Category

2011

2011, جريدة النهار, مقالات

القائد / السبت 4 حزيران 2011

تولد قائدا ولو كنت دون العشرة من عمرك او لا تولد. تعرف انك تحمل قضية اي قدرة على التغيير والتغيير يأتي من رؤية ما يجب ان يكون اذ الكائن لا يروقك. همك ان تخلق شيئا جديدا، عالما جديدا. والمادة التي بين يديك ناس بعضهم مستنير ولكن لا يحمل القضية على عاتقه او تكون كامنة فيه وتحتاج الى من يحركها.

تحس انت انك مفوض لتحريكها من فهمك ومن ربك. تعرف انك مسؤول لأن ما تشعر به رسالة عليك ان تؤديها لأنك بت لا تطيق العالم الذي تراه وتسعى الى عالم جديد انت تؤمن انه سيتحقق بك وبالذين انضموا اليك. ستنشئ اذًا حاملين للقضية لن يصبحوا لك بالضرورة تابعين ولكنهم معتقدون لهذا الذي تؤمن انت به فتراهم نواة لهذا العالم الجديد الذي «أُنزل» عليك من حيث لا تعلم وتلمس انك غير مستقر على حال حتى تظهر تباشير الجدة في رفقائك لتطلع الحياة فياضة من إخلاصكم والمعرفة.

غير ان الرسالة الجديدة جلاؤها ذو شروط ولعل اهم شرط فيها الزهد بالأنا والتنزّه الكامل عن إغراء الزعامة فإن الزعامة شهوة وصاحب الشهوات تقوده شهواته ولا يقودها الحق. لذلك لا يمكن ان يصبح الأغنياء قادة لأنهم يحمّلون أنفسهم قضية وهم ذاهبون الى أنفسهم ويتعذر عليهم ان يتلقوا رسالة من فوق أنفسهم.

اذا كنت لا تريد شيئا من هذه الدنيا تقودها. اما اذا اشتهيتها فهي تخضعك لها وتموت بهذا الاشتهاء للقضية. فاذا تنزهت ترى نفسك تحت عبء التكليف وتقبل العبء لأنك أيقنت ان رسالتك اهم منك وانك جئت لتموت من أجلها كائنة ما كانت أشكال الموت. اذ ذاك، تراه طريقا الى الحياة التي تسطع على وجوه كل من الجماعة المحملة فرض العطاء والتي تقوى بالحب، بالتضحيات، بالتجرد عن المنافع، بالخدمة الموصولة من اجل الفهم وسكب الفهم وإفناء الأنا بالـ «نحن» الذي ليس تجمع افراد ولكنه كثافة اليقين بأن هذا العالم مدعو الى التجدد بالتطهر والبذل وذلك كل يوم حتى لا تحصل لنا إلفة مع الكسل.

ليس المهم تنظيم الحركة التي هبت في النفوس. أتتخذ شكل ندوات او حلقات ام إصدار كتب وما اليها. المهم الشعلة أعني النار الداخلية التي تصبح نورا فيك وفي من يأخذ عنك. وهذا هو الايمان الذي تنظر فيه الى الآتي كأنه واقع اذ المؤمن لا يقبل بالحاضر او الجاهز ولكنه يسير الى ما لا يراه على رجاء ان يتحقق وتتبدل احوال هذا العالم.

#   #   #

الكون مسلّم الينا. كذلك الناس. كل منا راعٍ لأخيه حتى يصبح المرعي راعيا بدوره ويتفجر النور من كل قلب.

العالم فيه ابدًا سوء وانت المستنير تعرف ذلك ولكنك ترجو ان يتغير هذا العالم الذي تعهدته بما فيك من حماسة وبما ائتمنت عليه من توكيل. وأيقظت الناس الى وكالتهم فأحسوا بدعوتهم الى الحق وان خلاصهم بالايقاظ مجتمعين على الحب والخدمة.

الدنيا دنيا خطايا. «العالم كله تحت الشرير». ولكنك ترفض انت هذا السقوط وآمنت ان الكلام الذي كلّمك الله به قادر ان ينقي هذا العالم لأنه «نور وحياة». وغالبا ما ترى ان الخطيئة متحكمة في هذا العالم ومنتشر حكمها في كل نواحي الدنيا وفي ناس كثيرين: والوسوسات التي ينفثها فيك الشيطان هي هذه: ما نفع إنهاض البشر من كبوتهم فإنهم سيسقطون والذين يجيئون من بعدهم سيسقطون ايضا. هذا هو الراهن حتي قيام الساعة.

المهم الا تستسلم انت الى الراهن، الا تيأس من تغير الناس وقلوبهم. عندما يقول داود: «قم يا الله واحكم في الأرض» كان يعرف ان الأشرار كثر وان الخطيئة حاكمة كثيرا ومع ذلك كان يفهم ان الرب قادر على تغيير الكون وعلم ان الله يخترق القلوب اذا هي شاءت اي اذا صارت حساسة لكلماته.

أصحاب الدعوات الروحية هم عينا الذين يؤمنون ان الدنيا ليست تحت حتمية المعصية وان الطهارة ممكنة وان الله ليس قهارا للقلوب. ما قال الله ان كل اهل الدنيا سيحولونها فردوسا قبل ان نتمجد معا في القيامة.

ما جاء ابدًا في تعليمنا او في اي تعليم ديني ان الإيمان على نمو المسكونة. «هل سأجد ايمانا على الأرض» (لوقا 18: 8). على كل هذا نحن مدعوون الى النضال وكأننا نرجو تغييرا شاملا لكل انسان ولكل الناس.

اذا قلنا اننا نكافح على الرجاء نريد ان هذا الرجاء ينزل علينا من الله ولا نقول ان كل البشر يريدون التوبة. ولكن الرب حبا بالخير الذي زرعه بكلامه يلهم نفوسا بنعمته عظيمة الجهاد ومثابرة على العطاء وداعية للمشاركة الروحية بين اهل المحبة والبذل حتى يتركوا للإنسانية روح العطاء يوما فيوما ويقيموا فراديس وسط الجفاف العام.

وكأن هذه البشرية تتوق دائما الى الخير على معاصيها، كأن القاتل مثلا يحن الى المرحلة التي لم يقتل فيها، كأن البشرية يحرك فيها القديسون الأمل. القداسة حلم البشر جميعا ولكن الخطيئة جذابة فتبقى الرغبة في البر حلما لا يجرؤ عليه الكثيرون. الضعف والتخاذل أقوى عند الأكثرين على ما يبدو.

في الأوساط المسيحية اذا أعلنت الكنيسة قداسة كبير من كبار البر يبتهج الكثيرون ولكن معظمهم يقول: هذا كانت له مآثر عظيمة، هذا استثنائي.

ولكن هذه العظمة ليست لي وصعب لي ان اترك ملذاتي، كأن في الشعب المسيحي خطين متوازيين لا يلتقيان الا في الحلم: خط القداسة الكثيرة وخط الاهمال الكبير لأي جهاد من اجل ما يسمونه حياة عادية. عندما يدعو واعظ الى القداسة في حدتها يقول له مؤمن عنده صلاح كثير: هل تريد مني ان أكون مسيحا كأن المسيح عنده جاء يغني اغنية البر لنفسه لا ليعلمها الناس.

المسيحية في فهم كهذا تكون جاءت لتنتهي بيسوع الناصري. ولكن ما معنى قوله: «انا معكم حتى منتهى الدهر» (متى 28: 20) ان لم تعنِ اني اريد كلا منكم ان يكون مثلي. «الاعمال التي اعملها تعملونها وتعملون اعظم منها لأني ماض الى الآب» (يوحنا 14: 12). المسيحية مسحاء والا فليست شيئا. هي شخص يسوع يريد ان يكون كل مؤمن به على صورته. وهي، قبل كل شيء، ان نؤمن بان هذ ممكن لان المسيح صادق ولأنه فعال بروحه القدوس. غير ان فاعليته تقتضي تطوعا منا له.

