Category

2011

2011, جريدة النهار, مقالات

أنا من أنا؟ / السبت 25 آذار 2011

الانسان في بشرته من هو وليس لنا لمعرفته الا بشرته؟ تبدأ لمعرفته بجسده. ترى في عينيه عيني أبيه او أمه ويختلف الناس في الوصف والحقيقة ان هذا الرضيع موصول وعلم الجنات يعلمك عما هو أدق حتى يصل هذا الطفل الى سن توضح القربى في الطبائع بينه وبين ذويه والقربى في بعض الحركات، في المشية والقعود فتلحظ الوحدة وتلحظ الافتراق حتى يكتمل البدن او يكاد. واذا تعمقت التدقيق ترى الشبه يعظم او يقل. ففي هذه العائلة تأتي الاثنينية أقوى وفي تلك هي أضعف.

في علم الجنات بدا اكثر من الماضي الشبه ليس فقط في البنية وليس فقط في ما هو للبشرة ولكن في ما هو في أعماق النفس اي في بنية الانسان العميقة. بدا الاختلاف الكبير، الشرخ بينك وبين ذويك لأن النفوس ليست خلايا تتشابه او تتراكم فقد يكون ابوك عاقلا او معتدلا او متوازنا وأنت على عكس ذلك قليلا او كثيرا. تقول، من اجل التفسير، انها البيئة. ولكن لا تستطيع ان تحلل لماذا او كيف كان تأثير البيئة. لا تستطيع ان تربط بين البيئة والتغيير التي أحدثته. هناك شيء يدخل الى هذا الكيان من فوقه او من تحته او من جنباته. هناك شيء غير البشرة الموروثة. هناك مخالفات عندك لما كنت تلمسه. فقد يكون ابوك غضوبا جدا وتأتي انت هادئا. ماذا لامسك، ماذا هب فيك لتبدو وكأنك منقطع عن أبيك وأمك؟ هل انت ابن واحد من الناس او لست ابن واحد من هذه الأرض؟

هل ضُربت الاثنينية بعامل هو خارج هذه البشرة. يصير الانسان واحدا اذا أحس بمحبوبيته. كان قد اتى من رحم امه تشكله كل العوامل التي رُكب منها فبعد ان اخذ يستقل بقطع حبل السرة صار يسير نحو وحدته. اخذت احاسيسه تشعر مؤتلفة انه قادر ان يقول انا . موقف ليس ضد الأنا الأخرى. لا يريد ان يذوب في الآخرين ولكنه لا ينغلق دونهم. اناه هي اياها بتناغمها. هذا ما نسميه جدلية الوحدة والكثرة. تثبت الشخصية بالتوحد والتمايز متلازمين. الخوف من الصدام بينهما.

ليس التلاحم فقط بين الأحياء. ليس أدل على استمرار النفس من بعد موت من كونها تعطي او من كونك تأخذ منها. كم من ميت يعايشك بقوة ما كنت تعرفها في حياته. من اين جاءت هذه المشاركة؟ ليس هذا حوارا كلاميا. لا تحدث هذه المعايشة تداخلا عاطفيا لأن هذا الداخل يتطلب وجها. الوجوه غابت. لم يبقَ الجسد ركيزة لشيء. ما في الأمر خيال وما فيه عاطفة كهذه التي كنا. نبديها، انت واحد، منصهر ولكنها وحدة مصبوبة فيها ينابيع يجب ان تكون هي ايضا مصبا. الانسان الواحد انسانية مع انه ليس بجمهور.

#   #

#

كل هذا يفيد ان كلا منا وحيد بمعنى انه ليس مثله شيء. ان يكون خصوصيا لا يعطيه فضلا. يعطيك هو فضلا فتصير به وقد يمدك بما لا يعرف فتأخذ انت حسب موهبة الأخذ فيك وتحب وتعرف ما تحب في الآخر وصديقك يعرف ما يأخذ وانه ينمو بك ويحسن هذه هي التربية التي لا يتبجح فيها احد انه المعلم. هذا تكامل الندية التي يحرص فيها كل واحد على ان الآخر افضل منه لأنه يراه المعطي.

