطين لكونهم تهوّدوا لا يحبون يسوع المسيح. أنت لا تستطيع أن تحب ابن مريم ما لم تحبّ بلدها. فلنصالح الأرض حتى نصالح سيد الأرض. أذكر أني لما كنت في سيارة داخلاً يافا من لبنان السنة الـ 1946 صلبت وجهي (أي رسمت على وجهي إشارة الصليب) لأن يافا عندي كانت القدس والقدس كانت العالم. كيف أترك فلسطين ولا أترك مريم؟ لا تسيسوا الموضوع. ماذا تريدون مني عندما تقولون لي لماذا تتكلم عن فلسطين. أتريدون الحقيقة؟ فلسطين تعني لي يسوع الناصري. دمه انسكب على هذه الأرض من خشبة الصليب. طبعًا انسكب على العالم ولكن من القدس.

لا أستطيع أن أعزل دم فلسطين عن دم يسوع. أنا مع فلسطين الجريحة لأني آتٍ من جنبه. أنت لست عادلا يا ابن الغرب إن حزنت على دم اليهود يراق ولم تحزن على أي دم آخر. من لا يعرف مساواة الدماء لا يعرف شيئًا. أنا عشت في الغرب طويلا ولم أفهم أنهم كانوا يحزنون لعذاب اليهود ولا يحزنون على قوم آخرين. هل في الموت معسكر لليهود ومعسكر لغير اليهود؟ الكراهية للعرب ليست فقط سياسة. إنها خطيئة إذ ليس من خطيئة مبدعة. أنا لا أطلب منك أن تحب العرب على اليهود. أريدك أن تعدل. هذا هو شرط المحبة التي من الله. أريدك أن تحب اليهود لا الصهيونية. أنا كاتب هذا المقال أحبّ منهم من ليس عدوا ليسوع المسيح وأتمنى لو جعلوه حبيبهم. هذا هو الفرق بين اليهود والمسلمين.

إن المسلمين يحبون المسيح ويعرفونه نبيا لهم واليهود لا يعرفونه. سوألنا الوحيد ليهود اليوم هو هل صرتم مع يسوع الناصري بعد أن قتلتموه أم لا تزالون أعداء؟

المسلمون يقولون إنه حبيبنا. وأنا لا أستطيع أن أساوي بين محبي يسوع وغير محبيه. لذلك كل هذه القربى بين مسيحيي الغرب واليهود عندي لا معنى لها. ولذلك كان السوأل هل اليهود يحبون مسيحيي الغرب كما هؤلاء يحبونهم؟ أطرح هنا سوألا لاهوتيا لا سوألا مجتمعيا. شعوري أن مسيحيي الغرب يحبون أن يقيموا في سذاجتهم ليظنوا أن اليهود يبادلونهم المحبة. المسيحيون عندهم أساس لاهوتي ليحبوا اليهود. هذا في ديانتهم. ولكن ما الأساس اللاهوتي عند اليهود ليبادلوهم المحبة؟

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

فكر إله / السبت 19 تموز 2014

أن تقبل الآخر في ما هو آخر أمر عسير للغاية لأنه يعني قبولك أنه لا يخضع لك أو لا يتكلم مثلك وإن هذه الدنيا قائمة على التنوع وأن الله يتعامل وإياها على هذا الأساس. فالله لا يرغمها على التوحد ولو شاءه على أية صورة تتوحد؟ هل عند الرب صورة عن وحدتنا؟ ما من شك عندي أنّ الرب أرادنا أن نكون أمة واحدة مجمعة على فكره ولكنه لم يرغمنا على ذلك. هل يروقه التعدد أو التنوع؟ ما أعلمه أنّ حريتنا تروقه ويريد أن نقبل اليه بهذه الحرية لأن محبتنا له بإرغامنا عليها ليست محبة.

