Category

2014

2014, جريدة النهار, مقالات

الكاتب ناقل الحقيقة / السبت في ٣١ أيار ٢٠١٤

أنت تكتب لتنقل ما اختزن عندك من حق، لنقل حقيقة نزلت عليك واذا كنت طاهرا لتحب حتى يحيا الآخرون بما استلموا. ما عدا ذلك حرب ايديولوجية أو تجارة مصالح. اظن ان من نسميه كاتبا بالمعنى العالي هو من شارك القراء حياته الروحية. انه رسول وان لم يكن فهو عابد نفسه.

الايديولوجيون لون آخر. يعتقدون انهم حملة رسالة. ما يحدّ هذا انهم حزبيون. الرسول شيء آخر. هو يذهب بالناس إلى الله أو ما يذكر به. من لم يكن بمقدار رسولا اذا تكلم يعكس ذاته بقوتها وضعفها اذ ليس عنده مضمون. من ليس عنده مضمون يحيا في حرب دائمة لما ينفعه لا لما ينقل الحقيقة أو المحبة.

كيف تسلم للحق؟ ما الحق؟ لا تعريف له كما لا تعريف للمحبة. اذا كنت فيهما تفهم الحقيقة مقولة حياة داخلية في النفس ثم تصير كلمة. الكلمة من الكلم أي من الجرح وبعد هذا تصير قولا مفهوما. لقد حذرنا الأقدمون من الكلام الكثير خشية ان نقول ما لا معنى له أي ما كان غير خارج من النفس.

أنت مسؤول فقط أمام الحق لأنه هو يحاكمك. اما الناس فوجوه يلعب بها هواها. أنت تسعى إلى نقل ما هو حق فيك وان لم يكن فيك تسعى إليه لتقول أو تخرس. أنت مسؤول كما يبدو لك الحق اذا تكلمت. مرجعك الحق وليس شيئا آخر عبر بك. اذا ضغط عليك ماضيك الفكري دعه جانبا واسلم نفسك للحقيقة. أنت لا تنجي نفسك. الله منجيك.

أنت ليس عندك شخصية مستقلة عن الله. صح انك تواجه الله أي انك آخر. ولكن ان اعتبرت ان لك فكرا غير فكره تكون جعلت نفسك إلها. اذا جئت من الله فكرا تكون مستقيما. لماذا هذا الإلحاح على اعتبار نفسك شيئا؟

«في البدء كان الكلمة» (يوحنا ١: ١) وفي الآخر كان الكلمة لأنه ليس من مزيد على قول الله. ليس الإنسان بخالق. ما كان غير الخلق أسلوب أو شرح. تبدو الحقيقة فيك احتدامًا لها. طوبى لك اذا تقبلتها وليس من مزيد. تظهر أحيانا مبدعا لأنك ابتلعت الحقيقة. طوبى لك، اذ ذاك. فرحك ان تأتي من الحقيقة لا ان تزيد عليها شيئا اذ ليس فوقها شيء.

هذا هو السر انك لست بشيء ان لم تأت من الحقيقة. انت تصبح شيئا ان قبلت ان تكون على صورة الله. انه لكبرياء رهيبة ان تظن انك شيء لمجرد انك تقول “في البدء كان الكلمة” وفي الاخير. يقول الادباء عن واحد منهم انه مبدع. هذا فيه غلو. في أحسن حال يكون أفضل ممن تكلم قبله اذ ليس بشر يأتي من لا شيء. ما هذا الافتخار ان نجيء من لا شيء؟

فخرك الوحيد ان تأتي من الحقيقة. ماذا يزاد على الحقيقة؟ أسلوب؟ هذا من البشرة. اما من جاء من الحقيقة فقد أتى من الله. نحن المسيحيين لا حرج علينا اذا قلنا ذلك لأننا لا نقول اننا من جوهر الله ولكنا نقول اننا نأتي من قواه. بالحب جعلنا معه منذ بدء حبّه كأننا جئنا من الأزل. هذا ليس مقولة فلسفية اذ الحب يحيا فيك ولا ينطق به.

انه من باب المبالغة الكلامية ان نقول عن كاتب انه مبدع. ما الاسلوب، ما قيمة الاسلوب؟ هذا افتخار بالبشرة وهي من هذا العالم. واما من افتخر فليفتخر بالرب. الكاتب ينقل حقيقة ليست له، تمتلكه واذا كانت عظيمة تجعله كاتبا عظيما.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الانتصار على الموت / السبت ٢٤ أيار ٢٠١٤

«آخر عدو يُبطل هو الموت» (1كورنثوس 1: 26). كل ما يخشاه الإنسان هو ما يقربه من الموت لأنه مفطور على محبة الحياة والحياة يشعر بها دائمة فيه. لذلك يخشى ما يهددها. وكل ما يسعى اليه هو ان يبعد عنه شبح الموت. لذلك تقول المسيحية: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت». لماذا آثر ان يذوقه ولم يكتف بالغائه بكلمة؟ ربما كان هذا لأن ذائقة الموت عند المسيح بدت الأفصح أي الأقرب منه للإنسان. موت المخلص كان مطرح القيامة قبل ان تعلن هذه عن نفسها في اليوم الثالث. في العمق قوة القيامة كانت كامنة في الصليب. تجلت في الفصح وفي عالم المعاني يوم الجمعة العظيم كان جزءا من الفصح ويوم الجمعة عيّد له المسيحيون في آسيا الصغرى في البدء.

نتيجة ذلك ان المؤمنين عيدوا للقيامة في أواخر القرن الأول بارتداء الثياب البيضاء في مآتمهم. الثياب السوداء اليوم نزلت الينا من النهضة الاوربية التي كانت عودة إلى الوثنية التي لم تعرف فكرة القيامة. لذلك طقوس يوم الجمعة العظيمة ليس فيها اللون الاسود الذي استعاره مسيحيو اليوم اجتماعيا من الوثنية. هكذا كان لون الحداد في المسيحية الاولى اللون الابيض. اية عائلة تجترئ بسبب ايمانها ان تخالف العادات المألوفة بارتدائها البياض يوم الجمعة العظيمة؟ التجدد في الكنيسة يحتاج إلى جرأة كبيرة تعود بنا إلى القديم، إلى الاصول.

ونريد هنا بالقديم الثابت والثابت قيامة المسيح التي بها نضرب الموت وليس فقط هذا الذي يحل فينا في آخر العمر ولكن كل ميتة، كل سقطة، كل انحدار وتخلف. الجديد قيامة المسيح وكل قيامة في المسيح.