وعلى قدر وعي هذا السر تتشكل الصداقة وقد قال أحدهم لما سُئل عن سر ارتباطه بصديقه نحن هكذا لأنه هو هو وانا انا اي هناك ما كان أعمق من المعرفة العقلانية. العلاقة تتكوّن مما يسمو طبائعك وطبائع آخر وهذه هي المحبة الصافية التي ننمو بها وحدها.

خارج العنصر البشري اذا كنت ذواقة يهذبك الجمال. منا من يأتي من حبه للطبيعة ومنا من أتى من حبه للمنازل الحديثة او الأثرية او الفنون. شخصيتك، اذ ذاك، نضرة تنقذك من الحزن والجفاف. انت عطية الطبيعة وغني بها او انت عطية الفن. هكذا يتغذى التدفق الذي فيك ويزول جفافك. هكذا تنغرس فيك الجنات.

الأنا اذًا كونية ووجدانية معا. هناك من يأخذ من الطبيعة قليلا ومن الفنون قليلا ولكنه يأخذ من البشر كثيرا. اية كانت المصادر الإنسان متشعّب الغنى وعليك ان تكتشف جماله. ولك ان تنمي قدرتك على استيعاب ما انت مؤهل لالتقاطه لكونك في الأصل غير محدود. أنت انت ولكنك ايضا ما ستصير.

ومع انك غير محدود في الخط الذي انت سالكه الا انك لا تستطيع كل شيء. اقبل ما وُهبت وتوسّع فكل وزنة جاءتك مدعو انت ان ترد اضعافها لله الواهب وللناس الذين حولك. لقد اختصك ربك بما لم يختص سواك. استثمر ما بين يديك لأن انا الآخر يجب ان تكبر اهتمامك حتى لا يجف العالم. لا تستطيع ان تنام ما دمت موهوبا فالرب يكره ان تتصحر الدنيا.

#   #

#

تولد من أبيك ومن أمك ثم من بيئة الطبيعة والعلم والفن وخبرة الحياة ولكنك فوق ذلك تولد من الله الذي وحده يضمك بكليتك الى نفسه. انت تنفصل عن أمك بالولادة. الولادة خروج ولكن اذا وُلدت من الله بنعمته يكون قد اعطاك من كيانه ويقول علماء كنيستي انك جئت من أزليته وهو يحبك بالحب نفسه الذي يحب به مسيحه. يجعل لك انا غير هذه التي استمددتها من أمك. منها ومن أصدقائك تصير آخر بالدرجة. من الله فقط تصير آخر بالنوع. تصبح إلهيا ولن تبقى فقط جسدا آتيا من جسد. فقط «المولود من الروح هو روح» اي ذو كيان آخر من هذا الذي اطلقته فيه امه الى العالم. يصير من عالم آخر، هذا الذي ينزل عليه بالحب الإلهي.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

رهبة الموت / السبت 19 آذار 2011

ما من رهبة تقارَن برهبة الموت لأنه العدو وان كان من عداوات اخرى فهي مهيئة له. ولعل شيئا من الخصومة بيننا وبينه ناتجة من كوننا لا نستطيع ان ننتظره اذ لا نعرف اليوم ولا اللحظة اللذين يحل فيهما. يأتيك مرض رهيب وتبقى في الوجود ولا يأتيك مثل هذا وتخفى.