هذا سر الله في معاملته إيانا أنه يترك لنا حرية حبه إذ، بصورة ما، يعاملنا مثل شبيهين به. إن دونية رهيبة إذا قامت بيننا وبينه تلغي الشبه بيننا وبينه وتاليا تلغي الحوار. فقط الأحرار روحيا يعرفون هذا الحوار. أجل، إن كنت عظيم التقوى تحسّ بالخضوع لربك أي بكلامه وحده.ولا تعرف نفسك شيئا ولكنه هو لا يريد ذلك. طبعًا، السؤال العظيم الرهيب هو كيف تحاور ربك وهو ليس بعديل لك؟ ليس عندي جواب. هذا سره. ولكن هو يجعلك تحبه وبمعنى سري لا يفهمه أحد يقارن بينك وبينه أي يجعل معك نوعا من المساواة في التعامل. ينزل اليك بحبه ولا يخشى أن ينزل اليك إن كنت لا تتعظم وهو لا يعوزه شيء. الله يقول إنه يحاورنا. أنا لست أقول إننا نحاوره. نحن نرتضيه لأننا نحبه من بعد إيمان. هو له الحق أن يقنعك أنك تحاوره لأنه هو أيضا يؤمن بك محاورا إذ هو قادر أن يرفعك إلى هذا المستوى.

تعلمت عند أساتذة كانوا يقولون إن الله صديق. كنت أفهم حبهم له. ولكن صعوبة هذه الكلمة عندي أنها مبنية على مساواة ما بيني وبينه.

أفهم أن أساتذتي مسيحيون ويحبون هذه الوحدة بينهم وبين الرب. ولكن هذه جسارة من قبلنا. هو وحده له الحق أن يقول إننا واحد معه لأنه قادر في كل حين أن يبرئنا من الخطيئة. لعل المسيحية تيسر القول على أننا في وحدة حال مع الرب. ولكن هذا انعطاف من الله وهو محقق فقط إن بقينا على العمل الصالح. إن كشف يسوع المحبة الإلهية لنا يستمر في دوام الطاعة له. ليس لأحد منا شهادة حسن سلوك من الله مسبقة للسلوك. رضاء الله عنك مشروط بحبك له.

هذا سر الله وحده أن يقبل أبناءه مختلفين. ليس ما يدل على انه يسر بالإختلاف ولكنه وحده قادر أن يقرأ وحدتنا في اختلافنا لأن الوحدة ليست في من تراهم ولكنها في حبك لهم. حبك لهم يجمعهم إلى الله. المحبوبية كما يرونها فيهم هي محبو بيتهم لدى الله. العاطفة البشرية وحدها إذا رأوها بينهم تدوم أو لا تدوم. الحب الإلهي وحده ثابت لأنه مستقل عن تقلبات القلب.

«إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟» وكأنه يقول إن المحبة دفق إلهي تتقبلها أنت شاكرا ولكنك لا تصنعها. أنت لا تكون محبا في العمق وحتى النهاية إلا إذا أحببت المختلف لأن في هذا فقط محبة إلهية. إن أحببت من يشبهك يبقيك في نفسك. الحرية أن تحب من لا يشبهك. أخرج من نفسك هذا هو سر الحرية.

«أن تقبل الآخر في ما هو آخر» يعني أن لك معه وحدة الخلق التي بالله. البشر بالحب يصيرون كالبنيان المرصوص. ما عدا ذلك «الإنسان ذئب للإنسان». كيف تقضي على الذئبية فيك هذا كل جهدنا إلى أن يجعلنا الله حملان المسيح.

أن تصير حملا أي قابلاً على إعطاء الحب يتطلب كل حياتك. أصعب من هذا وأعلى أن تفهم أن الآخر كل حياتك لأن شرط حياتك موتك في سبيله.

الحياة الجديدة ليست أن تغير مسلكاً لك في الوجود خارجيا. هي أن تغير كل فكرك بحيث يصبح مطابقا لفكر الله. إن كان لك فكر آخر فلست لله. الحرية الوحيدة المتروكة لك أن تقرأ الوجود كله من خلال الله أي أن تراه من الله. وإلى الله. ما عدا ذلك لهو أو لغو. إعرف كيف تفكر مثل الله. بهذا تصبح حقيقيا.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

إله القلب / السبت في 12 تموز ٢٠١٤

يا رب نجني من نفسي فقد يكون ما فيّ أخطر على مما يداهمني ويبقى كامنا كالأفاعي وأنا لا أعلم أو لا أريد أن أعلم خوفًا من ان تصير الفضيلة فيّ متطلبة وأنا لا أرتضي أن أعطيها كل ما تطلب لأني لم أقبل ان أبيع كل ما يجب بيعه فيّ لأصبح فقيرًا إلى الله.