اظن ان اخفاق عدد من المسيحيين كبير وعدم اهليتهم للمسيح ناتج من ضعف ايمانهم بقدرة المخلص على نفوسهم وبتخاذلهم امام الشهادة والاستمرار على انجيلية ارواحهم. «قم يا الله واحكم» كل نفس من نفوسنا ليرى العالم ضياءك العظيم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

هل المسيحيون صليبيون؟ / السبت 28 أيار 2011

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانا يسميان المسيحيين صليبيين مع ان العرب ما كانوا يعرفون كلمة صليبيين ولكن كلمة فرنجة ومسيحيو هذه البلاد عندهم هم النصارى. الدمج بين قومية المسيحيين وديانتهم لم يكن اذًا واردًا. الترادف بين المسيحية والصليبية بقي في عقل أهل القاعدة قائما الى يومنا هذا مع ان السيد بن لادن الذي عاش في بيروت ما لا يقل عن خمس سنوات كان يعلم ان كنائسنا لا سلاح فيها في الأيام التي قضاها معنا والدكتور الظواهري الذي عرف الأقباط في مصر كان يعلم ان الأقباط لا يقتلون احدا وما اقتحم الصليبيون مصر ولكنهم اقتحموا بلاد الشام وامبراطورية الروم. هل خاف اولو الأمر في الحركات الأصولية او الإحيائية حقا مسيحيا واحدا في ديار العرب؟

اعرف ان الذاكرة التاريخية شرسة، حادة ولكنها ذات علاقة ولو ضعيفة بالواقع. هنا ليس عندنا شيء من هذا. لقد بين امين معلوف في كتابه عن الفتوحات الصليبية ان الذين قاموا بها كانوا متوحشين اكثر مما يتصوره عقل ولكن ما علاقتنا نحن المسيحيين الشرقيين بهؤلاء وكنا ساندنا المسلمين في تلك الحروب وذبحنا الفرنجة في القدس وقمعونا في انطاكية. ما لم يفصل المسلم في ذهنه المسيحي عن الغرب يبقى محملا المسيحي المشرقي او العربي كل خطيئات الغرب منذ فجر المسيحية حتى اليوم ويبقى هذا المسيحي، بشدة او خفة، عميلا للغرب او حليفا او متواطئا حتى قيام الساعة. والكل يعلم اننا التماسا لوحدتنا المجتمعية الكاملة مع المسلمين اوجدنا مفهوم العروبة. مرة سألني مثقف مسلم كبير: لماذا لا تبقون على أرض المسيحية ونحن على ارض الاسلام فنحتنا مفهوما مشتركا وهو العروبة.

الناس يحتاجون الى ارض مشتركة يتكلمون منها. كيف نتكلم عن الاسلام والمسيحية لنلتقي والمسلم في قراءتي له ليس له ارض الا القرآن. ما قلت في هذا ان ليس عنده حب لوطنه ولكن ما أقوله ان اللصوق بين الإسلام والوطنية قائم عنده واننا في حاجة الى اختلاق ارض محايدة نسميها الوطن مفارق للدين لكي يأتي تفاهمنا مستندا الى معطيات واحدة لا يمكن ان تأتي من الدين.

#  #

#

الوطن يأتي من هذه الدنيا وتستند اليها لتسوسه. اما الدين فوحي اي ينزل عليك من السماء ولذلك لا تستطيع ان تبني الدنيا من الآخرة. وبخاصة لا تستطيع ان تقيم البلد على المعتقد المسيحي وعلى المعتقد الإسلامي بآن لاختلافهما. لذلك اجيب هذا الصديق المسلم الذي واجهني بسؤال وجيه: نحن مضطرون الى العروبة او كنا كذلك في مطالع القرن العشرين ولاسيما اننا حلمنا بانحسار العثمانيين عن بلادنا وكان هؤلاء قد اقتربوا جدا من العصر منذ اصدروا التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولو بقيت العثمانية في آخر الحرب الأولى على حداثتها لما احتجنا الى استخدام مفهوم العروبة.

هناك سوء تفاهم بين المسيحيين والمسلمين في هذا الموضوع ناتج من التاريخ. فالاسلام في الجزيرة العربية اكتشف العروبة عند ظهوره. والارتباط قوي بينهما. والقرآن كتاب عربي كما جاء فيه. والعرب عندما اسلموا توحدوا في هذه الدنيا ازاء الفرس من جهة وازاء الروم من جهة اخرى واجتازوا القبلية التي كانوا عليها الى ملة ابراهيم أو الى الأمة التي الله مكونها وحافظها وكانت خير أمة اخرجت للناس. لذلك لا يسعك ان تطلب اليهم ان يميزوا في دنياهم بين عروبتهم وإسلامهم وتزول العروبة فقط في الآخرة.

اما المسيحيون فعند ظهورهم ما خلطوا بين دينهم ودنياهم بناء على قول معلمهم: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتوا رأوا أنفسهم رومانيين وان لا علاقة لهذا بايمانهم ولا اختلاط بين هذا المدى وذاك. لذلك كانت تسمية المسيحيين صليبيين مضحكة وجاهلة ليس عندي وصفة تدل الناس كيف يتلاقون. لن أناقش النظام العلماني في هذا المجال الآن. غير ان ما لا بد من تذكير الناس به هو ان الدول الغربية علمانية بوجوه مختلفة وانها ليست دولا مسيحية وقد لا يمارس قسم كبير من شعوبها الايمان المسيحي.

لذلك اذا اختلفت هذه مع شعوب اسلامية فليست المسيحية هي التي تختلف مع شعوب مسلمة. ويكون جاهلا من اعتقد ان حكومات الغرب تناصر مسيحيا على مسلم في مناطقنا والأغلب انها تنصر المسلم في هذه البلاد بسبب من غناه. واذا كانت دعاوة الإسلاموفوبيا Islamophobie قد انتشرت في الغرب فلا تأثير لها على سياسة الدول لأن هذه عاشقة للنفط ومشتقاته. ونصرة الغرب للأنظمة العربية القائمة او نصرتها للمحتجين او الثوار كلها جزء من المصلحة الغربية او جزء من العداء القائم بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة اخرى. اين الصليبية في هذا؟

الى هذا ماذا يفسر لك قتل المسيحيين العراقيين والمصريين ولا غبار على وطنيتهم؟ لا يقنعني احد بقوله ان القضية هنا وهناك سياسية. الفريق المسيحي العراقي والفريق المسيحي المصري لاعلاقة لهما بالسياسة. من يربي العرب لكي لا يقتلوا من كان على دين آخر. هل الآخر موجود في كليته، في آخريته، في اختلافه، في مقاومته الفكرية؟ هل بقيت العروبة أرضًا مشتركة نقف عليها من اجل الحب؟ تزعجني هذه العبارة: الإسلام براء من هذا السلوك. المواطن لا يهمه درس الأديان. يهمه الا يقتله انسان آخر، الا يذهب ضحية التمازج بين الدين والدنيا، الا يسود الأوطان دعاة دين واحد وان كانوا كثرا من هذه الديانة او تلك.

نريد السلام. الله هو السلام. المهم ان ينزل هذا على سلوكنا اليومي وان يصير في كل منا محبة مسكوبة بلا حدود.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

أين نحن من الحقيقة؟ / السبت 21 أيار 2011

لما سقطت الشيوعية أحست الولايات المتحدة ان العالم في حاجة الى قطب آخر تعاديه واحتسب ان هذا القطب يمكن ان يكون الإسلام فوطدت علاقاتها بدول إسلامية وانشأت حركات اسلامية موالية لها ولكنها ظنت ان الموالاة تدوم وبينت الأحداث سرعة التغير عند الأصدقاء في الحيز السياسي.

أهملت هنا ذكر الشخصيات الكبرى في العالم العربي الذين صادقوا الإدارة الاميركية واسماؤهم نشرتها هذه الإدارة في كتاب مطبوع. ان التحول الذي حدث عند أسامة بن لادن نموذج فقط عن سلوك مألوف. من هنا لا يسوغ ان نستغرب عنف الأصدقاء الذين يصيرون اعداء. لا شيء يكفي المقربين اذا طرأ عليهم ما يجعلهم غرباء عن الإخلاص الاول.

ليست غاية هذه العجالة ان افسر عداء اسلاميا لأميركا هي لغتها هذا العداء. ما اود ان اؤكده هنا ان ما يسمى عنفا ليس حكرا على احد في أطوار التاريخ. العنف له ظروفه وينتقل من جماعة الى جماعة. فقد مارس مسيحيو الغرب العنف او الظلم الاجتماعي بحق اليهود حتى الثورة الفرنسية. ومارسوه بحق المسلمين في محاكم التفتيش قانونيا حتى طُرد او هُجر المسلمون من الأندلس في آخر القرن الخامس عشر واضطهد الأرثوذكس الروسيون المسيحيين المؤمنين القدماء الذين انشقوا عن الكنيسة الروسية. وللمسلمين انفسهم لا لي ان يفحصوا اذا كان تاريخهم مجيدا دائما من هذه الزاوية.