أنسباء من مات وأصدقاؤه يحسون هذا الرحيل وكأنه قصاص ينسبونه الى الله. هذا يعبرون عنه بقولهم ان »الله يميت ويحيي« اذ لا بد ان يحل حدث كهذا بأمر من كان سببا لكل شيء. أليست وظيفة الخالق ان يكون مصدرا لكل شيء والشيء يعني الوجود كما يعني العدم. غير ان هذا الاعتقاد يعني ان لله خطة في الغاء الحياة كما له خطة في استمرارها. هذا يعني بصورة أبسط ان ربك منذ الأزل يمسك بدفتر سجل عليه اسمك وكتب عليه السؤال هو لماذا يهتم لك حتى تبلغ المئة او أكثر او لماذا يتخلى عنك كما تقول العامة. أليس الاقرار بالتخلي الالهي إقرار بتحيز الرب في هذا الأمر او ذاك.

في الحقيقة لسنا نعرف المقاصد الإلهية اذ تركنا في السر الكامل امام حدث لا مهرب منه. أعترف ان هذا مخيف ولكن كثافة الخوف تزداد عندنا اذا اعترفنا ان الرب سبب انخطافنا عن هذا الوجود وتتغير مواقفنا كليا اذا آمنا ان الله يحب استمرارنا في الوجود وليس له موقف اعتباطي ولا يملك دفترا يفتش فيه عن اسمك وزمان رحيلك لأنه ليس بمزاجي ويبقى على صعيد العاطفة البشرية الموت محجوبا سره عنا وقد ينكشف السر في اليوم الآخر.

#   #

#

في سورة الزمر، الآية 48: «الله يتوفى الأنفس حين موتها» تمييز بين فراق النفس عن الجسد والتوفي الذي يقوم به الله. هذا القسم من الآية يبدي اننا امام امرين: الأمر الاول: موت النفوس وتوفي الله النفوس التي فارقت. يستعيد الله من النفس وديعته. هذا هو عمله. اما بأي سبب تعود اليه من اصطفافها في الطبيعة فهذا سؤال لا يبدو ان ثمة جوابا عنه.

انا لا دخل لي في حديث القضاء والقدر. أتمسك بقراءة مستقلة تبين لي الفرق بين الوفاة وما يسميه الكتاب «موت الأنفس» لأقول ان النفوس تذهب الى الله كما تذهب ويتقبلها الله برحمته وكل شيء عند المؤمن هو هذا التقبل.

ولا يتعزى المؤمن اذا شرحت له السبب البيولوجي للحدث . انه على فهم نسيبه او صديقه ذلك، الحزن حزن وفي الحقيقة ان المعرفة البيولوجية للفراق ترجيح والترجيح العلمي لا يعزي لأن حبيبك قد ذهب وما كنت تريده ان يذهب.

القصة كلها انك لا تحب الغياب. الألم ان من كان في عينيك أمسى خارجا عن النظر وكل شيء هو اللقاء الدائم في العيون وفي باقي الحواس. الوجود هو في اللصوق. لا أحد يصالح الغياب ويبقى الانفجار على مقدار الحب ولا يقوم الكون على قاعدة الفهم العقلي والبكاء تسجيل لعدم الفهم.

اذا جعلت ميتك في حالة انحسار عن ناظريك وذاكرتك يكون هذا بدء تحررك من صورة له قابضة عليك ولا ينفع ان تنقله من بصرك الى بصيرتك اذ يبقى هذا انكماشا لك فيه ويختزن عناصر موات فيك. انت عليك ان تتحرر من الأموات لأن حياتك فقط في الله. اذا جعلت المائتين في رعاية الرب اي في حقيقة محبته تكون قد رفعتهم الى الحق. لقد سمعنا كثيرا في مآسي الحرب: هذا الشهيد او ذاك فينا. اذا كان هذا القتيل او ذاك حيا فيك فأنت عبده. انت مدعو الى الحرية من كل الأموات واللقاء بينكم هو فقط في الصلاة اي في حركة دفعك اياه الى ربك اذ لا يحتاج هو اليك ولكن الى انعطاف الله عليه.

ما يسميه المسيحيون شركة القديسين لا علاقة له بتذكر الأحياء للذين ذهبوا. هي المشاركة في القداسة فقط. الكنائس التي تؤمن بالاستشفاع ليس فيها ارتكاز على الانفعال العاطفي. انه الارتكاز على الروح القدس الذي يطهر الأرواح كلها ويؤلف منها كنيسة واحدة.