قصة الانسان الأولى مع نفسه ولا يدخل شيء من الخارج الا اذا قبلَته النفس هذه التي لا تنجو الا عند الموت لأنها قبله تستلذ ذاتها. كل ما عندنا من كبرياء يدفعنا إلى ان نرتضي ذاتنا انطلاقا لنعود إلى الدفء الذي تعطيه ونعتبره الذات. ولكن الخوف الأول في الانسان هو من ذاته، من هجمات ذاته. يريد الحياة والموت في آن.

الذي عرف مخلصا له أو شاهد نفسه سالكا طريق الخلاص لا يموت ولكنه يخشى السقوط. أظن ان المسيحية أدخلت إلى الفكر الخوف من السقوط لأنها ظلت وريثة آدم الأول على معرفتها بآدم الثاني الذي هو المسيح. ذلك ان المؤمن عندنا يواجه الخطيئة كما ليس هذا في تراث آخر. لعل هذا يعود إلى تعريفنا الأساسي ليسوع انه المخلّص أي المخلّص من الخطيئة. من زمن بعيد أتهمني أحد الأصدقاء اني أغالي في ذكر الخطيئة. قلت له أنا أعرفها وتعذبني. قال لي أنت لم ترتكب كذا وكذا. قلت له ولكني مؤهل لإرتكاب لأني أعرف جيدا بهاء المسيح واني احتوي كل طاقات نكرانه. أنت لا تخاف كثيرا الا لأنك تحب كثيرا وتخشى خسارة في مقدار الحب.

ما من مهمة لوجداننا الا ان نعرف كيف لا نخسر ذرة من المحبة لأنك ان قبلت بالخسارة تكون قد صالحت الخطيئة وهتكت البرّ. كل معنى وجودنا ان نريد البقاء في الحب الذي أحبنا الله به. بعد هذا تتنزل علينا كل جمالات الله. الدقيق روحيا من عرف اذا أتى الروح الشرير إلى ذهنه ان يقفل أبواب ذهنه دون الشر ليسلم.

المغالطة الكبرى التي تجربنا توهمنا اننا نستطيع ان نستغني عن فضيلة واحدة ونتجمل بفضائل كثيرة ونسلم. لا يا صاحبي لن تسلم. كل خطيئة أيا كان نوعها تلطخك كليا في العمق وأنت لا تعرف. ليفهم كل منا نهائيا ان المعاصي متداخلة، متراصة، متحابة. فإذا راعيت معصية واحدة وحالفتها تدمر كل حسناتك بسبب من الترابط العضوي بين السيئات في النفس. لا تستطيع ان تكون حليف الله في فضائل كثيرة وحليف ابليس في واحدة. ابليس يخرب خطة الله في النفوس التي تحالف الشر. من هنا ان آباءنا الأقدمين في الحياة الروحية أصروا على مكافحة ما سموه الشهوات أي المصادر النفسية التي تنبع منها الخطايا.

صعوبة المؤمن المتخاذل أو المتردد جهله انه ان قبل الخطيئة في نفسه زاوية تستقطب الزوايا الاخرى. ما هي مشكلة غير التائب مع الله؟ هي ظنّه ان الرب يرتب له مكانة ان قبل الا يتمم كل الفضائل. من هو غير التائب؟ هو ليس بالضرورة من أسلم نفسه بالكلية للمعصية. هو الذي يحتفظ بزاوية من زوايا نفسه للمعصية مكانا. يريد بصدق ان يسير مع الله ولكن له التذاذ خاص بهذا السوء أو ذاك. في الحقيقة يخشى ان تميته بطولة البرّ. هو يعرف الكثير عن الله ولكنه لا يريد كل هذا الكثير لأنه يكلف. عندما قال السيد للشاب الغني: «بع كل شيء وتعال اتبعني» أراد ان يفهمه انه لا يقدر ان يتمسك بأي شيء في دنياه أو في نفسه لأن كل ما كان عائق عن المسيح فيه عداوة للمسيح.

لماذا قال الله للإنسان: «أعطني قلبك» وأراد أعطني ذاتك كلها؟ ذلك ان الرب عالم بأن لا شريك له في القلب البشري.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

عمر / السبت 5 تموز 2014

اليوم ان أدرك هذه المقال المطبعة أكون قد أتممت السنة الواحده بعد التسعين من عمري. لا يعطى لي ان أعرف ما يعني هذا لله. ولكن ما وهبني الرب ان أعرفه من مقاصده هو أنه يريدني ان أتوب. هذا هو الأمر الوحيد عند ظني ما يريد الله ان يعرفه في كل إنسان. فأنت في مقدار قرباك من ربك. غير هذا لا يعني له.

