Category

2014

2014, جريدة النهار, مقالات

حضن‭ ‬الله / السبت 18 تشرين الأول 2014

هل يلوم أي منا نفسه على خطيئة اقترفها أم أحيانا يستلذها ويستطيب العيش بها؟ أليس لهذا أو ذاك انبساطه على الخطيئة يستتر فيها ويتدفأ بها هربا من فضيلة تكلفه تعبا شديدا؟ لماذا هذا الشعور السائد بأن العيش الصالح متعب؟ أما قال السيد: «احملوا نيري عليكم»؟ هل الفضيلة تبقى تكليفًا من فوق أم تتقبلها قلوبنا بفرح؟

في التعليم عندنا ان الخطيئة ما اكتسبناه ضرورة اذ ليس من صالح. الانسان يتقدس أي يولد حاملا بذار الخطيئة، ميالا إلى ما يدنسه. نجاسة الانسان فيه. ليس عليه ان يدور العالم ليجدها. هذا سؤال لا حل له كيف جاءتنا الخطيئة. ليس عليك ان تنقب عن أصل الشر فيك. هو هنا وأنت منه. ان كنت انسانا إلهيا تلحظ الشر فيك. لا تستطيع ان كنت واعيا ان تهرب من رؤيته. هو ضاغط باستمرار وان كنت لا تراه تكون عدمت الاحساس البشري. ما يطلب الله منك ان تخرج منه. الإيمان عندنا يقول أنت تقضي عليه فقط بقوة الله. ليس عندنا نحن حديث عن خلاص غير المؤمنين. نحن نتكلم فقط عن الخلاص بالله. الكلام السائد في أوساط المؤمنين ان الخلاص في مؤازرة الله للمؤمن. هذا صحيح اذا فهمنا هنا الكلام انه يعني استجابة لعطاء الله الكامل. المؤمن لا يخلص نفسه. دوره فقط ان يتقبّل خلاص الرب.

غير انه يجب ان نفهم ان الخلاص ان كان هدية من الله فعليك ان تتقبله. أنت لا تحدثه فيك، ترثه من فوق. هو لا ينشأ فيك منك. الخلاص فيك بدءه إيمانك انه هدية من ربك وآخره شكر ربك.

بعد ان ترث الخلاص يصير لك. تصير انت منه. تصبح عشير المسيح واذا ادركت العشرة حقا يزول منك الخوف. كل القصة ان تدرك انك صرت للمسيح وصار هو لك واذ ذاك لا تكون لأعدائه.

في وقت من اوقات الرضاء تشعر ان المسيح هو الحبيب ولا تطلب نفسك شيئا آخر. ترتضيه بعد علمك انه ارتضاك. تحس انه يكفيك وانك قائم عنده.

سعيك الوحيد ان يرضى الرب عنك. هذا لا تعرفه هنا. هذا من سره ولكنه في اليوم الأخير يقول لك: «تعال يا مبارك أبي رثِ الملك المعد لك منذ انشاء العالم». عند ذاك تفرح وتبكي ويجذبك حضن الله.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

التزام الحقيقة / السبت في ١١ تشرين الأول ٢٠١٤

لست اظن ان الأرثوذكسيين يقولون ان المجمع المقدس يقود الكنيسة باعتباره رئاسة تنفيذية مقابل من قال ان للكنيسة شخصًا واحدًا يقودها… هم غير مهيئين للقول، اذا أردنا التدقيق، ان عندهم للقيادة الروحية هيئة إدارية. يرفضون أساسا التشبه بالتنظيم المدني ولكن استقلالا عن مقولاته عندهم حس بالجماعية، بالتوافق وهذا ما يسمونه مجمعا مقدسا، الأمر الذي لا صورة له في النظام المدني.

هو ليس برلمان أساقفة. هو سعي إلى وحدتهم ولا قيمة فيه للعدد الا رمزا لاتجاه في المعتقد أو الرعاية. المبتغى مشيئة الله وتبينها من خلال عقيدة إلهية مسكوبة أحيانا قوانين هي فوق الإدارة المألوفة أو تبنيها من خلال تراث تاريخي مرتبط بالعقيدة. السعي إلى معرفة مشيئة الله في موضوع مثار وليس هو القول بنظام ديمقراطي اذ ليس من كلمة الا كلمة الله.

فاذا تكلم المسيحيون المشارقة عن المجمعية هم لا يقيمون نظاما ديموقراطيا مقابل نظام الفرد فيما لو اعتبر موجودا في المسيحية. الكثلكة نفسها لا تقول بالنظام البابوي على انه نظام الفرد. هي في المبدأ كالأرثوذكسية تقوم على الجماعة. ولكن كون الرئاسة جماعية لا يعني ان الكنيسة ذات نظام ديموقراطي. ليست الرئاسة المسماة جماعية، الا تعبيرا رمزيا للدلالة على القصد الواحد وهي تاليا سعي. الجماعة عندنا ليست بديلا عن الفرد. هي مجرد سعي إلى ان تكون صورة عن كلية الإيمان الموروثة عبر الأجيال وهو الإيمان المسلم إليها من الرسل.