الجهد الذي لا بد من بذله تأسيسا على ما قيل هو ان نرى الميت الذي نعز متكئا على صدر المعلّم فإن العشاء السري مستمر وفي انسلاخنا عن هذا العالم نستمع الى قلب السيد ويبدأ الفهم ويصعدنا الى الآب الذي في حضرته نتكئ على الرحمة التي هي مجالنا عنده. في الملكوت نذوق القيامة شيئا فشيئا. القيامة ليست زمنا. هي حنان واذا كنا نرجو هنا الغفران فإنه ينزل علينا مذ ارتحال النفس عن الجسد اذ لا يمكن عند الافتراق ان نكون امام العدم. منذ اللحظة الأولى نحن في الرؤية تأكلنا القيامة بحيث نبدأ الدخول الى الفصح.

فصحيتنا ليست مرجأة ولكن الفصح الواحد المشترك يعلن في القيامة الأخيرة ليسطع حب الله علينا وحبنا له.

من هذا المنظار المجد ليس مجزأ. انه سعة متسعة. من قدر ان يعيش هذا بقناعة تامة لا يموت.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الكلمة والروح / السبت 12 آذار 2011

النفس البشرية ميدان التوتر بين القيام والسقوط. هي في طريق القيام وفي طريق السقوط. ليس للخير وجه يساير وجه الشر. انهما يتصادمان. هناك نزف لا نعرف كيف يتفجر وانت مفطور على الخيرات ولا يسكنك الا الله. ما من ذات اخرى تنثني فيك. هناك انبثاث الهي يتسرب اليك وانبثاث ابليسي او وساوس شيطان يوما بعد يوم وتتشرب بثا بعد بث حتى ساعة شفاء.

ليست القضية قضية ميزان بين نوازع خير ونوازع شر في النفس. ليس ثمة كفة ترجح وما في الأمر حساب. السؤال هو ما في عمقك. سؤال ربك في الأخير هو هل انت معي. في اللحظة الأخيرة، في الدينونة السؤال هو هل انت معي في كثافة وجودك البادي أمامي. الإنسان لحظة، وجود أمام الوجود الإلهي. فليست المسألة ان يفحصك ربك في الوصايا العشر التي أعطاها الله موسى. هذه اشارات، جملة وتفصيلا، الى كونك صديق الله او عدوه.

انت في هذه الدنيا لا تخرج بالتوبة من رذيلة الى فضيلة. هذا يحدث مرات بالتوبات العظمى. ما يحدث، هو نقلة من سوء وضعك الى وجه الله، من انحجابك عنه الى انكشافه لك. المكشوف وجهه للناس بحسناتهم يقول لهم «تريدون وجه الله» (سورة الروم، 38). فمن بعد سيئة لا يحول عملك الى حسنة الا اذا أردت وجه الله ذاته اي اذا دخلت في حبه. بسبب من ذاته وبذاته يمحو خطاياك. ليس السؤال ماذا تطلب ولكن من تطلب. واذا كانت اللغة تقول لك انت تطلب الرحمة او الغفران او الاحسان وما اليها تكون في الواقع طالبا الله اذ لا تمتلئ النفس الا به. انه هو المالئ الكل بكل جمالاته. «ومن ملئه نحن جميعا أخذنا. ونعمة فوق نعمة» (يوحنا 1: 16). هناك اذًا نعمة تختلف عن نعمة ولكنها جميعا صادرة عن الملء الإلهي. ليس غلوا تاليا ان أقول ان الخاطئ ينتقل من مقاطعة ربه الى معاشرته. بلا هذه المعاشرة لا نرث شيئا ولا نرى شيئا.