ما عمري ان لم يكن مدى معرفة الله بي ومعرفتي به- المد الزمني لا يعني شيئًا. الأمور في كثافتها. العمر كله فرصة لتعرف مدى قبولك للرب. هل أنت تريد ان تصير حبيب الله. هذا هو السؤال الوحيد الذي ينبغي أن تطرحه على نفسك. كل شيء آخر من هذا العالم. إن أردت ان تصير حبيب الله تكون قد أكملت سعيك. قبل ذلك تكون قد بقيت شيئًا من هذا العالم. مدّ السنين لا يعني شيئًا. العمر في مضمونه. ماذا فهمت من أعوام انقضت عليك؟ هل عشتها نازلة عليك من فوق أم طالعة من رغباتك؟

هل العمر عدد سنين أم كثافة ما نزل عليك من فوق؟ عمرك في نوعية الوجود الذي الله وهبك. لك أنت في الإخلاص لربك ان تكثف حضوره فيك أو ان تبعد وجهه عنك. لك ان تحب أو ان تتلاشى. إلى حد ما وجودك منك ووجودك بك فاحمل وجودك إلى حيث يجب ان تحمله ليتقرر فوق فتكون حيث أردت.

بعضنا يشيخ ولا يعتق. وبعضنا يبقى صغيرا لا يخشى الشيخوخة. كثيرا ما كانت هذه نضجًا ولكنا نحن المؤمنين نريد النضج بالله. مرة أمام عليم في كنيستنا كنت شاكًا في صلاح أحد الناس فلامني كبيرنا قائلا عن هذا انه ناضج. قلت له لا، انه مسنّ. صح اني كنت شابًا عند هذا الحديث. مع ذلك أحس ان تقادم السنين لا يعني شيئًا وان كل الوجود في تقادم النعمة.

ليست كلّ سن تجلب لنفسها الوقار. هذا معطى إلى من استحق النعمة الإلهية. ظنوا في الشيخ ما هو حسن ليتدبروا سلوكهم واعطوا الفتى حقه من التقدير إلى ان يحكم الله في الناس ولا تنسوا حكم الله: «لا تدينوا كيلا تدانوا». لا يكن أحد منكم مجلبة للغضب الإلهي. «كل شيء مباح لي» كما يقول الرسول الا ان تحالفوا الشيطان وحلفاء الشيطان. وحلفاء الشيطان معروفون عند العالمين بالله. من أحب الرب من كل قلبه ومن كل ذهنه يميز دائمًا من هم لله ومن هم ليسوا له. احرص على ان يملك الرب قلبك. اذ ذاك لا يبقى عندك تردد بين ما هو له وما ليس له.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

صوم رمضان / السبت 28 حزيران 2014

دائمًا يستوقفني صوم رمضان لأن الله عند المسلمين يقول إنه له. في الحقيقة كل صوم له إذ يصبح بقوة وجهة المؤمن. وأنا المسيحي أحس حقًا أن الصوم له لأنه ابتغاء وجه الله وحده إذ لا أحد يصوم لنفسه. وإذا كان الصوم في حقيقة النفس يوحدها بالله فالموحدون بالله هم معي وأنا معهم أكلت أم أمسكت وفي عمق الحب المسيرة واحدة. إذا شاركت المسلمين روحيًا في صومهم بلا أداء أليس رمضان لي؟ وما أنا بعالم كلام ولكن العاشقين منهم يفهمونني. أنا أقبلت على رؤية الإسلام بما فيه الكفاية لأعلم أن لغة العاشقين ليست سهلة على اتباعه. ولكني لا أستطيع أن أشق طريقي اليهم الا بالعشق. من هنا ان رمضان يعبر بي وأنا أعبر به لأن روحيته تستبقيني في الصوم الكبير عندنا.