لا معنى تاليا لمفهوم العدد في مجمع الأساقفة اذا اجتمعوا. المبتغى هو التراث أي الأصالة والخضوع لما سلم «مرة واحدة للقديسين». الإجماع أو شبه الإجماع في المجمع المقدس صورة مبدئية عن التزام الحقيقة. فاعتماد قرار قائم على أكثرية الأصوات مجرد اتفاق عملي غرضه بحث قضية ولا يعني إطلاقا تقييد ضمير أي أسقف. أجل هناك حياة إدارية عامة تظهر بالتوافق أو شبه التوافق. غير صحيح القول ان مجمع الأساقفة لا يخطئ اذا اجتمعوا فالكنيسة كفرت على الأقل مجمعا واحدا في القرن الرابع جمع مئات من الأساقفة. الحقيقة أو الحكمة لا علاقة لها بعدد المقترعين أو الناخبين. هي فوق المجامع والكنيسة تسعى إليها سعيا ولا يستطيع أحد ان يدعي ان مجمعًا اكليريكيًا في أية دورة له عصمة الله. هذا يقتضي قبولا كنسيا جامعًا يعرف بعد سنين في حياة الكنيسة وبعد صراعات ويتجلى للأطهار. لا أعرف كنيسة واحدة في العالم المسيحي تدعي لرئاستها المسؤولة عصمة تلقائية بمجرد صدور قرار تعليمي أو رعائي. القول الشائع ان المسيحيين الأرثوذكسيين يعتقدون بعصمة المجامع المسكونية لا يعني إطلاقا ان المؤمن مدعو ان يقبل بقرار مجمعي لمجرد صدوره. هذا يعني قبولا تدريجيا للمؤمنين كافة أي تكرار القبول من مجمع إلى مجمع وتبين قناعة في الأمة المقدسة.

الحقيقة سعي لأن التفسير سعي. ليس عندنا أصول محاكمات تجعلك تؤمن آليا بأي قرار صدر عن مجمع. هناك ما نسميه إجماع الآباء. كيف يكون هذا وليس من إحصاء ولا تبين وقائع؟ إجماع الآباء يعرف في التاريخ أي بعد ظهوره وتدريجيا وبعد مناقشات تطول. ليس في الكنيسة ما يشبه القانون المدني في ظاهره. هناك تفسير وتأويل وأخذ الأشياء إلى حقيقة التاريخ وإلى أقوال الأقدمين. تؤخذ الحقيقة بالسعي لا بقرار سلطوي بدليل ان قرار كل سلطة خاضع لتفسير السلطات اللاحقة. الحقيقة قبل اليوم الأخير سعي في القداسة ومحبة الإخوة واذا استفحل الجدل فلا قداسة.

أول مجمع مسكوني أي النيقاوي المنعقد السنة الـ٣٢٥ والذي أوضح ألوهية المسيح وأصدر دستور الإيمان استغرق أجيالا لقبوله. ليس المجمع أية كانت قدسيته قبولا فوريا وتلقائيا من المؤمنين. المجمع عندنا ليس سلطة. هو صورة قبول من المؤمنين اذا قبلوه. ليس من سلطة كنسية لها ان تقول لك نحن اجتمعنا فعليكم أيها المؤمنون ان تقبلوا اذ للمؤمنين الأطهار والمؤمنين أحيانا ان يردوا: “اجتماعكم يعنيكم ولا يعنينا”. القول للكنيسة مجتمعة بالروح القدس وليس لسلطة بشرية بحد نفسها. الله لا يساوي نفسه بأية سلطة اذا اجتمعت اذا قالت الحقيقة واعترفت بها الكنيسة في جامعيتها تصير سلطة. ليس عندنا من قوة أو فاعلية لسلطان بسبب من مركزه. القوة والفاعلية هما لما قيل وليس لمن قال. الرئيس الوحيد للمسيحي هو الحقيقة.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

التوق / السبت في ٤ تشرين الأول ٢٠١٤

أنا أعرف نفسي في التوق. أرجو ان يكون هذا إلى الله. كل اشتياق إلى غيره ليس مؤسسا.

هذا أرى على دفتري اني كتبته منذ أيام. كل نفس تائقة إلى ما فوقها أو ما إليها. هي مشدودة لتكون لأنها خلقت مشاركة. ليس مخلوق مغلق. لا أحد يكتب لنفسه، ليقرأ نفسه. صح ان تحرك نفسك علمت أو لم تعلم توق ظاهر إلى ناس ولكن بعد الناس تنتهي إلى الله لتسكن. أنت تسعى إلى ما يجعلك في سكون أبدي «كل شيء يجري» كما قال هيراقليط والا لما ساد الفكر.

الإنسان لا يمشي الا بحركة إلى ما هو إليه. اذ ينعتق من عتاقته. كل سعي إلى مخلوق منغلق فيه صدمة. بالعمق اذًا أنت ساع إلى غير المحدود وغير المغلق. بوضوح أكبر أقول أنت ساع إلى الله علمت أم لم تعلم لأن كل سعي محدود لا يرويك. أنت، انسانا تائقا إلى ملء الوجود، لا يوقفك شيء.

ولكن تبقى الأشياء أحيانا محجوبة عنك. بينك وبينها ستر خطاياك، مزقه ان أردت السعي. الخطيئة وحدها تحجب عينيك. في الحياة الروحية عيناك كل شيء. اذ ليس فيها أفق محدود. كل شيء مفتوح حتى النهاية. ونحن في الله نرى كل شيء. ذلك انه هو وحده الرؤية. الوجود أحيانًا قراءة وأحيانا حجاب. طوبى لذلك الذي يقدر ان يشاهد ربه مباشرة اي من خلال القلب. انه فيه كامل. وما كانت الكتب المقدسة بديلا عن القلب. تساعده على الإحساس مساعدة.

غير ان التوق لا يكفي ليكشف لك الرب. الرب يستعين بالتوق اي انه هو يعلن عن نفسه فيك بهذه الطاقة التي جعلها فيك وسميناها التوق. الرب فوق كل شوق ويساعدك على معرفته بالاشتياق. انت لا تخلق الله بامتدادك اليه. هو بنعمته يجعلك تشتاقه. صعوبة علاقتنا به اننا نحس احيانا اننا نحن نقوم بالعلاقة وهذا خطأ لاهوتي. هو يعمل فينا القداسة. انت لا تخطو خطوة اليه الا اذا رسمها. هو مبدئ كل علاقة به وخطيئتك لا تنهي العلاقة لأنه يحبك وانت في خطيئتك. واذا انت متّ فالمسيح رفيقك في التابوت لأنه حياة الموتى.