ما اؤكده مؤقتا ان المذابح ذات الطابع الديني قامت بخاصة في اوساط ديانات التوحيد بمعنى ان الذين لا يعبدون الإله الأحد لم يقوموا بمجازر الا اذا استثنينا احيانا قتل الهندوس للمسلمين.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو هل من علاقة في عملية العنف بين المؤمنين في كل دين وكتبهم المقدسة ام نستطيع ان نفصل بين الكتب وأتباعها؟ السؤال صعب جدا وكل مجزرة يجب ان تُدرَس على حدة. ربما كانت اسباب سياسية بحتة. ما من شك انه طرأت في الهند احيانا اعتبارات انتخابية.

#   #

#

ما يثير هذا السؤال في ذهني هو لماذا تمر اجيال ولا يصطدم اهل هذا الدين بذاك والكتب المقدسة واحدة. السؤال المتفرع هو هل ان النصوص التي تبدو عدائية او هي كذلك لا تولد عداء فعليا والنصوص الهادئة السلامية الحاملة بذار المحبة لا تنشئ سلوكا محبا؟

الصدق والمنهج العلمي يفرضان علينا ان نبحث في الرباط بين النص والمسلك. هل كان هناك رباط حتى لا نسترسل بالقول المتسرع ان هذا الدين او اذاك كله محبة وسلام وسماحة لتنزع عنه نوازع غذت الفريق المعتدي. الإنسان يأتي من النصوص الهاما في كثرة من الأحايين ولا يأتي احيانا ولا يسوغ ان نسقط على الدين سلوك ابنائه دائما وبالضرورة قبل ان نفتش عن الأسباب المجتمعية والسياسية التي قد تفسر الحادث.

المجموعة العنيفة تأتي أو لا تأتي من المصادر المكتوبة ولكنه يكون نوعا من الفصام ان نقول ان هذه المجموعة تأتي من العدم العقدي او من جهلها للمصادر وان ما تم قد تم صدفة بسبب من انفعالات طارئة. ليس في حياة الشعوب من طارئ. ان تقول مثلا ان المسيحية كلها محبة وان المسيحيين القتلة في هذا الحادث لم يستلهموا المسيحية لا يفسر شيئا. ان نقول في حالة قتل قام به مسلمون الاسلام براء من هؤلاء لا يفسر شيئا. هذان الموقفان تفرّج على الدم. لذلك تبقى التربية الدينية وقبلها يجيء اللاهوت. ماذا تقول المسيحية في مناهلها وتاريخها سيء جدا باعتباره مليء بالدم. ماذا يقول الاسلام في تاريخه وتاريخه فيه بعض قتل.

لكون اهل الديانات التوحيدية ارتكبوا ولأن بعض المرتكبين ما كانوا اغبياء لا بد ان نفحص ما اذا كان هذا الدين او ذاك فيه بذور من العنف او فيه عنف واضح وهذا لا يصير الا بتفسير أي قَرّاء عليم الى اي دين انتمى. لأن الدين لغة. انا مثلا لا يذهلني ان عالما يابانيا يعلم العهد الجديد ولست أذكر ان كان بوذيا او شنتويا وله ان يفهم العهد الجديد كما يفهمه اي عالم مسيحي. الإنجيل نصوص تعرب. والقرآن تصوص تعرب. لويس ماسينيون في ايام دراستي في باريس اي في مطلع الخمسينات اعطى خلال سنتين تفسير سورة البقرة ولم يتهمه احد بالجهل او التحامل وكان يتبع تعليمه طلاب مسلمون.

التفسير لكل النصوص التأسيسية في كل ديانة تفسير تاريخي. لأن النصوص قد قيلت لناس عاشوا في زمن معين. وما كان مرتبطا عضويا في زمن لا يؤخذ معناه كاملا من الزمن المحدد. لذلك هناك مرونة في التفسير لا ترتبط فقط باللغة. المعنى المطلق هو في الله. لذلك ليست اللغة مطلقة. ان لم يكن عند المفسر حس تاريخي يعسر عليه جدا ان يلهمك اليوم عمق المعنى الإلهي. معنى ذلك ان ما أجيز في فترة من الزمن قد لا يجوز في فترة أخرى.

هناك اذًا تفهّم للنص الديني كما تفهم اي نص آخر في أدبيات العالم.

الى هذا كل ديانة لها روحها اي منهجها الفكري العام ولها تراثها وحيويتها والأقدمون فيها. من هذا المنظار ليست الديانات واحدة. ظروف انكشافها وتلقيها وأبعادها الفكرية ليست واحدة ولا معنى للقول انها تختلف بالأحكام فقط. فهناك المسيحية التي ليس فيها نظم شرعية ولا أحكام. هي شيء آخر عن كل منظومة دينية. هناك تقارب مع انظومات اخرى. ولكنها قائمة في ذاتها. هكذا الإسلام قائم بذاته وله روحيته وحركيته وتراثه وعمقه. والفروق بينه وبين اية ديانة اخرى ليست قليلة. ولكن القلوب والعقول النيرة تجعلك تتبيّن حقيقته من ذاته بلا تشبيه بغيره. المهمة تبقى كيف تكشف الحب فيه وانسانيته وسموه لا تجعله مندمجا بالمسيحية او اليهودية ولكن لتذوقه من صميمه وتتركز على ما يدعو فيه الى المحبة وتتركز بالطريقة نفسها على المسيحية لتحس بتجلياتها  وقدرتها على صنع قلوب طيبة تستطيب كل بهاء خارج حدودها.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

مملكة المسيح / السبت 14 أيار 2011

الحوار بين السيد وبيلاطس درامي للغاية. بناءً على اتهامات اليهود سأل الوالي يسوع الناصري: أأنت ملك اليهود. لم يكن الحاكم مهتمًا للتهمة لأنها لا تهزّ عرش قيصر. تهمة لا توصل الى إعدام المخلص. الوالي، قاضيا، قال له أخيرا: ماذا فعلت؟ أجاب يسوع: «مملكتي ليست من هذا العالم». مصدرها ليس الأرض. مع ذلك اؤكّد اني ملك. وظيفتي تنحصر في هذا: «انا ما ولدت وأتيت العالم الا لأشهد للحق. فكل من كان من الحق يصغي الى صوتي».

في كل أمّة وفي الانسانية جمعاء انسان او بضعة أناس ليست وظيفتهم ان يحكموا اي ان يتعاطوا السياسة ولكن ان يشهدوا للحق. قال الناصري مرة: «من أجلهم (أي التلاميذ) أقدس ذاتي وهي تعني في الأصل اللغوي للكلمة اني مخصص لله او متخصص بشأن الله على صورته يقول المؤمن اي لي لغته لأنه نزل اليّ وساكنني لأني تواضعت امامه واما اذا بنيت لي برجا كما في بابل قديما لأصعد الى الله بقوتي مع بعض المستكبرين فإنه يهدم البرج ويبلبل ألسنتنا ومعناها انه يجعل في كل انسان نعاني تختلف عن المعاني الأخرى وليس لله مكانة في هذه اللغات ولا يملك الله علينا لأنه لم يبقَ هو ملك الألسنة كلها ولا هو الوحيد في القلب البشري فصار لكل انسان قلب اي بات القلب وكرا للأفاعي وتمزقت الأفاعي في القتال فيما بينها وصارت لهم ممالك كلها من الأرض وفي اللبنانية مزارع وبطلت الأنا ان تصير نحن. الأرض لا تنبت لله مملكة. لذلك قال يسوع النازل هو وكلماته من السماء لممثل روما الأرضية «مملكتي ليست من هذا العالم».

أنا والعالم ليس لنا لسان واحد الا اذا رأى هذا العالم انه مدعو ان يكون -على مداه- ملكا للسماء او سماء.

ربما كانت قلّة تعي انها جاءت لتشهد للحق وان لسانها لسان الحق فقط وربما لا تعي ان وسائل التخاطب عندها رسائل الحق بمعنى انها جاءت لتقدس ذاتها حتى اندماج لغتها بلغة الله، الأمر الذي يجعلها قائمة على قداسة الحق.