أنت ان كنت محبًا للرب تشارك المسلمين صيامهم بلا تأدية. ان كان المسيح يضم العالم اليه فالمؤمنون له والمسلمون يصومون معه وفي صحراء المسيح نلتقي الله جميعًا. أنت العيسوي تفرح في رمضان لأنك تفرح للبر. وفي السماء أو في الجنة كما يقول المسلمون لا نصوم اذ نرى الله وجهًا لوجه وتنجو نفوسنا به.

أنا لا ادخل في حديث لاهوتي عن رمضان لئلا أبدو معلمًا لأحد. ولكن عندي من معرفة المسيحية ما يؤهلني لأقول ان هذا الشهر رياضة روحية كبرى يتقرب فيها المسلمون من الله وهذا يجعل اتقياءهم عظامًا في عينيه.

في كثافة حبنا لله لا تبقى حدود وتصير الممارسات محطات في الحب الإلهي لكي يلتمع في أعيننا مجد الله يوما بعد يوم ونرى أنفسنا في الحب الإلهي.

ليس لنا ان ننتظر شيئًا آخر اذ ليس من شيء بعد الحب. والله نفسه ليس بعد الحب. هو إياه.

نحن المسيحيين كلما صمنا واعتصمنا نلتقي المسلم وفي حسباني انه هو هكذا حتى تهتك الحجب. اذ ذاك نرى الله وجهًا لوجه كما يقول بولس. نحن نلتقي في القلوب وهل من مكان آخر للقاء. صاحب القلب ليس له مشكلة مع القلب. مشكلته مع بعض الذين يحملون العقل ويهددون به. كل شيء يحيط به الغموض إلى ان يجيء المسيح ثانية. الظلمة العقلية التي في النفس لا يغلبها الا الحب لأنه هو كلمة الله واذا كنا فيه لا نموت.

أنت تعامل الأديان في العمق ولا تبقى على سطح الكلام. واذا أدركت العمق حقًا لا تفرق بين ما لك وما للآخرين. في القلوب المستنيرة للكلام حدود. واذا أوغلت في الحب يكفيك رؤية الحدود. هذا اذا وهبك ربك تجاوز الكلمات وأبلغك الجوهر.

أنت غير المسلم صعب عليك ان تقرأ ما لم تكن مثقفا مؤمنا بقوة ولكن قد يهبك ربك ان تقرأ مهابة المسلمين وتقواهم وكمالنا ان تحبهم قبلوا المفردة أم لم يقبلوها. نحن المسيحيين لا نبقى مسيحيين ان لم نحب المسلمين. نكون خرجنا عن جوهر ديانتنا. ديانتنا ليست أحكامًا أصلاً. هي كذلك استنتاجًا. ولكنها في كليتها حب والمسلم بتحديد منها في قلبها. اللاهوت لا يسبق الحب ولا يحده. أنت مع المسلم في وحده ما كائنا ما كان مقدار البعد العقلي.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكس في البلد / السبت ٢١ حزيران ٢٠١٤

لا تنتظروا مني ان أقول لكم انهم عظماء. هم مثل كل الناس. ليسوا أدنى ولا أعظم. في تصنيف الأديان هم مسيحيون ولأسباب عديدة لا يعتبرون انهم شيء عظيم وان اغتر بعض. هل هم عدد فقط أم لهم ميزات؟ ما من مجموعة دينية ليس لها ميزات لأن الدين إلى جانب كونه قناعة وجدانية هو ثقافة قائمة بذاتها. هذا ما يعرف بأنه ثقافة خاصة. فالمسلم الفارسي ببعض مكوناته غير المسلم العربي. والأرثوذكسي السوري أو اللبناني في أذواقه الحضارية غير اليوناني. لذلك لا يصح اعتبار النموذج الإناسي واحدًا بين مسيحي ومسيحي من طائفة أخرى. المثال الحضاري أو الذوقي قد يوحد مسيحيا ومسلما ولا يوحد المسيحي والمسيحي أو المسلم والمسلم.