نحن قياميون نحاول الانتصار على الموت وعلى شبه الموت في كل محطات الحياة وجوانبها، على البيولوجية بمعناها الشامل. لذلك كان الخطأ في التصور ان المسيحية تستلذ الألم تحببا منها بآلام المسيح. الألم عند المسيح نفسه كان يحتوي عنصر الانتصار على الموت. الخطأ الشائع ان المسيحية تمجد الألم. هي تقتبل الألم الموجود في كيان الإنسان لتتخطاه. ليس في المسيحية أي استلذاذ بالألم أو أية دعوة إلى التألم. هي ترى الألم الموجود لتغلبه بفرح القيامة.

الفرح غالبا ما كان عند الأكابر ثمرة لمعاناة مرتضاة محبة بالمسيح. اذا قادك الألم إلى فرح بالرب يكون من الرب. الألم خارج إطلالته على الرب ومشاركته لآلام المخلص ليس بشيء.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

قلب الحاكم / السبت في ١٧ أيار ٢٠١٤

رئيس البلاد الذي الله يريده هو من كان حسب قلب الله. والباقي يزاد له. ان يكون كذلك يعني انه جمع كل فضائل الحاكم وانه لا يعوزه غير المثابرة عليها. هذا يعني اساسا ان يحكم حسب كلام الله. في هذه البلاد لا نكتفي بقبوله رئيسا صالحا. نريده حاكما. ربما كان هذا لأننا في نفوسنا نرتضي الحاكم العادل ولو استبد لأننا كنا مظلومين في عهود بادت.

لست اعلم لماذا منذ وقت غير بعيد اسمع نفسي عند الصباح أتمتم باليونانية «يا رب خلص الملك». وسرعان ما افكر ان هذه هي حاجتنا ولو صار هذا رئيس جمهورية. ربما لاعتقادي ان الله اذا لم يحكم عقول الرؤساء انما يحكمها آخر وهذا قد يكون خطيرا. وفي هذا البلد الناس يريدون ان يكون رئيس الجمهورية هو الأعدل والأطهر. ذلك لأن حسناته هي التي تنعكس في الحكم.

فيما أكتب هذه الأسطر وقع نظري على ورقة أعددتها لمقال آخر عنونته: «الكنيسة العذراء». لماذا أتى على فكري هذا النعت وهو في الكتاب المقدس؟ ألشعوري ان الطهارة نادرة في أوساطنا واننا نحتاج إلى قادة يذكروننا بها؟ هل السلامة تأتي دائما من الرأس؟ يبدو ان سكان هذا البلد يفسدهم كثيرا الحكام. ملاحظتي في الكنيسة ان الطهارة لا تأتي عند الكل من القناعة ولكنها تأتي من خوف العقاب. هذا هو وضع العامة ومعظمنا عامة. كان الرهبان الافرنج الذين درست عليهم يقولون لنا ان الخطيئة فظيعة ولكن إشاعتها أعظم. كانوا يسمون هذا عثرة عملا بقول السيد: «ويل لمن تأتي على يده العثرات».

في هذه البلاد وربما في كل بلد سلوك رئيسه قدوة. ربما لذلك شدد يسوع على ان خطيئة المسؤول مؤثرة وعظيمة. ربما تقلّد أنت الرئيس لاقتناعك بأنه مؤمن بما يفعل.

أنت لا تحب رئيسا الا اذا أحسست بأن له من خلال سلوكه علاقة بالله. أصحاب الخُلق العظيم هم عندك أصحاب الله.

العِلم عند الرئيس حسن ومفيد ولكن العِلم بلا أخلاق باطل. غير ان الأخلاق الحسنة لا تعوض عن العِلم. نحن في حاجة إلى هذا وتلك. ليس فقط في هذا الشرق الذي يعول على الأخلاق ولكن في كل بلدان العالم الفضيلة في الرئيس أهم من علمه لأن فضيلة الرئيس في الحقيقة هي الفاعلة.

نحن لم نبق في الجاهلية السياسية بحيث نأتي برئيس طيب ولكن لا عقل علميا عنده. السياسة باتت علما. مع ذلك لا نزال على هذا العمق الذي يجعلنا نرى ان أهم ما في الرئيس الحكمة والطهارة وان هاتين اذا توفرتا تمكنا به إلى حد كبير من حكم صالح. اذا كان الحكم يواجه صلاحنا أولا يكون ثمرة لقلب الحاكم.

الانسان قلب لذلك كان صلاح الحاكم أهم من علمه. الحاكم الصالح ولو لم يكن كثير العلم لا يؤذي. تعوض عن جهل الحاكم بمستشارين ولكنك لا تستطيع ان تعوض عن حاكم فاسد. الحكم ككل شيء فعال في هذه الدنيا قلب. الوضع الأمثل ان يكون عندك حاكم طاهر وفهيم معا. ولكن من كان عالما وبقي على فساده يفسد. العلم مهما عظم لا يعوض عن الأخلاق إن فسدت.

الحاكم العظيم من أعطى علمه وخبرته مع أخلاق الله. العلم ندرسه. الأخلاق تنزل علينا من فوق.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

ربك الحبيب / السبت ١٠ أيار ٢٠١٤

أمرّ بالناس وأراهم متعَبين، إنهم منشغلون، بأنفسهم وكل نفس مثقلة إلى أن ينجيها الله. فقط إذا نظرت إليه تنجو من ثقلها. متعبة النفس إذا غرقت في ذاتها. التعزيات قليلة أو ركيكة إلى أن يُنهضك ربك من كبوتك. ولعل الضجر من النفس مصدره أننا ننظر إليها ونغرق فيها. متى تكون النفس مليئة، معزية؟ هل تتلفنا كثيرًا، كل يوم نتعب من رؤيتها على ما ألفته ولا نجد ما يغنينا فيها؟ هل الحياة ميتات، ضجر يومي أم ليس ثمة من قاعدة؟

أنت لا ترتاح في يومياتك الرتيبة. تستريح فقط إلى الفرح إذا جاءك وهو ينزل عليك. إذا لمست حنان الله في يومك تلمسه قريبا والمسيحيون يرون مسيحهم قريبا منهم ويجترئون أن يسموه أخا. أنت إن أحسست بقرباه تخاطبه كأنه معك في الغرفة. في وحي الكتاب المقدس تراه صديقا لك. تريده فوق كما هو وهو يريد نفسه معك أو فيك.