اعتقد ان كلام المسيح لبيلاطس «مملكتي ليست من هذا العالم» تعني ان الناصري جاء بلغة جديدة، بالكلمة وان عليك انت ان تتبعها وتتبناها لأنك ان لم تفعل لا تكون قد قبلت التغيير الكامل للتكوين البشري وانك تستعير فقط مصطلحات من كلام الناصري وقناعتك لا تأتي من حيزه في الحقيقة وتظن انها منه لأن لك دورا مجتمعيا او مكانة او نفوذا تبيح لك ان تكون مملكتك من هذا العالم ومكونة منه لتكون على حكمة هذا العالم وحذقه وتستمتع بذكائك الذي هو من هذا العالم وتحسب انه لك من الله لكون الله مصدر الذكاء.

#   #   #

وقبل ان يقول يسوع: «مملكتي ليست من هذا العالم» فكر بانتماء تلاميذه الى مملكته «ليسوا من العالم كما اني لست من العالم كرّسهم بالحق». ما هم عنه مسؤولون ان يشهدوا للحق لا ان يعملوا سياسة كما هيرودس والأحبار وبيلاطس. ان يشهدوا للحق هو ان يمتلئوا قداسة اي الا يكون فيهم غير لاهوت الله ولا على لسانهم الا ما جاء من الكلمة الذي كان من البدء اي قبل الكون وقبل سياسته.

«كما ارسلتني الى العالم فكذلك انا ارسلهم الى العالم» اي كما اني لست اقول شيئا من ذاتي اذ أخذت كل شيء منك كذلك لن يقولوا شيئا من ذاتهم ولكن مما أخذوه مني. ليس اهم هوية من ذاتهم. هم انا في اجتهادهم الأعلى وكأنهم من الأزل مثلي كما اني انا وانت قبل الأزل معا.

#…#   #

مع ذلك يقر بولس الرسول ان في هذا العالم حكمة ومنها حكمة الكلام غير انه يوضح ان العالم لم يعرف الله بالحكمة البشرية لأن المسيح «قوة الله وحكمة الله». هل يعني هذا ان ليس بين الحكمتين حوار وان لغة الإنسان الساقط سيبقى الى الأبد تباين بينها وبين لغة الله وان ثمة القديسين مفصولون عن الأثمة؟ السؤال صعب للغاية: ولكن اذا تبينا ان كلام الله هو سلطانه في العالم وان حقيقته هي الحقيقة فما من تسوية ممكنة بين الموقف الإلهي والموقف البشري الساقط في معظم الأحوال.

الإغراء الكبير ان تجعل كلمة الإنسان بديلة عن كلمة الله وهذه هي التسوية او هذا هو النزول من المستوى الفوقي الى ما هو تحت بحيث تستعير المنطق البشري لتغلف به المنطق الإلهي او تخفيه وتقنع نفسك بأنك حكيم وبأنك محب وانك تعمل كل هذا لمصلحة البشر.

ويسير منطق الحاصلين على حكمة الدهر هكذا. هكذا هم البشر وهذا ما يفهمون فلننزل اليهم. وتصير المسيرة في الواقع انك تتبنى حكمة هذا العالم حاسبا نفسك خادمًا للحقيقة. هذا هو الوهم الكبير فبرج بابل قد سقط وتبلبلت الألسنة وصرت انت من أهل الأرض وغطى ترابها القليل من النور الذي كان لا يزال فيك.

أما كيف تستخدم عبارات هذا العالم وأساليبه وزواريبه لتجعل الله ناطقا فيها فهذا عمل النعمة فيك وثمر السهر الدائم على طهارة موقفك. ان تكون بشرًا تائقًا الى الألوهة في كل التزام لك لتقديس اخوتك بالحق غير حاسب لنفسك اجرا وغير مجمل وجهك يجعلك متمكنا من حكمة هذا العالم غير خاضع لها.

كيف يتغيّر عالم الإثم؟ لا يتغير بفرط الذكاء وكثرة الأذكياء الذين حبل بهم بالإثم وولدوا ونشأوا في الخطيئة. يغيره الذين يجلدون أنفسهم بكلمات الحق كل يوم حتى لا تنثني الخطايا في جلودهم. فيكونون شهودًا للحق اي ليس من فاصل بينهم وبين الحق. العالم يخلص بقليل من الذكاء وكثير من الحق، الفقراء دائما الى بهاء القديسين حتى يتجلى الرب في الأكثرين فيدخلون مملكته الى مملكة هذا العالم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الهدية / الجمعة 6 أيّار 2011

احذر الهدية ان كنت تخشى إغراء تبطنه ورحب بها ان أحسست ان المهدي يريد منها محبة او صداقة. من كانت لك معه معاملات ذات طابع تجاري يبغي مما يعطيك ان تسهل المعاملة حتى تتجاوز حدود القانون. حيثما تظهر الفائدة او تتوقع حدوثها يكون الشيطان صاحبها وتتعطل سلامة العلاقة وطهارة طابعها. هناك دائما ضغط على قرارك ان لاح لك في الأفق مال تجنيه وقبول لتشيئتك اي لإبطال العنصر الوجداني القائم في كل صلة وإبداله بعنصر لا تواصل فيه بين ذات وذات. قمة ذلك الرشوة التي هي تحكم الأقوى ماليا بقرارك او استعبادك لما يريده آخر فاذا بك تؤثر علاقة شيئية على علاقة حريتين.

المال اصلا من أقوى ما في الوجود لإلغاء الحرية اذ رآه المسيح ربا يعبَد اي يستعبِد وتبيد في سبيله حريتك. بهذا يفترق هذا الرب عن الرب الحقيقي. ان هذا الأخير يحررك بالحق وذاك المعبود لا حق فيه. فاذا قبضت المال الحرام تقبل تسليم حريتك لآخر وتكون قد أعلنت للخالق ان كلمته لا تسير حياتك اذ سفكت حياتك الحقيقية. لهذا أعلن ما انفقه عليك سيدا على قلبك وقابضا على روحك.

ما يقلقك حقا في كلام المسيح انك لا تستطيع ان تهرب منه مهما اخترت من مزاريب. فإما ان تعبد خالق الكون ومطهر نفسك من الدنس او لا تعبده. واذا ظننت انك قادر ان تجمع اندفاعك الى المال الى اندفاعك الى الله بواسطة بعض طقوس تمارسها تكون قد بلغت قمة الضلال. هنا الاختيار القطعي يفرض نفسه.

#   #

#

دائما الخطيئة تتلبس المبررات اذ تزكي نفسها اذ بقي عند الإنسان الخوف من هذا الإله الذي يعاقب او يخيف كالفزاعة ويأبى الإنسان ان يمحى كليا من الوجود. مبررات الرشوة كثيرة عند الموظف الصغير والمسؤول الكبير ولكن ليس هذا موضوعنا اليوم.

موضوعنا الهدية المالية اللاحقة للعمل. هذا الذي يخولها لنفسه بعد العمل إغراؤه ان يشترط عليك مبلغا من المال قبل الشروع بالتفاهم. ممكن ان تنشأ الرشوة هكذا. تتعلمها من سقوطك بالهدية غير المشروع وتسقط في ديانة اسمها عبادة المال فيما انت تلهو بديانتك الموروثة التي تصبح في عيني الله لا شيء.

#    #

#

الى هذا الهدية المختلفة وراء الصداقة. كثيرا ما قامت اي كثيرا ما كانت صادقة ودائمة للمحبة ولكن على الانسان ان يتفحص قلبه قبل اعطائها. هل هو منزه كليا في العطاء عن كل ضعف. ادعو هذا الى اليقظة ولست ادعو الى الغاء التواصل بالهدايا. احيانا من اهدي اليه شيء يجب ان يتحصن عند ضعف ممكن ظهوره فيه تجاه من أهدى.

هنا يدخل موضوع حجم الهدية. بين المثقفين معروف اهداء كتاب او ما له علاقة بالفكر. والمتعارف عليها هدايا الأعراس ولكن كثيرا ما يقتنع المعطي انه يتقبل ما يبادلها في حال اقام عرسا لأحد ابنائه اي ليس هناك صداقة كاملة او غير مخروقة ولكن هناك شك في صدق الإهداء لشيء ثمين جدا ما لم تكن هناك محبة جارفة او نسابة منفوخة بالثرى. فقط شيء كوقف لمؤسسة دينية او خيرية او مجلس بلدي يمكن اعتباره عملا لمجد الله. اما اذا دعمنا علاقة شخصية بعطاء مالي كبير فالشك فيه كثير.