ومما يؤسس هذا جزئيا ان لكل طائفة مسيحية أفقًا حضاريًا. ففي أشياء تراها بعيدة عن طائفة مسيحية أخرى وأقرب إلى المسلمين. فمن المسيحين من لا تحس عندهم بعدا حضاريا أو ذوقيا يختلف عن المسلمين ولهذا أسباب عديدة لا مجال لبحثها هنا. ومن المسيحيين من كان أشد تعصبا وان لم يكن أعمق دينا. وقد يتحدر هذا في اللاهوت وليس فقط في عوارض تاريخية زمنية. قراءتك الزمنية، التاريخية لطائفتك قد تبعدك عن بعض من أبناء مذهبك الذين لهم احساس تاريخي، زمني آخر. فوحدة الإيمان المسيحي بيننا لا تعني بالضرورة تقاربا في فهم الأزمنة التي عبرنا بها أو في قراءة واحدة لمسيحيتنا التاريخية. فالمارونية ثقافة كاملة والأرثوذكسية كذلك أو بالتصنيف العصري كل واحدة حضارة جزئية sous – culture.

لذلك ما كان الخلاف فقط بين المسيحيين عندنا اختلافا مذهبيا وحسب. هو خلاف في قراءة التاريخ وقراءتان منا للمسلمين. وهذا عندي ليس قراءة في مفهومين مختلفين للعروبة ولو كان هذا ممكنا. هذا بين الكاثوليك والأرثوذكس اختلاف في فهم العلاقة بين الكنيسة والعالم، هل الكنيسة تضم في كينونتها العالم إليها كما هي قراءتي للكثلكة أم الكنيسة في العالم روحه كما أفهم الأرثوذكسية؟

الروم كما يسموننا لبنانيون جنسية وعرب حضاريا. ليسوا أمة. هم كنيسة فقط أي كيان يحيا في الزمان مسيرته إلى الآخرة وفي دنياه يختلط. نحن لسنا أمة لأننا لبنانيون في لبنان وسوريون في سوريا. ووحدتنا كنسية لا قومية. الشعور القومي شرعي ولكنه يبقى لهذه الأرض. نحن واحد مع أرثوذكسيي العالم في الإيمان وواحد مع أهل بلدنا في الانتساب إلى أرضنا وتاريخها. ولعلنا معروفون بأننا نميز الأشياء. تسميتنا بروم جاءت من المؤرخين الغربيين الذين يقسمون المسيحيين إلى يونانيين ولاتين. ولكن أبسط القول اننا لسنا يونانيين لا جنسًا ولا لغة. اسمنا عند المؤرخين مستقيمو الرأي بتميزنا عن الذين شذوا عن استقامة الرأي. طبعًا هذا اصطلاح علمي فيه اختلاف. فمن الواضح ان تسميتنا في سوريا ولبنان وفلسطين بروم لا سند لها من حيث القومية أو الجنس. هي قائمة على رؤية ان العالم المسيحي انقسم إلى روم ولاتين مذهبيا. الروم في التسمية العربية التاريخية هم البيزنطيون وليسوا أبناء بلادنا. نحن سمينا هكذا لأننا كنا مع بيزنطية الرسمية على مذهب واحد. اما اسم أرثوذكسيي هذه المنطقة المعروف عند المؤرخين الأوروبيين فهو الملكيون نسبة إلى مذهب الامبراطور البيزنطي. لست أعلم تاريخيا لماذا سقطت تسمية الملكيين من الروم الأرثوذكس وهم معروفون بها في الأوساط العلمية، حتى اليوم.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

أحد جميع القديسين / السبت في ١٤ حزيران ٢٠١٤

في الكنيسة الأرثوذكسية نقيم غدًا أحد جميع القديسين جاعلين اياه الأحد التالي للعنصرة لنقول ان القداسة عمل الروح الإلهي وليست صنع البشر. جعلها الله فينا حصته حتى لا نفتخر ليكون لله فيها الفضل. المسيحية لا تعتز بالعقل اللاهوتي فقط وما اعظمه. تفتخر بالقداسة، لأن العقل الكثير منه من الإنسان واما القداسة فهي من الله. فإذا سمينا واحدا منا قديسا فليس لنعتز بما أنجز في بشريته ولكن بما وهبه الله.

نحن لا نضع في القداسة مفهوم البطولة فليس عند الله بطل. كل القداسة سكبها الرب بفضله في الإنسان ولا نعرف سر نزولها فيه اذ يحرم علينا ان نزن مقاديرها في ذا وذاك. الكنيسة الأرثوذكسية لا تربط القداسة بأعجوبة ولكن بإعجاب المؤمنين بطهارة واحد منهم. ليس صحيحًا ان القديسين أتوا كلهم بمعجزات. المعجز هو القداسة ذاتها. اذ تعني ان إنسانا ما رأى في الكون وفي ذاته الا الله. عندما تنعت الكنيسة الأرثوذكسية أحد قديسيها بأنه صانع عجائب لا تكون قد افترضت ان كل قديس يأتي بمعجزة. المعجزة هي القداسة نفسها.