وإذا رأيته إليك تلمسه في الآخرين. «أنتم شعبي وأنا إلهكم»، هو يقول. هو يرى نفسه في الصلة وكلمته إليك لا تنقطع. تسكن فيك. تصبح إياك. تعاليه في سموه ولا يعني به انه ينقطع عنك وإذا اقترب تعرف قرباه وكأنه رفيقك. نحن المؤمنين حقا به نقول اننا معه وبه وفيه وإليه. لكل من حروف الجر هذه معناه ودلالته.

تعاليه لا يمنع معيته. إنه أعلى منا ومعنا بآن. والمقربون يقولون انه فيهم. قطعا يقولون انهم به.

من لا يعرف انه صار ابنا لله لا يفهم شيئا من هذا الكلام. من لا يعرف قرباه إلى الله لا يفقه شيئا في الحديث عن الله. ومسيحه قال لنا لستم عبيدا فيما بعد. إنكم أبناء أي أصحاب بيت الله وفيه تسرحون وتمرحون. وهو مسلم إليكم لترتبوه ولا يتحكم فيكم أحد لأن الرب وحده حاكمكم ولا يرجع أحد منكم إليه إلا بالحب.

أنتم شعبه ان عرفتم أنكم محبوبون. ليس لأمة من الناس امتياز. هو يصطفي من يشاء. وأبناء الشعب الإلهي هو وحده يعرفهم. انه هو يختار شعبه وهذا لا علاقة له بالأجناس. إنه يحب من يشاء. لا يضع البشر على ربهم شرطا. يقول لمن أحبه هو: «أنت ابني وأنا اليوم ولدتك». سره أنه يحبك هو ولا يسألك شيئا في هذا. وليس لك أن تسأله عمن اختار. أنت تسير معه إلى حيث يشاء. وإذا سرت معه ينزل عليك رضاؤه ولا تحيط بك ظلمة. فيه يكون حياتك إلى أن يرفعك إليه.

لك أن تسمي الله سيدا. هو يصبح هكذا عندك ان اعترفت بسيادته. والسيادة من عنده وقبولك إياها حب. أليس كل محبة سيادة؟ أن يكون ربك سيدا وعظيما وأن يكون محبا شيء واحد. إفهم شيئا أساسيًا أنك حبيب الله وان لم تفهم هذا أنت ظالم نفسك.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

حقيقة العيد / السبت ٢٦ نيسان ٢٠١٤

فيما كنت اتهيأ للعيد حضر لي قول الله: «ما الإنسان حتى تذكره أو ابن الإنسان حتى تفتقده»… أمام حيرة الإنسان يقول الله عنا: «سأنزل إليهم واسكن فيهم وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا». أصحاب اللاهوت يقولون: «الله قائم في ذاته». هذا قول فلسفي، من العقل اليوناني. اما العقل العبري فلا يقول هذا. يقول «أكون» بمعنى سأكون لهم إلها. أي انه ليس قائما ضمن ذاته الا للفلاسفة ولكن لنا نحن المساكين هو قائم من أجلنا وقائم معنا ومعروف بنا لأن كلامه عن نفسه انما بلّغه (باللام المشددة) الناس بنا.

عندما سأل موسى الله ما اسمك ما أجابه باسم. قال له: «سأكون ما سأكونه». ليس في العبرية فعل الذات to be أو être الذي يدل على سكون. عرف الله عن نفسه بالصيرورة، في الآتي. سأكون أي ستعرفونني بعملي أو بحبي. ليس عند الله تحديد فلسفي. لنفسه هو يصور لنا نفسه في الكينونة، في الفعل، في الحب، معرقلون الفلاسفة اذا تكلموا عن الله. يأبون ان يقولوا انه يصير. يخشون تغيره. ولكن أليس الله يصير من أجلي بمعنى انه يتجلى لي جديدا لأحيا بهذه الجدة؟ لماذا تنفي عن الله جدته؟ أليس لأنك تخشى تغيره؟ تجسد إلهنا فهو ليس إله ارسطو. لماذا نتصور الله ثابتًا أي جامدًا. أليست كينونته حركة؟ انه إله يسوع المسيح فيما كان يتقلب في آلامه. يجيء إليك يسوع من آلامه ويقوم عندك أو فيك من بين الأموات. ليس عند المسيح حوادث خارجة عن إحساسك بها.

الله فيك أو لست تعرفه الا نظريا. أهمية الإله المسيحي انه سكن بين الناس وباليونانية نقول سكن في الناس. ان لم تحس ان الله فيك يبقى إلهًا يهوديًا. أظن ان خصوصية المسيحية قولها في إنجيل يوحنا ما أعربه انه صار جسدا وسكن فينا ويقول في الأصل اليوناني انه سكن في حينا.

العيد هو لك والمسيح فيك أو ليس لك من عيد. العيد اذا عرفته في التقويم فقط ليس بعيد. المسيح يريد ان يصبح فيك هو العيد أي ان تصير له.

ليس العيد تذكرا ذهنيا لحادثة للرب مَضت. هو التماس لحضور الله فيك وللجماعة. هو ان تطلب إلى الرب نقل العيد إليك بحيث تتجلى كما تجلى هو. أي كما ظهر إليك إلها في الجسد ليجعلك الآن من نور السماء. وكل عيد لك استدعاء مجده الإلهي عليك بحيث تتعالى عن ترابيتك وتجلب عليها ضياء السماء فتصبح أنت بصورة عجيبة قامة من نور. ان لم تصر أنت بالإيمان والتوبة مضيئا بالمسيح تبقى مخلوقا لا يقرأك الله. واما ان تحولت إليه بالعيد يراك له، بعضا من نوره ويفرح.

اذ ذاك يتم لك العيد.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

من أكون في الفصح؟ / السبت ١٩ نيسان ٢٠١٤

كيف أتدبر نفسي في الفصح؟ اذا كانت الكلمة تعني العبور لا يبقى لي الا ان أذهب عن كل شيء لألتقي المسيح. ليس في العيد الا المسيح. ليس في المسيحية الا المسيح. كل ما عداه طريقة للكلام عنه. الكون لا يضاف اليه. هو ترجمة له. سئلت مرة ماذا يعوزك من هذه الدنيا ان رميت وحيدا في جزيرة أجبت عظة الجبل في متى وإنجيل يوحنا. أنت تعرف يا رب اننا نحن الأرثوذكسيين نقرأ في بيوتنا في الأسبوع العظيم كل الإنجيل لأن الإنجيل هو أنت.