هذه القربى تلاشي البعد بين القدرة الإلهية وما تستطيعه انت. قد تصل القربى الى حد اللصوق. ما الفرق بين اللصوق والوحدة؟ بينك وبينه فسحة في الجوهر اذ هناك هوة بين الخالق والمخلوق لئلا تزول الخالقية او تزول عبادة المخلوق للخالق. على ذلك هناك وحدة ما حتى نتمكن من الكلام عن صلة. بلا صلة حقيقية انت مشلوح في الخلق شلحا. لا بد اذًا من بث إلهي في الإنسان او من فعل إلهي أزلي في الإنسان يتم به الخلاص.

ينزل الله اليك بالحب الالهي حقيقة. بينك وبينه تواصل او ليس من شيء. كل مواجهة تواصل. ان يكون وجهك الى وجه آخر في المحبة. يوحدهما. ولو بقيتما على استقلال. الذات تقابل الذات ولكنها لا تتباعدان حتى الانفصال اذ تبطل، اذ ذاك، المواجهة. اذا استطعت ان تؤمن تنوجد في هذا اللقاء بينك وبينه.

#   #

#

هل ينطبق مفهوم الحوار في علاقتك مع الرب؟ الحوار يتضمّن مساواة ما بين شخصين. في اللامساواة القائمة بينك وبين الله ليس من حوار الا اذا تنازل الله بمشيئته ان يجعلك بمحبته متصلا به حتى الوصال. في المسيحية هذا ممكن بسبب التجسد الإلهي. يلبس فيه ربك التساوي. ليس ذلك تصنعا او اصطناعا ولكنه عمل تنازل على مستوى المشيئة الإلهية. يقابل ذلك منك تصاعدا بشريا. هذا ما يمكن تسميته حوارا بين الله والإنسان. في الحقيقة هو انضمام منك اليه والخضوع لكلمته.

ماذا لا يتضمّنه الحوار؟ اذا أنت أغرتك الخطيئة -وهذا ما نسميه التجربة- لا يناقشك الله. هو يأمرك أمرًا. أمرك ان تسكت الإغراء، ان تقول لا للخطيئة في اول ظهورها في ذهنك. انت لا تناقش الشيطان. ترفضه رفضا منذ البدء. لا تتردد في الكلام معه. ترده بحدة. تنكفئ في كلمة الله. تمتلئ منها كثيرا في خزانة قلبك حتى تنسكب فيك وتواجه الإغراء بشدة حتى لا تقيم مع الإغراء حوارا.

تجذبك لذة الخطيئة. فقط نور القيامة اذا نزل عليك ينتشلك من جاذبية اللذة الى فرحك بمعاشرة المسيح. «لا تترك لذة الا لذة أعظم» (باسكال). عندما يشدك فرح الرب اليه يهون خيارك. افرح في الرب كل حين حتى يقوى فرحك في أوان الضيق اي حتى يصبح ينبوع مقاومة منك. لك ان تألف الرب حتى يصبح مأواك وفي هذا المأوى تتشدد.

#   #

#

هنا يأتي السؤال عن تقوية الإرادة. ما من شك انك في كل مرة تقول للإغراء لا تتقوى وتستقوي بالروح الإلهي. الإرادة فيها رياضة روحية وفيها ما يهيئ دروب النعمة. غير اننا نلاحظ ان اباءنا لم يتكلّموا كثيرا عن ترويض الإرادة. انهم تكلّموا بخاصة عن الصوم والنسك وقراءة الكلمة والصلاة. هذه كانت عندهم وسائل ترويض الروح البشرية، ترويض الكيان الكامل.