ما يلفتني في الأبرار انهم لا يقيمون قيمة الا لبر الله. لا يرون أنفسهم شيئا اذ تروضوا على ان رؤيتهم لنفسهم موت لها. فقط في نكرانك لذاتك تصير شيئا في عيني الله.

سر ذلك انك اذا رأيت شيئا إلى جانب الله تبطل الله. قد يقيم المسيحي الفهيم قيمة للعقل ولكنه لا يراه شيئا ازاء القداسة. العقل يأتيك من ذاته، من قوته. القداسة وحدها تأتيك من الله وأنت جاحد ان أضفت شيئا على الله. أنت جاحد ان أضفت شيئا على القداسة لأنها وحدها من الله والباقي جهد. تعلم ان كنت ذكيًا أو مثقفًا كبيرًا انك لا تزيد درهما على القداسة فيك لأن كل شيء ما عداها من صنع البشر.

لماذا جعلنا لنا افتخارا بالقديسين مجتمعين؟ لماذا أردنا ان تعيد لهم معا؟ الجواب ان قداستهم واحد من حيث المنشئ وهو المسيح ولأننا لا نفرق بينهم اذ نلتمس أثر السيد في كل واحد منهم وفيهم مجتمعين. لذلك لا نقارن بينهم ولا نعتز بواحد تفضيلا اذ نراهم جميعا ناشئين من الواحد.

من جمالات الكنيسة انها تضم القديس إلى القديس بحيث تعتز بهذا وذاك وترى الحسنات وتكبر بفضيلة هذا وفضيلة ذاك. لعل من أهم ما عند المسيحي انه يؤثر البر على الفكر وينجذب إلى القديسين بسبب قداستهم لا بسبب ذكائهم اللاهوتي. ذكاؤهم يفرح المؤمنين الأذكياء. قداستهم تحرك الجميع.

البار عندنا لا يهتز للموهوبين عقليا بقدر ما يهتز لمن يعتبرهم أعظم في البر. المسيحي الموهوب مقدارا من الذكاء لا يقيم له وزنا. الوزن عنده لكثافة القداسة. القديسون اللاهوتيون لهم وزنهم عندنا ولكن بسبب قداستهم. نشكر لله عقولهم التي أنارتنا ولكنا لا نؤثرهم على من كان في القداسة بسيطا.

ما يهم الكنيسة ليس ان تقارن بين هذا القديس وذاك. ما يهمها ان تسعى جميعا إلى القداسة. من وهب نشاط فكر أو عمل فهو رفيقنا على دروب الرب ولكن الأقرب إلى قلوبنا من حقق طهارة أو طلبها وجاهد نفسه ليزداد محبة للمسيح.

من بركات هذا الأحد ان يجعلنا حساسين إلى ان القداسة تجمع ناسا كثيرين من مختلف صور الجهد. من أهمية هذا العيد انه يزيد فهمنا على ان القداسة مهما اختلفت صورها واحدة في جميع الذين انسكبت فيهم.

ما يلفتني ان ما يهم المسيحي أولا ليس الفكر ولا الإنجاز العملي بل القداسة ذاتها. لك ان تتسلم أعظم الوظائف في الكنيسة ان لم تكن ساعيا إلى القداسة لست بشيء. لك ان تحقق في المسيحية أشياء عظيمة ولكن ان لم تسع إلى البر الذي في المسيح لست بشيء. ان أثرت على عشق المسيح وظيفة عليا أو مجدا من هذا العالم فلست بشيء. ان لم تتيقن ان المسيح حياتك وانك لا تزيد عليه شيئا لست بشيء. ان أحببت يسوع حبا كثيرا ولم تنل شيئا آخر من هذا الوجود تكون قد أدركت غاية الحياة. لا تبدد أوقاتك وجهودك في شيء آخر. اذهب فقيرا إليه يغنيك عن كل شيء آخر.