كيف أتدبر نفسي في الفصح؟ أحاول ان أصير إنجيلا، ان أصير الكلمة لكي يقرأني الناس ويعيشوا. المسيحية وجوه استنارت لتضيء. هذا هو الفصح الحي. هو الذي يجعلني اعبر بالناس إلى وجه الآب. كيف أحيا؟ «أنا لست أحيا، المسيح يحيا في». المسيحية ليست نظاما دينيا. هي حب أي لصوق بالمسيح فتنسى وجهك لترى وجهه والعالم كله في وجهه. اذا كنا فصحيين نحن في حالة تجاوز دائم لأنفسنا والعالم لنصير اياه ويصير ايانا. ليس من أنظمة وليس من مبادئ نظرية. كل شيء وجهه حتى تتلاشى كل الوجوه أو نقرأه مرتسما عليها.

كيف أتدبر نفسي؟ انسى نفسي حتى أراه وحده فيّ، حتى أراني مطله على الكون. كيف أتدبر نفسي؟ اجعله أمام عيني وآراه الكون الذي يغنيني عن كل شيء. لا أحاوره، اتلقاه. وجهك يا رب، وجهك هذا مناي إلى ان يفنى القمر.

أنا عبور يا سيد حتى ألقاك. لا تدعني أتلهى بنفسي: «أضئ بوجهك على عبدك» لأكون من ضيائك. خذني إليك لأعرفك. لا تدعني في وحشة هذا العالم. لا تتركني فريسة للوحوش. تعال ففي مجيئك أتكون. واذا جئت إلي اكمل سيري إلى وجهك يا رب. اذا رأيتك يصبح وجهك هو العالم. لا ينفعني الا وجهك. انه هو الفصح. لا يلهني عنك وجه. سمر عيني عليه. كل يوم أريد وجهك يا سيد. اكتفي به حياة لي. دربني على ان أراك كلا لي في هذا الدهر وفي الدهر الآتي فأفهم انك الوجود. روضني على ان اترك كل شيء لأراك. اذا أدركتك أنت تتدبرني. أصبح فصحيا فيك. فاذا وصلت اليك تنتهي مسيرتي.

لا شيء بعد المسيح ولا شيء غير المسيح. من لم يكن امتدادا له أو كلاما عنه ليس بشيء. ففي الفصح أصيره أو لا أكون شيئا. اذا أحببته انمو به وانمو فيه. أنا لا أريد عليه شيئا لأنه كل شيء. كل القديسين فيه وإليه واذا نظرت إلى وجوههم لا تبحث عنهم. فتش عن وجه يسوع مرتسما فيهم.

كيف أتدبر نفسي؟ كل أمري مع نفسي ان اذهب بها إلى السيد. عنده تنوجد. والآب المبتدئ والمنتهى وفيه يصب مسيح التاريخ. أنا لست بشيء ما لم أصبح فصحيا أي ناظرا إلى الآب الغاية.

أنا لست بشيء الا اذا أخذني السيد إلى وجه أبيه وهذا لا يتم الا اذا أصبحت مكان الفصح أي موضع المرور من ذاتي إلى الآب بالمسيح يسوع.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

من العتمات إلى النور / السبت ١٢ نيسان ٢٠١٤

يا يسوع الناصري لماذا دخلت اليوم أورشليم الزانية؟ أأنت بشر وتبتهج لموتك؟ «ها نحن صاعدون إلى أورشليم». هناك سيتم الفرح كله بموت. حتى اذا تأملنا آلامك نفهم ان فيها كل التاريخ وكل الحياة. سمر يا سيد عيوننا على صليبك لتنجو الحياة. سننسى كل اتعابنا في هذه الأيام التي خصصناها لحيك. نحتاج إلى صلبك لنفهم الحب. علمنا ان ندرك ان الفرح بصليبك جاء إلى العالم وان الحياة انبلجت منذ علقك الأثمة على الخشبة. لا تحسبنا، رب، مع الأثمة. الوقت وقت ان تقول فينا ما ينشئنا في الحياة الجديدة التي انبعثت في الكون من الجلجلة. أورشليم، كيف نرى أورشليم والأثمة هناك؟ كيف تغتسل بضياء القيامة والموت من حولنا وفينا؟ تعال أيها الرب يسوع، تعال إلينا بالجسد والدم. بالروح القدس، بقيامتنا من الخطيئة.

ركبت على جحش ابن أتان لتدخل أورشليم قاتلة الأنبياء والمرسلين إليها، لتقتلك أورشليم ومعها نحن المدنسين بالخطيئة. يا رب كيف تحصينا مع تلاميذك ونحن أثمة. غير ان وقت نسيان خطايانا قد حضر لنقيم أمام عينيك فصحًا أبديًا.

«انهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد». اعطنا ان نشاهد ضياء وجهك في عمق خطايانا. سمر عيوننا على النور الذي انبلج من صليبك نقيم فيه إلى الأبد. لا تأخذنا مع الرافضين حبك. دع شفاهنا تتمتم اسمك في كل حين لئلا نموت. ضمنا إليك بالرحمة كل حين من أحايين الوجود حتى نفهم ما تسمح ان نفهمه ونسلك هكذا طريق المجد. نجنا يا رب من ميتة الخطيئة ومن إلحادنا بالإهمال. حرك شفاهنا لتلفظ اسمك لئلا تفنى شفاهنا.

اغمض عيوننا عن رؤية الشر لئلا نزول معه. لا تدع القلب يميل إلى غير وجهك. هاتِ يدك، نحن لا نعرف وحدنا ان نسير إليك. لا تدعنا في الجهالة انها لكثيرة. علمنا الا نستحب غير وجهك لأن كل ما سواه تيه. لا تمل قلبي إلى كلام الشر لئلا يتعلل بعلل الخطايا اذا سقط. لا تذقني يا رب مرارة الموت قبل ان أعود إليك. لن اطلب بعدك شيئا لأنك الملء لا تدعني اتردد لحظة بينك وبين العالم لئلا أتيه. لا تنزع أقوالك عن قلبي لكي استلذ أقوالك في كل حين.

يا رب أرسل روحك إلى قلبي لكي ينطق بالروح. لا ترضَ ان أقول ما لا تريده. لذلك علمني انجيلك.