المسيح مبدئ حياتنا معه. انت لا تبدأ. انت تتقبل. كل دورك ان تقول له: «تعال ايها الرب يسوع». المسيح مع كونه شريكا لك في الحب هو يبدأه.

اذا انضممت الى المسيح لا ينتهي التوق لأن المسيح لا ينتهي ولا يأتي يوم تعرفه كاملا فيك فإن شبعت منه ينتهي فيك. الينبوع يجري دائما.

ان أحسست انك دائما مشدود اليه تكون قد وصلت اليه. لا ينتظر شيء آخر بعد هذا. ولكن لا تصل الى الله بصورة نهائية لأنه دائما أبعد من الطريق. جاذبيته انه لا يوقف جاذبيته فيك. هو دائما أمامك وهو ما رأيته أمس، وما ستراه غدا ولكنه دائما جديد. انه لا يعتق. انه يريد ان يظهر لك جديدا حتى لا تعتق انت. ان وصلت اليه غدا لا تراه أجمل مما كان. انت تكون أصبحت أجمل. انت تدرك الرب في فاعليته اي في انعكاسه فيك. هو رب السماء والأرض بمعنى انه ينزل دائما الى الأرض والأرض قلبك.

أنت لا تحس انه في السماء الا اذا شعرت انه في قلبك. ما لك سوى قلبك اي الله نفسه في قلبك. انت لا تسمو اليه الا اذا شعرت به ساكنا في روحك. عند ذاك يصح فيك قول من قال: «أنا من أهوى ومن أهوى أنا». هذا هو سر الحب الإلهي. أنت ان اختطفك حبه تصير ذاتك فتسكن.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الرب يتكلم / السبت في 27 أيلول ٢٠١٤

أرى البحر من الجبل ممدودا أمامي. يذهب البحر. أريد ان أذهب لألقى السكينة حتى لا أموت. اذهب اذا إلى هناك. أين هناك؟ ان تخرج من نفسك، من ضيقك، ان تخرج دائما إلى الآتي، إلى النازل عليك: ليس كل مرجو هو الخلاص.

أنت لا تأتي بالخلاص. تقبله. هو يفتقدك اذا رآك من تكون؟ في الأصل أنت لا تعرف. يقول لك الله هذا عندما يشاء ان يعرفك ويكون لك هذا ان حلوت له أو اذا أغضبته. وفي الحالتين يحبك. اذا لم يكشف لك ربك من أنت لا تعرف عن نفسك شيئا لأنك تريد ان تعذر نفسك. أنت عاذرها لأنك تحب خطيئتك. في الحقيقة ليس من خطيئة الا ان يعشق الإنسان نفسه. ان ترى نفسك وحدها هذا هو الموت. وجودك في الآخر، مع الآخر. أنت وحدك جهنم مع الآخرين فقط أنت كائن. في المحبة فقط أنت موجود.

كان سقراط يقول: «اعرف نفسك». لماذا يهمني هذا؟ قد أرى في ذاتي أفاعي. هل كل من رأى عنده الأفاعي يريد ان يقتلها أم يحب الإنسان ان يعايش الموت أو بعضا من أسباب الموت؟ مشكلة كبيرة هذا الإنسان. أرى البحر من الجبل. اذهب اذًا إلى البحر، إلى المدى البعيد على رجاء النعمة.

أنا لا استطيع ن أمشي على البحر. واحد فقط فعل هذا. مضطر ان اسبح. هذا هو العمر ولكني أرجو الا اغرق. هل لك قدرة السباحة طوال عمرك؟ أنا تعلمتها في سن متقدمة. قيل لي لا تخف. هناك معلم سباحة. في حياتي الروحية لم أجد دائما معلم سباحة. كنت اتكل على ما قاله القديسون.

مسكين من لم يقرأ القديسين. يتكل على نفسه أي على انتفاخه. الإنسان موجود اذا أحب. هذه هي النعمة ان تكون مع الآخرين. في إيماننا ليس الإنسان فردًا. هو معية. الجماعة ليست العدد. انها المشاركة. أنت تحقق وجودك بالآخرين، مع الآخرين. الوحدة عظيمة ان لم تكن انفرادا. هي معية. الله معك ليس ان كنت منفردا ولكن اذا كنت مع الناس أي في الحب. عند ذاك تكون قد كبرت.

أرى البحر من الجبل. هذا المد الكوني تلمسه ان كنت قائما في الله. ان تكون في الكون وحده بلا إله اختناق. ولكنك في حاجة إلى الكون لتعرف عظمة الله. لك ان ترى ربك مباشرة ولكن لك ان تراه أيضًا في مخلوقاته ولا شك انك في مخلوقاته تراه جميلاً. هكذا نحن نحس الله عندنا. هو أيضًا في ما صنع.

اقرأ الله من البحر ومن الجبل كما اقرأه في كتابه. هكذا هو أراد. الدنيا في تنوعها كتب الله. نحن مضطرون ان نقرأ الكتب. العظام فقط يقرئهم الرب نفسه بلا كتب. الدنيا كل كلامه والقلب كلامه.

ان لم يكلمك ربك في قلبك لا تفهم الوحي. الوحي ان لم ينزل اليك يبقى في الكتب. الكتب كانت طريق الله اليك. كان همه أنت أي غاية الكتب. لا تهمل ما أوحى ولكن ان لم تتلق الوحي في قلبك روحا وحياة لست على شيء. يبقى في الكنيسة.