ليس في هذا العالم ما لا يستغنى عنه. ان لازمت فقرك إلى المسيح لا تحتاج إلى شيء آخر. ليس من خسارة الا خسارة وجهه. لازم عينيه يلازم هو عينيك.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

ان نذوق الله / السبت في 7 حزيران ٢٠١٤

غدًا العنصرة عند المسيحيين وهي ذكرى لحلول الروح الإلهي على التلاميذ الاثني عشر. معنى هذا الكلام بلغة قريبة من الوضوح ان المسيح من بعد انتقاله عن هذه الدنيا أراد ان يجعل لنفسه حضورًا فيها بذكر كلمته (الإنجيل) وبث روحه (بالقداسة والرعاية). لنا ان نعتبر ان الرب من بعد قيامته أمسى في الناس حقيقة فاعلة، تحمل إليهم إنجيلا وقداسة أي نصا وحركة للنص.

المسيحية واضحة بأن فيها شيئين: حقيقة دفعها المسيح إلى الناس مرة واحدة وتفعيلا لهذه الحقيقة بالتفسير والعقائد من جهة والقداسة من جهة. بتعبير آخر هناك الثابت وهو الإنجيل وهناك المتحرك أي فهم هذا الإنجيل ونقله بالتراث والعبادات والرعاية. في تبسيط كلي لنقل ان المسيحية كلمة الله التي نزلت في عبادات ولاهوت وعمل ويعسر التفريق بين هذه العناصر المتداخلة.

فرادة المسحية انها ليست مجرد كتاب. انها بآن معًا هذا الكتاب وفهمه والفهم هو التراث الحي الذي يذوقه المسيحيون ويعيشونه. أنت في حاجة إلى كتاب يحفظك وإلى تفهم الأجيال لهذا الكتاب. فالكتاب يحميك من جهة ولكنك أنت تدعمه ان فهمته وتظهره حيا.

معنى العنصرة أو حلول الروح القدس على الكنيسة ان المسيحية ليست نصا جامدا وانها تحيا بمن يحييها في نفسه فتظهر به وليس فقط بكلمات مكتوبة. المهم ان تصبح كلمات مقولة وبشرا يحييون بها. وأهمية النص انه يحفظك من فكر شارد ومن انحراف ممكن. كان من الممكن ان يفعل الله في كنيسته بالروح والإلهام فقط ولكنه آثر ان يحفظ الروح بالنص. بنا للرب ان هذا أضمن لدوام حقيقته.

أتى الإنجيل كتابًا مكتوبًا بعد ان عاشت الكنيسة حوالي ستين سنة ظهرت فيها الأناجيل تبعا لمؤلفيها بحيث ان المضمون الإنجيلي استغرق حوالي ستين سنة ليكتب كله أي ان الكنيسة عاشت فترة أولى على التراث الشفهي وليس من إنجيل مدون. تغذوا من الكلام الحي الذي تناقله الأسلاف. لم تبدأ ديانتنا من نص قانوني مفروض. اصطلحت الكنيسة في تعاقب أجيالها الأولى على ان لها مجموعة نصوص اعتبرت انها العهد الجديد. هكذا تكونت ديانة الروح.

ماذا يقول لنا هذا العيد؟ يقول شيئين ان المسيح تكلم في ما دونه الأوائل أناجيل وان المسيح اياه نقل نفسه إلينا بالروح القدس في الكنيسة. عندنا الثابت وهو النص وعندنا المتحرك وهو أحياء النص في نفوسنا بالإيمان. اذا اعتبرنا، للتبسيط، ان السيد تكلم بالأناجيل أي في نص ثابت لنا أيضًا ان نؤمن ان المسيح هذا يحرك قلوبنا بالروح القدس الذي يرسله إليها بالإلهام الشخصي وتفسير الآباء ونصوص العبادات الطقسية.

يؤكد العيد على اننا ورثة الإيمان القديم الثابت واننا نحيي هذا الإيمان فينا بالتقوى والطهارة والخدمة. بكلام آخر يقول ان الحقيقة قديمة وقد جاءت بالمسيح ولكن لنا ان نحياها ونغذي الناس بها.

يؤكد العيد أيضًا ان هذا الإيمان القديم علينا ان نذوقه ونحياه في قلوبنا وان ننقله إلـى الأجيال لكي تعيش به. العيد ينقل حقيقة إلهية قديمة إلى النفوس ليصبح حيا فيها ويحييها. العيد يجعلنا بشرًا جددًا، ذائقين الله.

Continue reading