أحبك حبا واحدا هو حب الهوى فهذا يرضيك. وهواك فيّ كل تعليم لي. ولكن هذا يعني ان انصرف إليك وحدك. اقمني اذا يا رب في المقام اللائق بي لأهواك. كثيرًا ما وقعت يا رب، لا تدعني أنكسر لئلا أجد من يضمد جراحي. لا تدعني أموت في خطيئتي. اعرف ان هذه اذا تملكت تنفيك. اطرد الشر عني منذ بدء اجتياحه. لا تدعني أخالط الخطيئة. لا تدعني أدعوها لأنها اذا دخلت أخشى ان تستقر. معنى هذا يا رب ان سلحني برضاك. اذا عرفت ان لي مكانا عندك بالرغم من خطاياي أتعزى وأتوب. لا تسمح بأن تمتلكني الخطيئة وان يسيطر علي استلذاذها قبل ان تجيء.

يا رب أنا ضعيف وأعزل. سلحني بسلاح البر ولا ترصفني مع الخطأة. لا تحقد علي يا رب ولا تعاملني حسب أفعالي لأنها سيئة. يا رب لا اتحمل ان تقيم علي خطيئة. انتشلني الآن من هفواتي، من كل هفواتي وألق علي ثوب العرس اتبرر به. ظللني يا رب بفيء رضاك لأعرف انك سيد حياتي. لا تطرحني من أمام وجهك لئلا اشابه الهابطين في الجب. رضاك يا رب، رضاك.

ضع أنت الدعاء على شفتي كل حين حتى لا أنطق بغير كلامك اذا أنقذت جسدي من الوجع تساعدني على الصلاة. لا يختلط شيء بكلامك اذا أنا قمت على صلاتي. لا تدع التراب يمتلك كياني حتى ترى أنت متى تجعلني وجها من نور.

يا رب لا تدع كلام الناس يدخل إلى أذني ولا تحاكمني باهوائي. انها كثيرة. حاكمني يا رب برحمتك ولا تحكم على أحد غيري. يا رب نج نفسي من ظلامها ومن وسوسات الشيطان. لا تدع هذا يقرع باب نفسي لئلا اصغي إليه. خذ اشواقي اليك يا سيدي ولا تدعها تتيه لأنها تكون قد دخلت الظلام.

يا رب نجّ نفسي من اهوائي كي تتحرك فقط بحبك. لا تدع نفسي ترى فسادا بعد ان ذقت حلاوتك. يا رب لا تحدرني إلى الجحيم السفلى لأعاين مجدك في كل حين.

يا رب أبعد عني الخطأة كي لا يعرقلوا رؤيتي اياك. لا تجعلني لحظة اتردد بينك وبين الخطأة فأنت الملء وحسبي الملء. لا تقم نفسي في ظلمات الخطيئة حتى اقدر ان اراك في كل حين. يا رب لا تدع جسدي ينهار لأتمكن من الصلاة كل حين. الصلاة، الصلاة يا رب. وحدها تنقذني من ثقتي بنفسي ومن ديجور الخطيئة.

يوم دخولك إلى أورشليم الذي نذكره غدا في مبرات الشعانين وأنت راكب على جحش ابن أتان اعددني لدخول أورشليم العليا. لا يمنعنا احتلال المدينة المقدسة من رؤية السلام آتيا منك الينا وإلى العالم. كل عيد يا معلم يعلمنا ان نذوق أبدية تعاليمك وبهاء مجدك. لا تدع شعاعا واحدا من وجهك يغيب عنا بسبب الخطيئة. ليس فينا بر الا هذا الذي تسكبه علينا بالرضاء. تعال أيها الرب يسوع، تعال ولا تدعنا في صحراء الوجود. تعال لننوجد، ليقوى ايماننا بك ولنحب الإخوة.

تعال يا رب إلى كنيستك المتكسرة في كل انحاء العالم. وحدك تستطيع ان تضمد جراحها وان تزيل عنها الحزن الذي اوقعتها فيه خطايانا. العالم يفتقدك. لا تدعه يسعى إلى شيء آخر فإنك الملء. لا تدعنا نعطش يا سيد ولا نجوع. انك خبز الحياة والماء النازل من السماء. لا تتركنا نتيه. لا يتسلط علينا الإثم ولا الباغي. لا تسمح يا رب بأن نسقط في جب الهلاك.

تراء لنا ونحن في الجب. اجعلنا نفهم انك المنقذ وان ليس هنا من ينقذنا. دعنا نحس بانك الحياة. ركزنا على هذه الرؤية في صميم عقولنا لئلا تغرينا رؤية أخرى. يا رب رحمتك. انها كافية. لا يختلط عندنا شيء بك. لا يضاف عليك شيء ولا شيء يعزي. تعال اسكن لئلا نذوق الفراغ.

كل شيء عندنا من فصحك الدائم يا سيد. شخصك هو العيد. لن نذهب إلى سواك، إلى شيء أنت لست فيه. منذ تعليم بولس والرسل الأطهرين نعرف انك الوجود والكون كله. علمنا الا ننسى هذا لأننا ان نسيناه لا تجد فينا شيئا.

يا رب أقبل العيد. لا تدع خطايانا تحجب نورك من أعيننا لئلا تموت. انسَ يا رب كل خطايانا لنتمكن من رؤيتك.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

حق الاختلاف / السبت ٥ نيسان ٢٠١٤

حق الاختلاف مرفوض من البدء. ان يقول آخر شيئا آخر هو ان يثبت نفسه، ان يقر بنفسه ذاتا، ان يقول انه شيء آخر عنك. هذه هي العداوة. والوحدة عند الناس التطابق وليست الاقتران. الاقتران يعني ان تقول ان الآخر آخر وهو موجود بذلك. الناس يريدون أمرًا وطاعة ولا يريدون وحدة في الاختلاف أي شيئًا قائمًا على الإرادة. في الوحدة لا ينصهر الآخر فيك، لا يذوب. يشتاق إليك ويبقى هو اياه على حبه. اذا ذبت في الآخر تفنى الاثنينية ولا يبقى حدّ. الحب يعني الاختلاف بالضرورة والا كان وحدانية أي ذوبانًا. أنت لا تقر بالآخر الا اذا أقررت بوجودك. الحب ثنائية قطعًا والا كان عبودية.

تختلف ولا تكره بحيث لا تكون محبًا ما لم تقر باستقلال الحبيب. أنت تريد ان يحبك آخر. هذا شرط ان يراك. فاذا كان هو أنت كيف يراك؟ لذلك الهوى بمعنى الإخضاع ينافي المحبة. المحبة شرطها الثنائية وهي تتحقق في الطور الثاني أي بعد التوق. قد ذكرنا الفيلسوف الدانمركي العظيم كيركيغار ان الله لما قال أحبب قريبك كنفسك أراد ان تحبه كنفسك. المحبة في الله ليست دائمًا تلقائية. هي واجب ولذلك هي مخلِّصة. والمحبة سلطة في نفسها. لا تستعبد أحدا ولكنها أقوى من الخضوع أو الإخضاع لأنها حركة الله في القلب. واذا كان الله سيد القلب فهو يريده محبا للقلوب الأخرى لا سيدًا عليها بالانفعال العاطفي.