اقرأ قلبك ان كان طاهرا تجد الله فيه. ما نزلت الكتب الا لتدخل إلى قلبك. اجعله يتكلم مع الله.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

العروبة والإسلام / السبت 20 أيلول 2014

أنا بما أنا أحس بنفسي من هذا المشرق السابق للعرب والممتدّ إليهم. تعرّب المشرق بالفتح ولكن جزئيا. كان مشرق المسيح قبل الفتح العربي وبقي كذلك إلى حدّ كبير لأن المسلمين هم أيضًا مشارقة بالمعنى الواسع. لم يأتوا من الجزيرة. الجزيرة رافد من روافدنا ونحن قبلها من بلاد الشام بما فيها جبال لبنان. وبلا تعقيد نحن من الشام أصلا ومن العرب تبنّينا. والتبني في شرع من أهل هذه البلاد كالبنوّة. هذا كلام يمتّ إلى الحضارة أو إلى الذوق وليس إلى السياسة.

هذا كلام لا ينبغي أن يكون حوله انقسام إذ ليس فيه خيار سياسيّ. هذا ما نحن منه. ولكن هذا لا يأخذ معناه الحقيقيّ إلا إذا اعتبرت نفسك روحيا وذوقا إلى الفتح. أنت تتكلم العربية ولا معنى للبحث عن جوهر العروبة. هي جنس وليس للجنس جوهر. هذا الجدل الذي طال حول عروبتنا أو مدى عروبتنا  كان عندي جدلاً عقيمًا ما دمنا هنا رواد اللغة العربية وآدابها ومحبين كل أقوامها. هل تريدون شيئا أقوى من الحب لنصير عربًا؟

كل نقاش حول عروبتنا ومداها نقاش عقيم ونحن فيها. هل يحدد الإنسان مكانه؟ طبعًا نحن عرب إذا اعتبرنا أنفسنا ساهرين على مصير هذه الأمة الثقافي ومتعاطفين والعرب جميعًا في تقرير هذا المصير. والعروبة بمعناها الثقافي والتعاملي هي بالدرجة الأولى خيار اليوم وليست بحثًا في العصور الغابرة. أنا واحد مع الشعوب العربية التي حولي لأني مثلها طالب لحرية العرب وإقرارهم في المصير الدولي. أنا واحد معها في فرادتي اللبنانية أو السورية أو الفلسطينية. أنا لست عربيًا بمعنى أني أساوي نفسي بالعراقي أو الحجازي. أنا مع هؤلاء عربي لأنهم معي وأريدهم معي في تثبيت حق العرب جميعًا في الكرامة. لم تبق عروبتنا تغنيًا بالقومية الشاعرية بمقدار التزام شعوبنا حقها في الحياة والعطاء الحضاري.

من هذا المنظار لم تبق العروبة ذوبان أجزائها في حلم. هي تحقيق كل أجزائها في العطاء الحضاري. من هذا المنظار لا تفترق العروبة عن الوجدان اللبناني وهذا لا يجوز له رؤية نفسه منفردًا عنها كما لا يجوز له إلغاء نفسه لتثبيتها.

العروبة جزء من حضارة العالم. بهذا المعنى الدقيق تسمى ثقافة أي انتماء وهذا أساسي لتثبيت شخصية الإنسان، هي شيء كامل إن فهمتها مرتبطة بالكامل الحضاري. ليس في الدنيا من كامل إلا إن كان مرتبطًا بالآخرين ارتباطًا عضويًا. ولكن الارتباط ليس الذوبان.

لذلك لم يبق من مجال للشكّ في أننا نقوم بذواتنا من جهة وبمشاركتنا من جهة. إذًا ليس من ذوبان في عروبة ليس عندها قيمة للثقافات المحلية فيها وليس من عروبة ليس عندها رؤية وحدتها أي وحدة مصيرها. الدنيا غناها في التنوع أي في التقابل والتقابل تعاون وليس صدامًا.

أنا حرّ أن أضمن عروبتي أحاسيس أو مشاعر لا يعرفها العرب خارج بلاد الشام فإن بلاد الشام أعطت العروبة ما لم يعطه سواها وربما كان ذلك لأنها أقدم من حضارة العرب التي أتتها بالفتح. دائمًا كنت أشعر أننا أعطينا بلاد العرب ما لم يأخذوه من عرب الجزيرة. والعروبة ليست التي قبعت في الجزيرة من بعد الإسلام ولكنها التي امتدت به إلى العالم. لذلك إذا تكلمنا عن الحضارة العربية بشمولها نريد هذه التي عظمت في بلاد الشام واغتذى منها الآخرون. الإسلام نفسه لم يتخذ مداه الحضاري إلا عندما خرج من الجزيرة. والعروبة في طبيعتها هي ما امتدّ مثل البدو. لم تعرف العروبة إلا بالإسلام في خروجها من الجزيرة.

ولم تعرف بكل أذواقها إلا كما اعتنقها أهل بلادي الذين أعطوها الذوق البيزنطي. العروبة تمدّنت أي صارت المدن منها في سوريا. لما كانت في الصحراء ما كانت حضرًا. وما سمي الفتح العربي في توسع اللغة كان فتحًا سوريًا ثم عراقيًا. العروبة إلهيا ظهرت في الجزيرة ونمت في بلاد الشام وكل شيء آخر استعارة من الشام.

حزنت لما قرأت أنّ المسلمين العرب هم فقط سدس المسلمين ولكن مسلمي بلادنا هم فكريًا قلب الإسلام. ولكن هناك تلاق وتفاعل بين الإسلام والعروبة واضح في حياة الفكر وكان هذا طريقنا التاريخي إلى أن فتح الله علينا أبوابا أخرى.