في الحياة العائلية خطر الهدية كبير. الآباء يهدون ابناءهم وبناتهم غالبا بصورة مرضية ولكن احيانا لتأكيد عاطفة مشكوك بها. غير ان هذا بسيط مقابل الإهداء الزوجي. العائلة لو كانت قائمة على المحبة الزوجية تصير سعادة قصوى. ولكن اذا سادها التوتر ممكن ان تصير شبه مصح لا شفاء فيه فيبدأ التعامل النفعي فتبيع المرأة دلعا تشتري به فساتين فيطغى هذا النوع من التجارة ليغطي خللا يتحكم كثيرا الى ان ينزل الله نفسه ليحكم العائلة. قبل هذا تنقضي الحياة البادية مشتركة على هذا اللون من التجارة.

#   #

#

ليس لكوننا نخشى سوء الاستعمال للهدية يجب الغاؤها في اي مجال من مجالات الحياة اذ يحيي الإنسان ان يرى نفسه محبوبا ومفتقدا. من ابهى مشاعر الانسان ان يحس بأنه محضون من يهتم له في صدق ويبدي الوحدة بينهما. هكذا نقتنع ان المحبة التي سكبها الله فينا بالروح القدس لا تزال حية، فاعلة. اما التفسير المشوه للمشاعر العاطفية فقد يحصل ولكن نشفيه بالحس الطيب الذي هو دواء الوجود.

اعطوا دائما بكرم غير منتظرين شكرا ولا مبادلة شعور. قد يساء فهمكم وقد يبتزكم بعض. لا تقيموا وزنا لهذه. المحبة التي نشأت فيكم تكفيكم لتحيوا ويحيا بكم الآخرون. انتبهوا الا تلطخوا انفسكم بالتماس المودات. حسن اذا وجدت من نفسها، في مجانيتها ولكن اعرفوا اننا في الحب مجانيون دائما ابدا. ابطلوا الأخطاء التي قد ترافق الاهداء ولكن ثابروا على الأحسن لتظل نفوسكم بلا جفاف.

التبادل في الله، من اجل الله ينبوع للحياة. لا تخشوا العطاء الذي تعرفون انه منبثق من إلهام إلهي. تكونون قد أهديتم الله نفسه كما قدم المجوس هداياهم لطفل بيت لحم غير متوقعين الا الرضاء الإلهي.

وكما انتم مقدسون بالدعاء تقدسوا بالهدية المباركة التي تقدمونها للرب بواسطة الإنسان. من تحبونه جسركم الى الله.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

توما رسول الشك واليقين / السبت 30 نيسان 2011

يسمى الأحد غدا أحد توما في كنيستي ووضحت مشكلته في القراءة الإنجيلية. وقبل ان أذكر المقول عنه في انجيل يوحنا رأيت أن الكلام على بساطة الرسل فيه شيء من الأسطورة. وهذا وارد في الأدب الديني العام ليقال ان الله يعلم الناس العلم وانهم ما كانوا منه على شيء.

بادئ بدء لم يكن من يهودي لم يدرس الكتاب المقدس في مقامات مختلفة من العلم أقله في ما نسميه نحن «الكتاتيب». ثم لم يظهر العهد الجديد على ان تلاميذ يسوع كانوا جهلة ولو صيادين فاذا قال بطرس الرسول للسيد «انت المسيح ابن الله الحي» كان على الأقل يفهم كلمة المسيح وهي من اللاهوت اليهودي المعاصر وكذلك عبارة «ابن الله» كان في نطقه بهذا إلهام لم يعن هذا ان العقل كان خارجا عن الإلهام.

وتوا بعد هذا كان بين الرسول والمعلّم اختلاف حول موته. وعلى مد الإنجيل كله ما بدا الرسل على انهم كانوا سريعي التصديق ولا شيء بدا على انهم كانوا يؤمنون برسالته بمعناها الروحي وبقوا بعد القيامة ظانين انه سيعيد الملك لاسرائيل. هذا الالتباس بينه وبينهم حول طبيعة رسالته يدلّ على انهم لم يكونوا سذجة.

الى هذا لم يقم دليل على ان الاثني عشر كانوا على مستوى من المعرفة واحد. اولا لم يكونوا كلهم صيادين. متى كان رئيسا بين الجباة ما كان يعني انه كان عالما بالمحاسبة واذا قرأنا انجيله نرى انه مكتظ بمعرفته للعهد القديم وهذا لا يعني انه عرف ذلك فيما بعد موت السيد فقط.

على هذه الخلفية أريد ان اقرأ وضع توما في علاقته مع المعلم قبل القيامة. انجيل يوحنا يذكره غير مرة وفي سرد بعث اليعازر نلمس ايمانه. ماذا حدث بعد هذا؟

يقول النص الذي يلي القيامة انهم كانوا مجتمعين خوفا من اليهود، اذ لا يكفي المجرمين ان يقتلوا رئيس العشيرة. يجب ان يباد اسمه بإبادة انصاره ان امكن او بعض منهم. جاء، عند ذاك، يسوع ووقف في الوسط وأعطاهم سلام القيامة. وبعد هذا أراهم يديه وجنبه. الايمان ليس اعتباطيا. ليس خيالا. كان ينبغي ان يشاهدوا الانسان نفسه الذي شاهدوه على الخشبة. لا يمكن ان يصدق الناس خيالا. كان يجب ان يكشف لهم انهم ليسوا امام خيال يمكن ان ينتجه الخوف الجماعي. كان لا بد لهم من رؤية عيونهم لمواضع من هذا الجسم يمكن لمسها. اكتفوا بالعيون. وهي قالت لهم انهم رأوا الرب. ما يدعم تصديقي لكلام الانجيل ان الاثني عشر لم يكونوا بسطاء. احاديث كثيرة بينه وبينهم دلت غير مرة انهم لم يكونوا سذجة. السؤال الكبير قد يكون لماذا اختار صيادين للقيام بالرسالة معه. الجواب البديهي هو انهم كانوا من منطقته. من راجع خريطة بحيرة طبرية والبلدات الصغرى التي حولها يعرف ان بطرس واندراوس ويوحنا ويعقوب ابني زبدى كانوا من تلك القرى.

الى هذا هذه رسالة قلوب وحنان وإشفاق على المرضى ورسالة من فقراء الى فقراء. ببساطة كلية لم يفتش يسوع في الجليل عن علماء العهد القديم والإنجيل يقول ان الكثير من هؤلاء كانوا مستكبرين ومرائين. لم تكن أدمغتهم مفتوحة على قلوبهم ليتقبلوا منها الحب. كان الناصري عارفا بقدرته على تفجير الحب من قلوب اهل الصناعات الصغرى ومن اولئك القادرين ان يأكلوا خبز الفقراء.

كان ظهوره في قاعة اظن انها كانت تخص احد أصحاب التلاميذ اذ ما كانوا يملكون بيتا في اورشليم. رأوه لما تراءى لهم فيه مساء يوم القيامة. عند حضوره وبعد تعرفهم اياه نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس. هل هذه هي العنصرة التي يعبر عنها انجيل يوحنا؟ انتصار يسوع على الموت ترجمته ليس فقط ظهورات لأصدقائه وهي احدى عشرة ولكن ترجمة الغلبة قدرة التلاميذ على حل الخطايا للناس اي نقلهم بالتوبة الى عهد جديد. لعل الجدة الكبيرة في العهد الجديد قوة المسيح على غفران الخطايا اذ كان هذا الغفران مجهولا بالكلية في العهد القديم. لم يقم نبي ولا معلم في اسرائيل مرة بالغفران للناس.

عند هذا الترائي الأول لم يكن توما معهم. فلما حضر قال له التلاميذ قد رأينا الرب. فقال: «ان لم ابصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في اثر المسامير واضع يدي في جنبه لا اؤمن«. بالذهنية المعاصرة نقول هذه روح نقدية يقدرها كل من كان له عقلية حديثة. حادثة جرت هي القيامة ويجب امتحان الرؤية. هل هذا الذي تقولون انه السيد هو حقا الذي شاهده بعضنا معلقا على الخشبة وشاهده آخرون دفينا. انا لا أريد ان أكون ضحية تخيل. يجب اثبات القيامة. توما التي ودت يده التفتيش وبخه المخلص وقال له: »هات اصبعك الى هنا وابصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا».

لا شيء يدل على ان الرسول لمس ما قال انه يود لمسه. رأى النور على وجه السيد ويديه وعينيه وثيابه. شاهد في عيني القلب ما كان يتمناه فاعترف فورا بقوله: «ربي وإلهي». الربوبية والألوهة بدتا له مما هو فوق المدرك وعاد الى حبه الأول.