والمحبة تتأسس في ان الآخر مثلك ومختلف. مثلك لأن الإنسان فقط يحب الإنسان ومختلف لأنك بالمحبة تعطي نفسك ولا تمتلك أي تخرج من ذاتك إلى الآخر لتكون معه وهو معك والله موحد لكما. لا وحدة الا في المشاركة أي في التباين لا في الانصهار. الانصهار كان دائمًا قتلاً لآخر. من أصعب الأشياء اتفاق الإرادات لأنها تعني اتفاق العقول وهذا مستحيل وغير مطلوب إلهيا في المطلق ولكنه مطلوب في الحب.

أنت في المواجهة تلحظ الاختلاف وهذا معطى الطبيعة والتربية وكل عوامل التاريخ. هذا من الحرية والحرية تكوين إلهي فينا. والتعايش ان تقبل الاختلاف ليس مرغما ولكن في اعتبارك ان الاختلاف يأتي من سماحة الله. لا أحد يعرف حكمة الله في هذا الأمر ولكنا نغلب اختلاف الآراء والأهواء بالمحبة. أي نتعايش في قبول الاختلاف على انه سر الله في خلقه. أنت لكونك لست خالقًا للآخر تقبله ان كنت مؤمنا على انه خليقة الله ورسول حكمته إليك وتتروض به ويقودك الاختلاف إلى حبه والحب أقوى من العقل.

الحب عند الأذكياء وجه أول من وجوهه ان تقبل بالآخر أي الا تقتله لإيمانك ان الاختلاف بينكما من حكمة الله فلا تسعى إلى سيطرة ولكن إلى اكتشاف الله عنده عن طريق الاختلاف. احترامك الحرية ليست مساواة بين الأفكار. انها تواضع أمام فكر الاخر المختلف لإيمانك بأن الله عنده ولو اختلف عنك.

احترام الحرية لأخيك ناتج في الحقيقة عن إيمانك بأن الله يوزع حقيقته على من شاء ويسمح باختلاف تعابيرها ويقول بضرورة التوحد الوجداني على اختلاف العقول.

وترى الاختلاف العقلي وتحب لأن الانسان أهم من عقله ولأن حبك له يحييه وتقوم بينكما وحدة تقوم على التقاء القلوب وهذا هو البلاغة عينها. ولك مؤمنا ان تفهم حرية الله في خلقه عقولا مختلفة وان تفهم حرية الإنسان في أحواله لعلمك ان وحدة البشر في وحدة قلوبهم لا في اتفاق آرائهم لأن القلب أعظم من الرأي ولأن الله أعظم من القلوب.

ليس للبشر عقل واحد ولن يكون ولكن يمكن ان يحبوا بعضهم بعضًا ولا يتفاهموا ذهنيا. حرية المذاهب في الدين لا تنفي وحدة الحب والأديان كلها تقبل التعدد في ما ليس هو من الجوهر.

لأن الإيمان ليس قسريا، لأن الله لا يريد عقله ان يستعبدك تقبل الآخر أي تقبل الاختلاف وان الله يسمح به. والمؤمن يقبل ان يعايش غير المؤمن على الاختلاف لأنه يعرفه حبيب الله ولا يفرض عليه قراءته لله. المؤمن الحقيقي يقبل اختلاف قراآتنا لله ويقبل الكفر تسامحا أو تنازلا من الله. نحن في المسيحية نقول انه عليك ان تدافع عن حرية الكفار. عندنا ان «من آمن يخلص ومن لا يؤمن يدان» ولكن ليس عندنا ان أهل الدين يقتلون من لا يؤمن بدينهم. نحن الأرثوذكسيين لا نقول بقتل الهراطقة (أو الكفار) وما قتلتهم كنيستنا مرة. السلطات السياسية شيء آخر وهذه لا تسأل السلطات الروحية رأيها. الهرطقة وفي العربية البدعة ليست اليوم شذوذا سياسيا. هي فكر.

ينبغي ان نتروض على اختلاف الناس في عقولها وتاليا في دياناتها وان الله ليس إلها مستبدا يفرض عليك دينه بحد السيف. الله ليس عنده سيف ولم يفوض أحدا بحمله. انه لا يعاقب المنحرف دينيا بقتله. العقاب بسبب انحراف عن الدين ولى في الشعوب المتحضرة. المؤمن يمكن ان يكون صديقًا لكافر. هذا من المحبة أي من الله. المحبة لا تشترط عقيدة في من تحب.

ينبغي ان نخدم المنشقين والكفرة لأنهم ابناء الله شاؤوا أم أبوا. انهم ابناؤه بمشيئته ولا يسوغ لنا ان نؤثر عليهم المؤمنين بالحب. نحن مع المؤمنين بوحدة الإيمان والفكر ولكنا خادمون للناس جميعًا بعطاء القلب والعمل.

والانسانية ستبقى برج بابل إلى الأبد وأنت يريدك ربك ان تعيش بالمحبة مع من غايرك في الفكر. والله المؤمن والكافر ولدان له وفي كتبنا ان الرب يرحم الخطأة والرحمة من الرحم أي انه يضمهم إليه كأم.

اذا أردت الحرية للناس وهذا أمر إلهي لا ترغمهم على شيء. اذًا هم عبيد. أنت تحب الإنسان ولو كان على اختلاف معك. لا تحبه بالضرورة بسبب من الانسجام. أنت أمرك الله بحبه أي ان تكون في خدمته لتخلص نفسك بهذه المحبة.

الناس ليسوا قوالب ولا يرغمهم ربهم ان يتقولبوا بكلمته. يرعاهم اذا اطاعوا ويرعاهم اذا رفضوه. فقابلوه والرافضون ابناؤه على السواء. يحب محبيه ويرضى برافضيه ولهم جميعا رعايته إلى ان يهتدوا.