العروبة مفهوم إسلاميّ حضاريًا يمكن أن تعلمنه. هذا ليس مسعاي. أنا مسرور أن تكون حقيقة العروبة وحقيقة الإسلام متماسكتين. تاريخيًا هذا واضح وأنا المسيحي الملتزم أرسم خطي على هذه الطريق بحرية ومحبة. أنا المسيحي أدخل كل الأزقّة وأبقى مؤمنا بما نشأت عليه. الدين يتحرك، يتسرب. لماذا نريد حصره في قالب حضاري؟

نحن في هذه البلاد نعرف كل أزقة التاريخ الشرقي ونتحرك فيها ويبقى كل منا مرتهنًا لخياره الديني إن شئنا الا نكذب. ولكن الخيار الديني لا يمنع التعدد الثقافي وذلك ضمن العروبة. أنت فيها يمكن أن تكون مسيحيا شديد العقيدة على أن تكون محبًا للمسلمين وأنك إن لم تكن كذلك بطلت مسيحيّتك.

هذه أشياء نعرفها كثيرًا نحن الملتزمين الإيمان المسيحي في جانبه الشرقي لأننا زاملنا الإسلام والمسلمين وفي الأقل عرفنا أنهم قدرنا وأننا قدرهم وفي الأحسن رأينا أننا نحبهم وأنهم يحبوننا ونحن أتباع الناصري فهمنا أنّ المحبة هي كل الوجود.

أنت المسيحي العميق المسيحية تحب المسلمين لأنك تراهم معك في المدينة، في الشارع، في اللغة. وفي درجة أعلى لأنك عرفت الإسلام وأنّ فيه ما يُحَبّ.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

رفع الصليب / السبت في ١٣ أيلول ٢٠١٤

تدور هذه الأيام حول عيد رفع الصليب. فبصرف النظر عن المناسبة التاريخية للعيد نتجه نحو فكرة رفعنا للصليب المسمى في العامية عيد الصليب. نحن في إيماننا وصلاتنا رافعون للصليب بسبب من عبادتنا للمصلوب عليه. نحن في الحقيقة نعظم إيماننا بالمصلوب أي بالحياة التي انسكبت علينا من الرب يسوع في سر موته وقيامته.

جاء في العهد القديم: «ملعون كل من عُلق على الخشبة». أخذ السيد المبارك هذه اللعنة على نفسه لما رفعوه على الخشبة ليرفع عنا اللعنة. أداة العار اذ يعلق عليها المجرمون تصبح أداة الفرح والافتخار. فالصليب بعد موت السيد عليه صار طريقنا إلى التحرر من الخطيئة كما كان طريق السيد إلى قيامته من بين الأموات.

بطلت اللعنة اذًا وبطل الخوف من الموت، وصار الصليب لنا دعوة إلى قيامتنا كما كان منطلق السيد إلى قيامته من بين الأموت، نعلقه في كنائسنا وبيوتنا وعلى صدورنا على رجاء تحررنا من الخطيئة فصار في العالم المسيحي رمز الرجاء والفرح.

أدخلت المسيحية مفهومًا جديدًا لآلام المؤمن وهو انها يمكن ان تقوده إلى السيد. لم تبق أوجاعنا علامة عن غضب الله ولكنها صارت صورة لافتقاده ايانا. نحن لا نسر للآلام ولا نقدسها. نرتضيها بالإيمان حتى نخرج منها إلى الفرح. لا نرحب نحن بأوجاعنا ولكن نرجو الله ان يحولنا بها إلى نور وجهه. غير صحيح ان المسيحية ملازمة للآلام. هي ملازمة لفرح المؤمن المتألم اذا تألم واقتبل وضعه على رجاء رؤية المسيح.

فكرة خاطئة شائعة ان المسيحية تقدس وجع الإنسان. هي تقبل وجع المؤمن مرحلة له في الصبر ولكن دائمًا على رجاء القيامة. ينبغي ان نفهم ان تصوير المسيحية على انها ديانة الألم تصوير لا يقيم وزنا إلى قيامة المسيح التي هي المنتهى والغاية.

صحيح تركيز الفكر المسيحي على الصليب ان فهمنا هذا ليس مركزا للوجع ولكن مرحلة إلى الحرية من الوجع. الصليب ليس عندنا مكانا لآلام المخلص الا لكونه انطلاقا إلى تحرر المسيح من الموت. رسم الايقونات عندنا يصور المسيح على الصليب مفتوح العينين ليدل على انه بقي في الموت منتصرًا على الموت. «المسيح لا يسود عليه الموت» هكذا قال بولس. هذه هي الوحدة بين موت السيد وقيامته ان الموت ما ساد عليه. عبره المخلص عبورا وفي هذا كانت نهاية الموت.

لذلك يوم الجمعة العظيم في صلاة جناز السيد لا نبكي. صلواتنا تشرف كلماتها على الفصح. نحن في لحظة ترنيمنا لموت المخلص نقفز بكلمات كثيرة إلى الفصح لإيماننا بأن الموت ما قضى على المسيح لحظة بمعنى انه لم تكن له في المسيح فاعلية بل كان توا وثبة إلى القيامة.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الله والإنسان / السبت في ٦ أيلول ٢٠١٤

الإنسان مدى الله والله مدى الإنسان أي ان الرب هو إلى البشر وهم به محدودون. ليس ان الله محدود بالإنسان ولكنك لا تدركه الا بانعطافه على الإنسان ولا تصل إلى حقيقة هذا ما لم تره مع ربه في وصال. الإنسان هو في الآخر ليس بمعنى انه فقط في الإنسان الآخر ولكن بمعنى انه في الله وبالله يتصل بأخيه الإنسان. هذه هي قاعدة الوجود اذا أردت ان تفهم شيئا عن الله والإنسان وعنهما معا وهما معا أو خارجان عن الفهم.