ولكن كيف لم يكن مؤمنا اذا أصر على الرؤية؟ لم يكن مؤمنا بشهادة الرسل الذين شاهدوا سمات الآلام. لا نحتاج الا لكلام الذين لازموا السيد. في كل جيل كلامهم كلام الروح القدس.

اهمية توما الاولى انه ما اراد ان يتخلى عن عقله. اهميته الثانية انه اقتبل نور المسيح. رؤيته كانت عنده مصدر القناعة. والرؤية يعطيها صاحبها ولا تحتاج الى المحسوس.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

القيامة / السبت 23 نيسان 2011

غدًا نقيم ذكرى لحادثة القيامة ونسعى الى معناها. الحادثة ان يسوع الناصري قام من بين الأموات وتغلب على الموت حسب منطوق النشيد الفصحي في كنيستنا «ووطئ الموت بالموت».

اما الحادثة فقد اهتم لتبيانها الذين كتبوا العهد الجديد بسبب صعوبة تصديقها وبسبب اعتبارهم انها اساس الايمان المسيحي. فإن لم تكن لا يكون الإيمان وتكون البشارة بالمسيح كلها باطلة. المسألة ان القيامة واقعة ولكن يجب إثباتها كواقعة. هذا من جهة ومن جهة ثانية هي صُلب الايمان. عندنا اذًا وجهان لهذه القضية. الوجه الاول شهادة الشهود لظهورات المسيح والوجه الثاني اليقين بالإيمان.

اما ان الأمر هو لب الإيمان المسيحي فيأخذ به بولس الرسول لأنه اول من كتب في المسيحية بمعنى أن هذه القيامة التي علّم عنها انما أخذها من الأوائل ولم يفرق بين الحادثة ومعناها ووضع لاهوتا يختزل بهذه الكلمات: «إن كان المسيح يُكرز به انه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم ليس قيامة اموات». ما يدعم اذًا الاعتقاد بالقيامة قول الرسول «دُفن وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وانه ظهر لبطرس ثم للرسل الاثني عشر، ثم ظهر لأكثر من خمس مئة أخ معا لا يزال معظمهم حيا وبعضهم ماتوا، ثم ظهر ليعقوب، ثم لجميع الرسل حتى ظهر لي آخرا أنا أيضا كأني سقط» (1كورنثوس 15: 4-8).

إلى هذا الايضاح، عندنا شهود عيان لموته وبقوا شهودا عيانا لظهوراته من بعد القيامة بمعنى أنهم عرفوا أن هذا الذي تراءى لهم هو إياه الذي عُلّق على الخشبة وهؤلاء هم مريم المجدلية، وحاملات الطيب، وسمعان بطرس، وتلميذا عمواس، والرسل المجتمعون في غياب توما ثم في حضوره، وبعض الرسل على بحيرة طبرية، والرسل في الجليل، وإليهم ايضا عند صعوده الى السماء. وهذه الظهورات هي إحدى عشرة نقرأ عن واحدة منها كل أحد في الكنيسة الارثوذكسية.

سرد هذه الظهورات يدلّ على الروح النقدية عند الرسل. وظاهر لي في هذا السرد أن الرسل كانوا متحررين من كل عقلية شعبية متهوّرة. كانوا بعيدين عن كل تصديق متسرع متهيّج.

ان رفض توما في البداءة للقيامة يدلّ على انه كان على روح نقدية كبيرة وأنه لم يؤخذ بكلام التلاميذ. في الأسبوع اللاحق تراءى لهم ومعهم توما.

#   #

#

غير أن العيد لا ينحصر في أن يكون خروج الناصري من القبر وهو مغارة وليس حفرة ترابية. العيد تعبير عن كل الخلاص الذي أُوتيناه منذ تجسد ابن الله وبخاصة الذي نلناه من الصليب. فقبل لحظة الصلب قال يسوع «قد أُكملَ» أي اني أَتممت ما كلّفني الآب به وحقّقت كل كلمة من الأنبياء. ولنا نحن أن نفهم أن كل جليل وطاهر وحق من بعد يسوع إنما نحن مدينون به له أي ان كمال الفكر والنتاج العقلي والفنّيّ وانتصار الإنسان المظلوم كلها استمدّت إلهامها من حياة يسوع وأقواله. من هذه الزاوية نرجو في هذا اليوم قيامة من التعب الشخصي والسقوط ونطلب التطلعات الى السماء. من ناحية العقيدة عندنا بالفصح وعد أننا سنقوم في اليوم الأخير. لقد ظهر في المسيح كمال الله. قيامة المخلّص تُنبئنا بأن دعوة يسوع لنا أن «كونوا كاملين».

العيد هو الخلاص من كل انواع الموت في حياتنا الشخصية وحياة الذين حولنا ومن نخدمهم. هو حدث مستمر فينا الى أن ينتهي الدهر. ولذلك يمتد عيد القيامة من يوم الجمعة العظيم الى صباح العيد. هذه الثلاثية اذا دخلت إلينا بقوة كل يوم فيها نكون قد أقمنا العيد ووعدنا بأن كل أيام حياتنا تكون فصحا أبديا. الفرح عندنا مؤسّس في انتصار يسوع ولسنا نستقبل بهجة في هذا اليوم وحزنا في ذاك. «افرحوا ايضا في كل حين وايضا أقول افرحوا». لذلك اذا قال بعض الناس اننا نتألم مع المسيح لا نريد أن وجع الجسد او النفس أفضل من السلامة. لنا أن نتقبّل الآلام على أنها أحيانا وجه من وجوه السلامة الداخلية. اذا كانت السماء في الأخير هي انتصارنا على الخطيئة والموت فنحن فيها، واذا انسكبت السماء علينا في حياتنا اليومية فنكون قوما فصحيين، ولنا أن نُنشد عند ذاك: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت».

لذلك لا حقيقة في ما قيل لي يوما: «المسيحية ديانة مأسويّة». قلت لهذا الذي كلّمني بهذا الكلام: المأساة بمعناه اليوناني أن تكون سجين غرفة مغلقة. نحن على الأقل ليس فوقنا سقف. ليس فوق رؤوسنا الا السقف السماوي. نحن خرجنا من كل السجون الى «حرية أبناء الله». لذلك نحت أحد قديسينا مؤخرا تحيةً كان يقولها لكل صديق التقاه: «يا فرحي، المسيح قام».

هذه كلمة أُسلّم بها على كل من قرأني بين اليوم والغد حتى يزول الحزن عن هذا الوجود.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الدخول إلى أورشليم / السبت 16 نيسان 2011

صعد يسوع من الجليل الى أورشليم قاتلة الأنبياء. هناك كان ينبغي له ان يموت حسبما أُعدّ له. استقبله أنصاره. وهللوا له بكلمات الكتاب. ارتضى موته. «انا ان ارتفعت عن الأرض أجذب اليّ الجميع». سيؤمنون به بعد قتله لأنه بث روحه منذ لحظة موته فيهم.

في فترة انتظار الموت علم كثيرا وعلم بكثافة. التعليم عنده أخذ شكل عمل لما غسل أرجل التلاميذ اثناء العشاء الأخير. لم يشر إنجيل يوحنا الى طبيعة العشاء لكنه قال «لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليل». ليل في الخارج، ليل في قلبه. عتمة الكون كلها لقت يهوذا العارف المسيح اذا خانه يصبح لا شيء في الظلام.

أبقى في الانجيل الرابع مع يوحنا محاولا رفض الليل في الأسبوع العظيم الآتي الينا وقارئا خطبة الوداع لألتصق بها وأخرج من الدينونة والا اساق قبلها الى المحاكمة. لذلك استهلّ الخطبة بقوله: «لا تضطرب قلوبكم… آمنوا بي… انا هو الطريق والحق والحياة». اي انا طريقكم الى الآب ولكنكم لستم تسمعون بحق تعليم كلام وتنظيرا شخصيًا انا الحق والحياة التي يسكبها الآب فيكم. ليس الحق فوق كلامي او امتحان كلامي اذا قبلتني تقبل قلب الله الحقيقة ليست واقفة مقابل الله. هي فيه ولا تقابله. ولكن كل هذا يقتضي موتي لأن العالم لا يعرف اندماج شوقي اليكم وشوقكم اليّ الا بموتي. واذا قمت بعد هذا من بين الأموات يموت الموت.