ان نقبل مخالفينا في الرأي هو ان نقبل كيانهم لا ان نقبل فكرهم والهداية ممكنة وواجبة ويهتدي من يشاء ويضل من يشاء وأنت تعيش في عالم واحد مع خصومك على شيء من التلاقي أي الإقرار بحقهم في الاختلاف بلا عداء في القلوب. وقد انقضى عصر التكفير حتى الموت. لماذا يرضى الله بحق الكفار والقتلة بالحياة وأنت لا ترضى؟ من أقامك على حياة الناس؟ من قال ان الكفرة ليسوا أحبة عند الله؟ من قال انه عليك ان تبغض الكفار؟ أنت تبغض الكفر فقط. من فوضك أية سلطة لتقتل الكفار؟ أليس من المعيب ان يدعو إلى الحرية أهل الكفر ولا يدعو إلى الحرية المؤمنون؟

نحن المؤمنين وغير المؤمنين لن نكون واحدًا ولكن لا ينبغي ان نتقاتل. هناك تعايش مبتغى معقول ان قلنا جميعا بالحرية. البشر ليسوا قوالب ليقولوا قولا واحدا. ولكن لهم مع الاختلاف ان يقبل كل فريق منهم حرية الآخر بسلام.

«لا تقتل». هذه هي الوصية الوحيدة التي عليها نعيش. المطلوب ان نتعايش مع الخطأة ومع المختلفين عنا وان نقيم مجتمعا ليست أية عقيدة دينية شرطا فيه فالإنسان هو المقدس ونحن هنا إلى الحقيقة في مسعى إلى ان يقول الله كلمته في اليوم الأخير.

حياة الإنسان ملك لربه. ليست لسلطة دينية أية كانت ولم يقم الله على الناس سلطانا دينيا له ان يقتل. ليس من وكيل لله على أجساد الناس لم يفوض الله أحدا بقتل الخطأة ولا الكافرين إلى ان يجيء المسيح ثانية. للكفرة حق الوجود وحق التعليم.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

في مبرات الصيام / السبت ٢٩ آذار ٢٠١٤

تجوع قليلاً في الصيام من الإمساك لتتروض على اشتهاء ما هو أعظم من الطعام، لتقتنع ان الرب خبزنا الدائم. لا يمكن ان تكون لك حياة روحية بلا جوع، بلا فقدان شيء من جسدك لكي تتلقى من ربك طعامًا غير منظور. الشبع استغناء عن الله. كل قصة الصيام انه فراغ تملأه بالله. ما لم تفهم هذا تكون بدلت نظاما طعاميا بنظام طعامي آخر أي تكون بقيت في حدود الجسد. هل أنت جائع إلى الله معطي الحياة ومعطيها بكثرة حتى تصل إلى فهم انه كل الحياة؟

الضعفاء في الحياة الروحية يستهزئون بالصيام لادعاء روحانية عالية عنهم تقول ان هذا أمر جسدي. من قال لك يا أخي ان الأمور المتصلة بالجسد لا علاقة لها بأمر إلهي؟ أليس الله مطلا على الأرض، ساكنا في الأرض؟ احتقار الجسد نسك كاذب. ما كان من تعليم نساكنا. لكوننا نحن الصوامين نرى إلى الجسد جديا نروضه في الإمساك على رؤية وجه الله والإخوة. بهذا المعنى ما كان الصوم حرمانا. هو امتداد إلى اعتبار الرب خبز حياة ورؤية انفسنا شركاء للفقراء. لا يقصينا الصوم عن الجسد. يقصينا عن شهوته. الصوام يعرف طريقه وغاية طريقه وهو عالم بمشاركة الجسد والروح في ابتغاء الحياة التي في الله. الجاهل للحياة الروحية يستهزئ بالعلاقة الصميمية القائمة بين الجسد والروح. عندنا نحن اتباع يسوع الناصري الكلمة الذي صار جسدا وسكن بيننا وعند حلوله فينل رأينا مجده ورأينا الله مطلا به. واذا نزلنا إلى قاع الجوع وحرمان الطيبات نرى إلى الله خبزا سماويا. انت لا تشبع الا من الله.

الجسد يروض بتمارين الجسد والنفس بتمارين النفس. الذي يحرم نفسه طعاما ولا يبتعد عن الخطيئة لم يفعل شيئا. انت لن تكون صواما حقيقيا ان لم تحب الله. فلسفة الصيام في كنيستنا تقوم على الاتباط الصميمي بين النفس والجسد. ليس عندنا روحانية لا تقوم على مراقبة فكرنا الإلهي لجسدنا. لكن هذا ليس قهرا له. هذا تطويع له. ليس الجسد دون النفس قيمة. كلاهما معا في المخلوقية وكلاهما معا إلى الله. نحن لا نقول ان النفس اهم من الجسد. كلاهما معا في الطريق إلى الله.

غير ان الأهم في الصيام المسيحي ليس في الإمساك. الصيام فوق تعابيره الظاهرة. انه طريق إلى القيامة اذ لا يمكن ان ترى المسيح ان كنت ممتلئا من غير المسيح. لذلك كان الصوم تفريغا اولا. بعد هذا يجيء الملء. من هذا القبيل ما كان الصوم الا استعدادا لقبول الحب الإلهي ينزل عليك. ولا ينزل الحب الا على من اشتاقه. نحن في إمساكنا نقول للمسيح اننا اشتقناه. لذلك نحاول ان نتحرر مما عداه اذا استطعنا ان نؤمن ان المعلم الإلهي كان كل شيء. قدرنا ان نفهم انك لا تزيد شيئا على الله وان وجودنا كله ترويض النفس لتصل إلى هذا الفهم. والذي لم يدرك هذا لا يكون بصومه دخل إلى الرؤية. كل ما نقوم به تطويع للنفس كي ترى. نحن لا نحرم انفسنا شيئا من طيبات هذه الدنيا الا لأننا استلذذنا ما كان فوق الدنيا. الصوامون يدركون انهم بهذا الكيان الصائم يصلون إلى الرؤية ويستلذونها قبل ان تجيء. لذلك يطوعون النفس لكي ترى.

كل رحلتنا في الامساك ترويض على الرؤية. الجسد لا يبقى جسدا محضا. يصبح مكانا للرؤية. الروحانية التراثية اي الوارثة للقديسين تعرف ان ما تروض نفسك عليه يستدعي نزول النعمة. الصوم ليس إمساكا عن طعام وحسب. انه محاولة للرؤية، للاتصال بالرب. نحن الذين ادركنا القديسين نعرف ان كل شيء رؤية ولكن بعد ترويض. وميزة الكنيسة التراثية انها فهمت ان الجسد والنفس واحد بعد ان نزل علينا التجسد الالهي ليس من صيام قائم بذاته. كل شيء إلى الرؤية، رؤية المخلص قائما من الموت. ولكن المؤمن المتواضع يرى نفسه في حاجة إلى الترويض.