ان لم يكن الله مدى الإنسان لا يكون الله في أية معقولية واذا كان الإنسان مع إنسان آخر فقط فهما غير متلاقيين. التلاقي في التواجه أي في الآخرية. شرط التلاقي ان تكون آخر ولكنك ان كنت آخر حتى النهاية ما من تلاق. شرط المحبة ان يكون المحب غير المحبوب وان يكون ثمة قدرة تلاق بسبب من الإنسانية الواحدة في الاثنين وبسبب من تمايز الاثنين معا.

غير ان شرط التلاقي بين بشر وبشر ان يكون كل فريق خرج عن مطلق ذاته ليحب. اذًا المحبة وحدها التلاقي. شرط المحبة ان تكون آخر لأنك ان كنت في اندماج جوهري ما من تلاقٍ. تكون تمت الوحدة عند ذاك. ولكن المحبة ان تكون تلاقيا ما لم تكن محبة في الله. فاذا اقتصرت على ان تكون لقاء بشريا مكتفيا ببشرته تحده بشرته وينتفي التلاقي… انشدادك إلى الله هو الذي يضمن لك لقاءك الإنسان الآخر. هو وحده الذي يجعلك غير مستبد أو غير خاضع. هنا أعود إلى القولة الرومانية القديمة. «الإنسان ذئب للإنسان». لأنهما لولا الله هما في افتراس.

خروجك إلى الله يجعلك وحده في لقاء الآخر والا كان التلاقي اندماج مصالح أو منافع. الإنسان ان قبع في بشرته كان أسير نفسه وان خرج من نفسه لا يخرج الا إلى الله. تلك هي الحرية.

كل الجهالة ان تقبع في نفسك لأنك مضطر، اذ ذاك، ان تصبح أسير فراغها. لا حرية لك الا من نفسك. حب الإنسان للآخر هو ما طلبه الله في كتابه ولكن هذا معناه ان تسعى إلى الله في الإنسان الآخر لأنك اذ لم تطلب هذا تكون ساعيا إلى نفسك في ظنك انك تسعى إلى الآخر.

المسألة الا تضيع في الاخر، الا تنحل فيه. غير هذا ان تكون معه وإليه. أنت، اذ ذاك، تبقى نفسك ولكن مصلَحا بملح. أنت في معية. ليس في الإنسانية من معنى الا كونها معية. والإنسان ليس محدودا بفرديته. الفردية ليست الأصالة كذلك ليست التراكمية البشرية أصالة. المجتمع هو المحبة وليس الجمهور. ان يكون الناس على نموذج واحد في أي شيء ليس هذا الوحدة. ان يكونوا واحدا في الحب هو كل شيء.

الخطأ ان نقول بفردية الإنسان. الخطأ أيضًا ان نقول بجماعية البشر. الحقيقة ان نقول بالإنسان المشارك الآخرين إنسانيتهم وحبهم. الخلاص في المعية حيث يبقى كل منا على حريته ولكنه شريك الآخرين في الفرح والأحزان، فيما يحيون وفيما يموتون.

الذين يرون الإنسان جسدًا بحتًا أو كائنًا مجتمعيًا بحتًا يبترونه. الإنسان بكل أبعاده وكل أعماقه. ليس من عزلة عازلة وليس من تجمهر يلاشي حرية الذات. الإنسان في استقلاله ولكنه في حبه أيضًا وعلى قدر المحبة يستقل وباستقلاله يعطي. المنصهر لا يعطي لأنه مسحور.

أنت لا تذهب إلى الله حتى تلاشي إنسانيتك. هي أمام الله أي في ذاتيتها. ان أحببت الله يثبتك. أنت في عشرة الله تحس بوحدتك به ولكنك تحس انك قويت. محبتك له لا تفنيك. تثبتك أمام وجهه ولكن ليس ضد وجهه. كيف تكون مع ربك واحدا وتبقى على بشرتك؟ هذا سر الحب انه يقيم الله أمامك ويقيمك أمامه. غير هذا في أي اتجاه انحراف.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

لماذا البغض؟ / السبت في 30 آب 2014

لماذا البغض لأتباع يسوع الناصري؟ لقد زال الاستعمار وأزاله المسلمون ولا أحد منهم يعتقد اليوم ان المسيحيين العرب يأتون هم اليوم به. وهو ليس حصة أحد. لماذا اذًا كل هذا الانقضاض على اتباع الناصري في العراق وفي غير العراق؟ بعد ان تفشت الصهيونية في كل بقعة لم تبق حكرًا على أحد. هل يعتقد أحد من المطلعين ان الصهيونية لم تتسرب إلى كل العرب؟

ليس شيئا جديدا اتهام المسيحيين فلما أراد الامبراطور نيرون الروماني اضطهادهم ادعى انهم احرقوا روما وما كانت عندهم قوة لإحراق قشة. لماذا تكافأ المسيحية بالبغض وهي معلمة المحبة؟ لماذا كل هذا الانقضاض عليها؟ أنا تلميذ مدرسة مسيحية فرنسية. لم اسمع فيها كلمة واحدة ضد الإسلام. لم يشعر أحد من جيلي ان هذه المدرسة كانت معقلا لمسيحية متعصبة. التعصب ابن هذا البلد في كل أطرافه. هل كانت المدرسة الفرنسية جاذبة إلى الغرب وإلى ثقافته؟ إلى ماذا كنا نريدها ان تجذب؟

أحيانا كثيرة تكره الذي ليس من معسكرك. بسبب من التنظيم الاجتماعي تراه عدوا. غير صحيح القول الروماني القديم ان الانسان ذئب للإنسان. في بدء العلاقات البشرية الانسان أخو الانسان. ثم تتأزم العلاقات لمئة سبب وسبب.