بعد هذا قال: «لا احد يأتي الى الآب الا بي». أي ان من يعرفني اكشف له روح الله وأفعاله وصفاته وقواه فهذا معناه انه يرى الآب اذ لا يمكن احدا ان يرى الآب مباشرة ويحيا ولما نسي فيليبس هذا قال: «يا سيد أرنا الآب وكفانا قال له السيد: «الذي رآني فقد رأى الآب» ما الاب الا المحبة وفق قول يوحنا الحبيب: «الله محبة» وقال القديسون: «المحبة هنا ليست اسما أو صفة. هي جوهر الله نفسه». وأفعال الله المذكورة وغير المذكورة في الكتاب أي الأفعال المنسوبة الى الرب تممها المسيح في الجسد وليس من عمل إلهي يختلف في طبيعته وعمقه عن عمل المسيح ولهذا استطاع ان يقول من رآني فقد رأى الآب وحتى لا يتوهم الناس ان ثمة أعمالا تختلف عن اعمال الآب أو بين اعمال هذا وأعمال الابن هوة قال: «صدقوني اني في الآب والآب فيّ» ولا يمكن ان يكون يسوع في الآب لو كان الآب أعلى منه او أقدم.

#   #   #

كيف تتصاعد فوق هذا الكلام: «اني انا في ابي وأنتم فيّ وانا فيكم». هنا ينزل محبة الله لذاته الى محبته للبشر ويصعد محبة البشر الى فوق وتأخذ كل قوتها بأنها تبقى فوق ولو نزلت: «والذي يحبني يحبه ابي وانا احبه وأظهر له ذاتي». لا يبقى فرق بين المحبة النازلة وتلك القائمة فوق او بين حب الله للانسان وتلقي الانسان لهذه المحبة.

ثنائية الكيانين اعني المسيح وشعبه يتجاوزه هو بوحدة الحب. وفي هذا الجزء الثاني من خطبة الوداع على وحدة المحبة الواضحة يكشف المسيح نفسه منشئ الوحدة فيسمي نفسه الكرمة ويسمينا الأغصان. الأغصان تثبت في الكرمة. صورة الوحدة في هذا الفصل تنبع من الآب الى المسيح ومن المسيح الى المؤمنين ثم يوضح صورة محبته انه يبذل نفسه عنهم ويلح على نشر المحبة فيما بينهم حتى يصل الى حياتهم في العالم اي الى الاضطهاد. ولكنه يعد بأنه سيشددهم بالروح القدس. كل اللغة المتعلقة بالروح القدس في خطبة الوداع تعني استمرار المسيح حبيب الله بالروح القدس.

اخيرا تأتي صلاة الكاهن العظيم. حديث مستفيض عن مجده. «انا مجدتك على الأرض». كلمة يوحنائية بامتياز. رددها يسوع في إنجيل يوحنا منذ عرس قانا الجليل.

قال يسوع كل هذا الكلام وخرج مع تلاميذه الى عبر وادي قدرون والطريق نازلة جدا ونلت بركة المشي هناك وسطحها مليء بالغبار وذلك السنة الـ 1947 أي سنة قبل احتلال الأرض ومن هناك سار الى موته المجيد الذي سنشترك بكل بهائه خلال الأسبوع القادم. ومن خلال كلامه أخذت اليوم لكم «مملكتي ليست من هذا العالم». هذا ملك آخر يستقر في قلبك ان انت أصغيت في كل ظرف الى كلام المخلص فيجعلك تشهد للحق كما شهد هو للحق. ولما سأله بيلاطس ما هو الحق لم يقل كلمة.

الحق ليس نظرية تُشرح. هو سبق فقال ان شخصه هو الحق. ان انت سمعت كلامه وخضعت له لا يبقى من مسافة بينك وبين الحق الكثير يلفت القارئ في وصف آلامه. «اقتسموا ثيابه بينهم وعلى لباسي اقترعوا». يجب الا يتركوا عليه شيئا للزيادة في اذلاله. لماذا أتى الانجيلي بتفصيل يبدو صغيرا «وكان القميص بغير خياطة منسوجا كله من فوق». لم يستطيعوا شقه. من بعد الواقعة يبدو هذا كلاما مجازيا. لا يستطيع احد ان يشق ثوب المسيح لأن وحدة المسيح قائمة الى الأبد. من اعتدى على ثوب المسيح ينهي ذاته.

آخر كلمة قالها يسوع: قد أُكمل. في المعنى العادي أتممت النبؤات. كلها كتبت عني بطريقة او بأخرى، بمعنى دقيق أو بمعنى عام، ولكن قد أُكمل تعني ان كل شيء جميل وجليل وطاهر. قيل في الفلسفة وفي آداب الشعوب وفنونها، في كل فكر حي يجد كما له ومجده في هذا الجسد الدامي المعلق على الخشبة. كل شيء تم في الجلجلة ومنها سطع المجد.

بعد هذه الكلمة الأخيرة يقول يوحنا الرسول: «ونكس رأسه وأسلم الروح». الحقيقة ان الجسد الذي يحتضر يسلم الروح اولا ثم ينكس رأسه. لماذا كسر الإنجيل التتابع البيولوجي وجعل إسلام الروح قبل تنكيس الرأس؟ قراءتي الحدسية انه اراد انه مات وبعد هذا أسلم لا الروح البشرية فقط بل الروح القدس الذي كان فيه. اي في موته كانت العنصرة الأولى. كل شيء وصل الى قمته يوم الجمعة العظيمة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المستشفى / السبت في 9 نيسان 2011

المشفى في اللهجة الشامية مكان الشفاء وهذا غير مؤكد. المستشفى عندنا المكان الذي يلتمس فيه الشفاء وربما من الأطباء. هذه المؤسسة قديمة في الإسلام وفي القدم نفسه تقريبا في أوربا. طبعًا هذا كله إلهامه ديني. لذلك سميت المؤسسة في الغرب أوتيل ديو أي فندق الله أو بيت الله اذ المريض من هموم الله.

من كانت علته شديدة يذهب به من بيته الى هذا الموضع الذي يتجمع فيه السقماء ليعرف الطبيب حالهم الصحية ويقدم لهم وسائل السلامة لكون السلامة مبتغى العليل والمعالج معا. وكلاهما يكافح الموت. وعندما تبطل عند المريض خشية الموت يواري الإنسان مأواه. من ثبتت عنده سلامته يلازم بيته.

هناك دائما صراع عميق في النفس ولو على شيء كبير أو قليل من الوضوح اننا في الاعتلال على طريق الموت أو لم نسلكه بعد. واذا وصل الإنسان إلى تأكيد الحياة فيه يلازم بيته ويستغني عن المؤسسة. المستشفى اذًا تحديدًا مؤسسة الموت نستقبله أو نحاربه. هي ليست مكان استجمام أو راحة. هي مشوار بين القياس وانكسار القياس حتى اذا سلم الإنسان من بعد علاج يتحرر من صورة المستشفى.

المجتمع اذًا مجتمعان مجتمع الأصحاء ومجتمع المرضى، مجتمع الذين لا يفكرون باقتراب نهايتهم ومجتمع الذين يذوقون الاختلال أو اقتبال نهايته بالموت. لذلك أنت في هذا الموضع خائف أو غير خائف فلا تستطيع ان تنتمي إلى مجتمع الأصحاء ومجتمع المرضى نفسيا في آن واحد. واذا انتقلت من هذا إلى ذاك تكون في حالة انتظار النهاية أو بدء جديد.

#   #

#

الأصل في الإنسان السلامة والمرض انشطار الكيان. الإنسان في أسقامه يرجو العودة إلى الأصل اذ لا يحب نفسه منكسرا. يتوق الى الخلق الذي كان قلبه فاذا اعتراه خلل ما في بدنه يحس ان الأذى أخرجه من الخلق الاول ولا يرى كماله الا في عودة السلامة ما لم يصالح تشويها ثابتا فيه كالشلل أو بتر ساق أو ذراع أو كفاف البصر فيتربى على ما هو معروف بنقصان ويتدبر شؤون حياته بما تيسر لها. هذه أوضاع متركزة تشبه السلامة والعظيم فيها يحولها إلى أصل اذا فهم ان أصله هو القائم فيه.

#   #

#

غير هذين الوضعين وضع ثالث أو مجتمع ثالث زالت فيه الحسرة بعد تروض طويل ومبدئيا يزول فيه الإحباط لأن الله يسوسه. أما اذا بقينا على مستوى الطبيعة أي بلا إله مقيم فلا مصالحة بين التقصان والكمال.