سطحيا يكون من فكر ان الكنيسة جعلت الصيام مجرد ترويض على التقوى. في الحقيقة ان كان من أمكنة التقوى لأنه ارادة لحب الله عندنا. يخطئ الذين يظنون ان المسيحية في الفكر وحده. هي ايضا في تطويع الجسد لأن هذا من الانسان. نحن لا نسعى إلى التحرر من الجسد. هو ليس دون النفس قيمة لأنه رفيقها على دروب الرب. هؤلاء المسيحيون الذين يحتقرون الصيام لا يقيمون مكانة للجسد. المسيح لبس جسدا وسكن فينا بجسده.

غير ان الصيام يبقى مجرد طعامي ان لم نأخذه إلى رؤية قيامة المسيح. كل شيء في هذه القيامة. ونحن نستعد لها بالحرمان لأنها هي الطعام السماوي. الإله المسيحي يؤكل اي انه نزل من العلى إلى الواقع الانساني ليقول لنا انه في المسيح صار معنا.

الصيام يعلمنا ان الانسان نفس وجسد نحن الذين حسبنا ان المسيحية من مملكة الروح فقط. نحن نعرف ان ابن الله صار جسدا اي كائنا ساكنا في الناس ليجعلنا ساكنين مجده. ونحرم هذا الجسد شيئا من حقه لنتعلم اننا فقراء إلى الله وحده. الرياضة في المسيحية شيء هام لأنها درب إلى الرؤية. والرؤية الكاملة تنزل علينا بعد قيامة اجسادنا وتنزل قليلا في النسك هنا. المبتغى وجه الله والصيام مسلك من المسالك اليه حتى يتم الكل.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الصوم رؤية / السبت في 22 آذار 2014

لن تفهم شيئا من الصوم ان ظننته إمساكًا فحسب. تفهمه اذا شعرت انه اتحاد. قال أسلافنا الصيام لله. الإمساك بدء منتهاه الانضمام. ولكن الله يتروض الانسان من أجله. بلا رياضة ليس من رؤية. انه ليس إماتة لهذا الجسد العظيم الذي يقول بعض من آبائنا ان الله اذا خلقنا على صورته ومثاله لا يريد النفس المجردة فقط بل يريد الانسان كله بما فيه الكيان الجسدي.

يخطئ من ظن ان الصيام مجرد جهد بشري اذ ليس من جهد لا تنشئه فيك النعمة. أنت لا تمسك الا لأنك تحب. فليس من ألم عند المحبين. المحب يطرد ما يؤذي الحبيب. أنت تطرد عن الله ما ليس يرضيه، ما ليس وجهه. لقد نزل الرب اليك قبل ان تباشر الإمساك. أنت لا تسير خطوة إلى الله بلا الله. هو رفيقك في دربك اليه. كل حركة تقديسك لنفسك هي منه إلى يوم يستردك اليه.

لذلك ليس من حركة هي الامساك ثم الرؤية. الإمساك نفسه يبدأ بالرؤية. كل شيء عندنا حب وليس من خطوة إلى الله ليس هو حاضرا في مبادرتها. الله فيك يتمم صيامك. ليس عندك اية حركة اليه مستقلة عن روحه. والحب عندنا في البدء وفي المنتهى. كل رياضة روحية منطلقها رؤيتنا للحب الإلهي ومنتهاها ارتماؤنا في الحب الإلهي. والله هو الذي يحب فينا اذا أحببنا. كل ما حسبناه رياضة هو حضوره. لذلك صدق قول الرب انه البداءة والنهاية. أي انه هو رفيق الدرب وهو الدرب إلى ان ينتهي كل شيء إلى وجهه.

هو الوجه والويل لك ان حسبت ان ثمة وجوها اخرى.

ان رأيت هذا فإنك في ضلال مبين. ليس من شرعية لجمال مخلوق ان لم تحسبه انعكاسا للجمال الإلهي. لا يضاف جمال على الجمال غير المخلوق.

ما الصوم الا تمرينا على تذوق الوجه الإلهي. المهم هذا الوجه إلى ان تنتهي كل الطرق إلى الله مع هذه الدنيا ولا يبقى غير وجهه ذي الجلال والإكرام. يلفتك قول المسيح المبارك: «أنا هو الطريق والحق والحياة» كلام فيه مفارقة يعني بها انه هو الطريق وغاية الطريق. هو وحده سبيل إلى ذاته وليس يسبقه أحد.

أجل يمكنك ان تنتقل الى الله توا بالحب. لكن الوسائل يتنزل اليها الحب اذ لا يمكنك ان تحب الله الا اذا وضع فيك لهفة اليه. سره انه هو المبدئ والمنهي لتبقى في الحنين. صح ان الرب نهاية المطاف ولكنه هو أيضا الحنين. الرب هو الطريق الى ذاته. هو الملهم والمنهي ومن تذهب انت اليه. وهذا هو معنى قوله انه البداءة والنهاية.

آخر قولة عن الله انه هو المحبة اذا فهمنا ان المحبة هي ذاته. المحبة وجه. صحيح ان الله قائم بذاته من حيث الجوهر ولكنه قائم في الحركة، في الانعطاف وانت تعرفه بعد ان صرت حبيبه. كلمك وناداك فرأيته فيك. تدركه بالتعاطف. واذا ازداد التعاطف تحس بنفسك مندمجا. صحيح ان لكما وجهين ولكنك تحس انك تجيء منه.

في الكنيسة وسائل، ورياضات للتقرب من الله ورجائي الا نبدل الله بالوسائل. واسم الله المحبة. هي ذاته. ولكن لا ينبغي ان نهمل الرياضات إلى الرب لئلا نقع في الشاعرية. الحب فيه تمارين. ينبغي الا نهمل التمارين والتمارين على المحبة تضمن ديمومتها.

العواطف لا تصل بك إلى المحبة. المحبة تقوم على الطاعات، على دقائق الطاعة. «من أحبني يحفظ وصاياي» تنبيه مستمر على ان قولك للرب انك تحبه قد تعني شوقا وقد لا تعني التزاما. لا محك للمحبة الا الطاعة.

اغراء المؤمن مجرد الشعور. «من احبني يحفظ وصاياي». مجرد الاختلاج الروحي ليس طاعة. المبتغى تطويع النفس بكل ما فيها من ميول. فالمهم ان تطلب إلى الله ان يحول محبتك إلى ميول دائمة فيك فتتربى على الله لتذكره على الدوام.

Continue reading