تكره الدعوة إلى المحبة لأن هذه الدعوة تأنيب. ان تنادي بالفضيلة باستمرار وبقوة يعرضك إلى اضطهاد الأشرار. انهم لا يثبتون أنفسهم الا به. قاعدة البغض ان يموت الآخرون في أجسادهم أو في أرواحهم. الآخر عند بعض مشروع موت. لذلك كان الإيمان بالقيامة مخالفًا لمألوف البشر. القول بالقيامة غريب عن رؤيتنا الدائمة للموت. هو من إيمان وليس من رؤية.

البغض قاعدة لأنه الصورة السيكولوجية للموت. القاتل ان نفذ أو لم ينفذ يحمل إلغاء الآخرين. القتل إبادة الموجودين فعلا أو رغبة. هو في عمقه إلغاء الخلائق والخالق. القاتل ضمنا لا يعترف الا بنفسه وفي آخر المطاف هو المنكر لله لأن الله يثبت أهمية القتيل.

ان تعترف بالله لا تترجم عندي أصلا الا بالاعتراف بالآخرين. ان تقر بالآخرين هو الدليل الحقيقي على إيمانك بالله. اذ كيف تثبت الإله غير المنظور الا اذا ثبت المنظور؟

الإقرار بالآخر في حسناته وسيئاته صعب. أنت تحبه فيما لا يزال على سيئاته لأن الله هكذا أمر. ان تعترف بالآخر تعني انك لا ترى نفسك وحدك موجودا. ترى نفسك في الجماعة، عائشا معها وبها. هي تقر بك وتزداد أنت وجودا. الإقرار بالآخر يعني قبوله كما هو قائما لا بشروطك بل بما وهبه الله. هذا ضمنا يعني قبولك بوجود آخرين مختلفين عنك وقد يكونون خصومًا ولا تريد ان تقتلهم. ترضى بمجتمع متخاصم إلى ان يلهم الله بعض الناس شيئا آخر.

أنت تقبل الاختلاف بلا قتال وربما بلا تناحر. المجتمع تحديدا ناس مختلفون وان لم يكونوا أعداء. البغض في حقيقته رغبة في إلغاء الآخرين. الاختلاف يقبل الله به من أجل التعاون. المهم الا تقتل أحدا في فكرك، ان تقتنع ان الله يرى للخلاف شرعية وان تعترف ان لكل إنسان قيمة مطلقة مهما كانت مواقفه. والمحبة هي الاقتناع بأنك ان أعطيت تنتج الحياة وان هذه تنتقل إلى العدو ان أنت أجبته. وثق انك قادر على توليد المحبة فيك وفي الآخر.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

حرية الخطأة / السبت في ٢٣ آب ٢٠١٤

يأسف الكثيرون ان الله لا يمنع القاتل ان يقتل ولا الكاذب ان يكذب. غير ان الرب آثر حرية البشر على ان يضطرهم على العبودية لأنه أرادهم ان يقرروا مصائرهم بحريتهم ليعودوا إليه بحريتهم. بكلام آخر ما أرادهم آلات مضطرين إلى غرائزهم ليصيروا له بحب. هذا هو التمييز الوحيد عندي بين الحيوان والانسان. الحيوان لا يحب. يشتهي. ان تحب هو ان تختار. أنت بار أو طاهر اذا اخترت الله. لذلك يحزنني بعض السذجة الذين يسألون ان كنا مخيرين أو مسيرين وكأنهم يؤثرون ان يكونوا كالآلات. تحزنهم حريتهم ولا يسرهم الانتصار على الخطيئة. أنا لا أفهم حسرة الكثيرين من انهم غير خاضعين للجبرية. كيف يرى هؤلاء انسانيتهم مميزة عن الحيوان الذي هو مخلوق جميل ولكنه مجبر. اظن ان بشرًا كثيرين لا يفتخرون بتغلب جنسنا على الخطيئة. هل هي أجيال الانصياع للعبودية التي لا مسؤولية فيها والتي قادتهم إلى كره الحرية؟ أعرف ان الحرية متعبة ولكن أليست هي القوة الاولى فينا التي تجعلنا شبيهين بالله؟ ما معنى اننا أفضل من الحيوان؟ أليس في اننا لا نكون في الخير الا اذا أحببناه وأقمنا فيه؟ يؤلمني كثيرا هؤلاء الذين يأسفون على تمتعهم بالحرية. منطقهم يجعلني اعتقد انهم يأسفون ليس على عمل الشر وحسب ولكن على عمل الخير. كثيرون يريدون لو كانوا آلات بيد الله. ان كانوا هكذا كيف يخاطبونه؟ كيف يقدرون أنفسهم والأبرار؟

تأسف لحريتك خشية من الخطيئة؟ لا ترتكبها وافرح بالنصر. هذا بعض منك ولو كان أكثره من الله. الله يراك مثله فأراد ان يكون ابنه مثلك ذا جسد ليشفي جسدك أي كيانك كله. هذه هي المسيحية كلها شبه الله بالإنسان. هذا وجه من وجوه الوحده بيننا وبينه لأنه ان لم تكن وحدة كيف يحبنا حبا حقيقيا أي حب اتحاد بين كياننا وكيانه؟ كيف نتكلم عن محبة بيننا وبين الله ان لم نفهمها اتصالا حقيقيا بين كيانين؟ كيف يدخل الله في الانسان ويحافظ هذا على جوهره؟ المسيحية لا تقبل بما هو دون ذلك والا كان المخلوق والخالق في مجرد مواجهة لا في تداخل. واذا كانا كذلك فليس من تجسد لابن الله. «والكلمة صار جسدا» لا تعني شيئا ان لم تغي اتحادا بلا اندماج أو صيرورة ولكنه حب وهو يعني ان الله صار إنسانا دون ان يترك طبيعته والإنسان صار إلها دون ان يترك طبيعته. أنت ان صرت إلى الاتحاد تفهمه. الحب لا يحتاج إلى فهم. هو الفهم.