«في البدء كان الإنسان الطبيعي ثم كان الإنسان الروحاني». الإنسان الروحاني وحده لا ينتمي إلى المجتمع السليم ولا إلى المجتمع العليل. استقل عنهما لإنتمائه إلى الله الذي يرحم المرضى والأصحاء معا وكلاهما على نقص. فهناك عطب السلامة الذي هو الاستغراق في الجسد وهناك عطب المعطوب الغارق في الخوف الذي هو توق لبعد الله. والبعد عن الله هو اللاشيء لأن القياس هو سكنى الله فيك. أما الذي أقام في الله فيخرجه ربه من العطب ليقيمه في الحب الإلهي أي في المجتمع السماوي ويشده إلى حضرته فتأتي سلامته من الحضرة وبهجته من الرؤية.

فاذا عدنا المريض ينبغي ان نعزيه بالله أي بكلمات الكتاب التي تنقله من المجتمع السليم أو العليل إلى المجتمع الإلهي توا.

لا سفر من الاستشفاء لأن الصحة هي القياس وصورة الملكوت وهي تنجينا من الضجر والإحباط ومن هزات كثيرة اذا عرفنا ان الأصل فينا الحياة الأبدية.

هذا المجتمع الإلهي يمكن ان يؤلفه الأصحاء والمرضى معا. انه اذا يخترق المجتمعين البشريين اللذين هما من عالم الخطيئة. المهم الاستقلال من الطبيعة الساقطة المختلة وغير المختلة لنلتحم بما هو فوق الطبيعة ونجلس فوق عن يمين العظمة. السماويات هي المجتمع الأخير حيث يزول انكسار الجسد ولا يبقى من معنى لسلامته فالمعطوبية والسلامة كلتاهما من هذه الأرض والقوي من تحرر من هذه الأرض وجمالها حتى يحيا الحياة السماوية هنا.

#   #

#

غير ان المريض مصدوما أكثر من السليم ينبغي علينا حمله في كل يوم. نطلب من أجله كثيرا لينال في عطبه سلامة الله. وهو أخونا باستمرار لكونه معذبا في كل حين ومرميا على كل التجارب. وعيادتنا له ما استطعنا تشفينا كما تشفيه وبهذا نسعى الى إخراجه من مجتمع المرضى الى المجتمع الإلهي.

وفي هذا إنقاذ من الموت الروحي والتعبير عن المشاركة عاليا. «كل نفس ذائقة الموت». المبتغى ان نخفف وطأة المواتية عن الآخرين ليصبحوا أبناء القيامة. وبذا نخفف المواتية عن أنفسنا ونحاول خلق المجتمع الإلهي الذي ينشلنا من محض السلامة البدنية أو علاتها.

هنا في الجسد الصحيح أو العليل تبدو إلهيتنا اذا لمستنا النعمة لنسير إلى الفصح. من كان قادرا على فصحيته كبيرة في جسده يعلن انتهاء الموت.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

مجد لبنان / السبت 3 نيسان 2011

كل ملمّ بالكتاب المقدس قرأ في أشعياء (35: 2): «مجد لبنان أُعطي له». وهذا عند النبي قول في المسيح. الآية مكتوبة بالأحرف السريانية على نصف حائط يفصل في الديمان بين مدى الكهنة، ما نسميه في الدارج الأرثوذكسي الهيكل وصحن الكنيسة وما كنت أعلم حتى وجدتني واقفا في الكنيسة وراء غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير في البيعة منذ سنتين او ثلاث اذ كان يستضيفني غداة عيد رقاد السيدة في بداية المنتصف الثاني من شهر آب. والبطريرك صفير عنده عادة استحبها اذ يقود ضيوفه بعد الغداء ليتسنى لكل منهم خلوة دقائق مع ربه واذ بي التفت الى الكتابة وأقول لسيدنا انا لا أقرأ السريانية أرجو اليك ان تقول لي هذا بالعربية فتأخر بعض لحظات ولم أفهم سبب ذلك فقلت له لماذا الحرج يا سيدنا هذا لا بد ان يكون كلاما الهيا، عند ذاك، قال: الكتابة هي: «مجد لبنان أعطي له». وما كان مكتوبا بين هلالين انها من أشعياء.

لماذا ذكرت هذه النبوءة هنا، عمّن تقرأ، ما موقعها من هذا الجدار كل هذا جلاه لنا غبطة البطريرك بشارة بطرس (الراعي) في خطاب تنصيبه الذي أوضح فيه انها لاشعياء وانه ليس فيها احتكار. ما كان هاما في كلمة السيد البطريرك إرجاعه الكلام الى الوحي أكان منطبقا -بغير احتكار- على الكنيسة المارونية او على رأسها مجد لبنان ينزل من المسيح الذي ورثه على «الكهنوت الملوكي والأمة المقدسة» التي الكنيسة المارونية جزء منها باعتبارها ممسوحة بالميرون المقدس مع كل أبنائها.

البطريرك اغناطيوس الذي يقود كنيستنا بما فيه من حكمة وحب قال لي منذ أيام قليلة: الكنيسة المارونية فيها نهضة. وكان قد عبر لي عدة مرات عن وجوه هذه النهضة بما يعني ان غبطته ذائق للنمو الروحي الذي تعرفه الكنيسة المارونية في كبار مؤمنيها الأشداء بالروح، التائقين الى الخلاص بعيدين عن إغراء هذا العالم ليسكنوا الى المسيح وحده فيتم فيهم رضاؤه اذ أصبحوا امة مقدسة له.

ما يجمعنا نحن المسيحيين، النعمة التي يعطيها المسيح. ما عدا ذلك باطل وقبض الريح. معا نحن لسنا بوجه أحد «المحبة تطرح الخوف الى خارج». ان كنت تأكل جسد الرب كل أحد فأنت أقوى من الدهر. ان تتحصن في هذه الدنيا وحدها خيانة.

#…#

#

ان ترى هذه الكنيسة او تلك فيها خصائص أمر لنا ان نتعلّمه ونقتبس منه ما نقتبس على الا يكون في هذا فخار من الدنيا «مملكتي ليست من هذا العالم». ماذا يعني هذا في المسألة السياسية؟ ما هو فكر المسيح في هذا؟ لا بد ان يكون لنا فكر لاهوتي واحد في هذا المبحث ليكون لنا تصرف واحد وتاليا شهادة واحدة.

ان يكون المسيحي في هذا الشرق يسلك بالمسيح يعني ان في المسيح وطنه وليس للكنيسة المسيحية تحالف مع اي وطن. انها فيه كالسائح ومقصدها السماء. لا تستريح الكنيسة في مكان او اليه. كذلك لا يكفي ان نحسب اننا، مسلمين ومسيحيين، في خدمة له واحدة، راهنة، المبتغى ان نحس اننا قادرون على ان نكون من كيانه ومن قلبه.

كيف يتم هذا مع قراءتين مختلفتين لعلاقة الدين والدنيا. الوحدة في فلسفة هذا الموضوع هي ان كل كتلة لها واقعها في قراءة العلاقة بين الدين والدنيا وتختلف عن الرؤية النظرية، فمن المسيحيين من هو أقرب الى الإسلام في انتقاء الدين والدنيا والسياسة ودمجها. نقتبس بعضنا من بعض في الواقع السياسي وننقح تنظيرنا. انت لا تتعامل مع إسلام او مسيحية. انت تتعامل مع مسلمين ومسيحيين يتطورون ويتلاقون في الفكر والقلب وانت تسير على الرجاء، رجاء ان يصير الآخر مثلك او أعظم في ولاء الأمة الواحدة.

الاختلاط لا بد ان يغير المجتمعات وان ينشئ نماذج بشر جديدة. لا مفر من نشوء لبنان مدني هو في الحياة العامة جمع بين المسيحية والاسلام وعناصر حضارية أخرى.

هذا لن يكون تلفيقا غير محمود. هذا يكون انتظارا لانسانية لا نتوء فيها، تفرح بالعظائم وبما تقدر عليه الحرية. الشكل يكون مدنيا اي اصطفاء الأحسن في الاجتماع البشري وما من اصطفاء الا من انسجام وفي هذا يكون قد نزل علينا الخيار الالهي. ان الآخر انسكب عليه مجد لبنان وتكون قد فهمت ما قاله البطريرك الذي قدم بالبركات ان ليس هناك من احتكار لأن الاحتكار رفض الآخر وفي الرفض لا ينزل مجد لبنان.

Continue reading