بسبب الضرورة للجهد الروحي نتعب أحيانا لأن الانهزام أمام الخطيئة أسهل. غير ان الرب أرادنا في الجهد أي في الاختيار لأن اختيارنا له صورة حبنا له. الانصياع لله ان كان فقط تلقائيا لا خيار فيه. ان تختار الله أو ان تقبل اختياره لك يعطيك الإحساس بأنك شريكه في صنع نفسك. صحيح انك لست صانع نفسك في الخير ولكنك متقبله نعمة. هذه هي الحصة المتروكة لك في الخلاص.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

مريم / الجمعة 15 آب ٢٠١٤

النفَس المريمي يقوى في الصيف بسبب من بعض الأعياد الموضوعة فيه ولكنه يحيينا في كل حين. سأحاول ان أتحدث عن مريم وهي ما كانت تحب الكلام حسبما تروي الكتب المقدسة لأفهم ما قيل عنها في الوحي. فتاة من فلسطين تسمع من السماء انها مدعوة إلى أن تصبح أم المخلص وتفهم حين الدعوة ما استطاعت. كيف طن في أذنيها كلام الملاك انها ممتلئة نعمة أو انها مباركة في النساء وبخاصة هذا الذي قيل لها عن الطفل الذي ستضعه؟ كيف كلام يدخلنا في السرّ الإلهي؟ ما كان المهم ان تفهم كثيرًا. مبتغى الله ان تطيع، ان تصبح صورة عن كل نفس مؤمنة تلد المسيح في العالم بالإيمان والحب. مبتغى الله في كل من اصطفاه للقداسة ان يصبح قدوة. أمومتها للمسيح على أهميتها الموضوعية ان توحي لنا ان كل نفس مدعوة ان تلد المسيح في العالم لئلا يبقى العالم عاقرًا.

إلحاح المسيحية على بتوليتها ليس مجرد إقرار بأنها لم تعرف رجلاً. هو دعوة ان يدخل كل منا في سر البتولية المدعو إليها في روحه أي ان يكون، كما تؤكد اللغة العربية. مأخوذًا إلى البتولية في معناها الأصيل أعني الانقطاع عن كل شيء في سبيل الله. ان يكون الإنسان متزوجا أو غير متزوج لا يهم الله. هذا وضع اختاره في الإيمان. ولكن ان يصبح فقط كائنا إلهيا هذا ما يهم الله. يجب ان تتحرر النفس المسيحية من المقارنة بين الزواج وعدمه. السؤال الوحيد هو هل نفسك قرينة الله أم تخلط معه أشياء أخرى؟ العمق في بتولية مريم انها لم تمزج شيئا بربها. المسيحية أعلى من الحديث في موضوع الجنس. هذا لا يأتي الا إضافة إلى الحديث عن انصرافك لربك.

الحديث في مريم من أدق الأحاديث عندنا. صعوبته في تجاوز العقيدة إلى العاطفة المفرطة أو في إهماله كما عند قوم. مريم جذابة وهذا في الكتاب الإلهي. بعض يخشى هذه الجاذبية ويحيد عن الكلام. وبعض تروقه فيسهب. كيف تكون محتشمًا في الحديث عن أم المسيح ولا تنقصها حقها؟ الذين تجاهلوها في العالم المسيحي ظنوا انهم متعلقون بإكرام السيد فقط ولكن من قال لهم ان يسوع يريد التوجه إليه وحده؟ الكنيسة تقول للقديسين إكرام لا عبادة ونحن عند ذلك بوضوح. أنا واثق ان أحدًا من المؤمنين مهما كان مولعا بقديس لا يعبده.

أنت تخشى عبادتهم؟ ليس الحل في ان تلغيهم. الحل في تصحيح موقف المؤمنين البسطاء وان ترشدهم إلى العدل في التقوى. هنا ارجو الا يتهم أحد اخوتنا الإنجيليين باطلا. هم يحبون القديسين مثلنا ولكن لا يتوسلون إليهم. أنا لا أعاتبهم على ذلك ولكني أرجو الا يفهموا اننا نعبدهم ونجعلهم في مصف الرب. هذا غير صحيح. أنا لا انتقص من وحدانية المسيح ومحوريته اذا كرمت أصدقاءه الذين ادعوهم قديسين. لا بد من جهد حقيقي عند كل فريق عقائدي عندنا ان يفهم الآخر كما يفهم هو نفسه لا ان يعاتبه على ما ليس يؤمن به. أنا لا أحرج المسيحي الإنجيلي حتى يتبنى إكرام القديسين في صلاته الرسمية. اتمنى فقط ان يفهم اني لا انتقص شيئا من ربوبية المسيح ان أكرمت أحباءه.

من هذا المنظار اتمنى ان يفهم اخوتنا الإنجيليون اننا لا نضيف مريم على المسيح في اعطائها قدرة تضاف على قدرته. القضية أبسط مما يظنون. إكرامنا ليس أكثر من إظهار حب لهؤلاء الذين سبقونا إلى القداسة. الاتهام اننا نؤله مريم غير مؤسس على نصوصنا المريمية. تكريم القديسين ليس شركا. هو فقط الاعتراف بأن محبتنا للسيد تستتبع محبتنا لأحبائه. هذا فيض حب لا شرك.

Continue reading