التعفف عن الطعام والشراب واللهو وكل ما كان غير نافع في الأوان الذي نحن فيه، هذا التعفف بناء كامل يهيئنا لاستقبال النعمة. وان نتخطر في النعمة ونصبح بذا كلمة إلهية يجعلنا نرد ما كان يصدم الكلمة ويحولنا في كل مشاعرنا وأفكارنا عقلا الهيا ومسكنا لله بالروح.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الصوم آتٍ / السبت 5 آذار 2011

بعد غدٍ تدخل كنائس الشرق معا باب الصيام لإيمانها انه طريقها الى الفصح. والفصح وعد العبور من الظلمة الى النور. وإبادة الظلام تحققت مرة واحدة لما قام مسيح الله من بين الأموات وبتنا نذوق الحياة الجديدة بانبعاثه. ليس لنا في المسيحية ان نعرف غير هذا اذ لم ينزل علينا سر آخر ولا تفقهنا بمضمون تعليمي آخر. كيف تتقن ما نزل عليك، كيف تصيره؟ كيف ما كان في عمق الله وسلوك ابنه يتصور فيك ويصبح مسيرتك حتى يبطل التفريق بين ما هو وحده لله وما هو لك. يبطل السؤال اذا عرفت انك تكتمل بدنوك من الرب وان هذا في الحقيقة دنوه منك. هذا هو توقك وتوقه. توقك هدية نفسه اليك هو ليس عنده غير ذاته يهديك. قد رأى ربك انك ان تحسست هديته او تحسسته هدية تنمو به اليه.

انت لا تخرج من نفسك اليه لأن لقاءكما يتم فيك. ان توغل في نفسك لاستقباله وتقبله لا يختلف عن تقبله اياك في أنواره وهذا التحاقك به ووحدتك فيه. هذا هو التوحيد ان شئت البصيرة والا يكون قابعا في فوقيته وانت في دونيتك ولا يغدو احد منكما قد اجتاز الهوة. ردم الهوة تنازله اليك وتصاعدك اليه في اللامدى، في اللازمان، في ارتباط شاءه وأنعم به عليك، ارتباط لا يتروض هو عليه في سماء كماله وتتروض انت عليه بسبب من مخلوقيتك. ينبغي ان تنمو بشريتك فيك وينبغي ان يسر هو بها ليجعلك ابنا محبوبا. الصوم محاولة من محاولات نموك يراه هو عطاء منه وتلمسه انت التماسا للنعمة. هذا كله تروض فيك وبه اي خروج جهاد اليه ولكن من جهته هو ضمك اليه وهو ليس فيه جهاد. انه حنانه المسكوب يسهل لك الدرب اذ قلت له: «سهل خطواتي حسب قولك ولا يتسلط عليّ إثم. نجني من بغي الناس فأحفظ وصاياك».

#     #

#

كل قصة الصوم ان تحفظ وصاياه. «من أحبني يحفظ وصاياي». الصوم إذًا رياضة عميقة الجذور، أمتن من أن تكون مجرد إمساك او نظام طعام «الطعام لا يقدمنا الى الله لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص» (١كورنثوس 8: 8). الصوم لا يستغرقه إمساك على نمط معيّن. وفيه أنظمة مختلفة حسب الحضارات الدينية. فيها كلها انقطاع عن الطعام في فترة محددة نفهم منها ان هذا الانقطاع ضبط للرغبات ومراقبة لها، نوع من التسلط على الجسد ابتغاء لحرية النفس وانعتاقها من الشراهة.وقد استفاض آباؤنا النساك في الحديث عن هذه الرذيلة وجعلوا التحرر منها شرطًا للتحرر من الشهوات الاخرى. هذا اختبار الروحانيين ومن مارس الصوم طويلا مع شرط الصلاة المكثفة ومطالعات الكلمة الإلهية التي ترسخنا في معرفة الله.

الصلاة والصوم يبدوان في الكتاب القيم مجتمعين حتى التداخل او التلازم حسب إيقاع زمني يحدده هذا الدين او ذاك، هذا المذهب او ذاك. هناك قواعد روحية او نفسية الإخلال بها مؤذٍ، مرتبطة بالتراث أحيانًا كثيرة. على سبيل المثال قوة الصلاة والاستعداد للفصح او لقداس الأحد أمست أسسا ارتبطت بها نفس المصلي حتى يعسر عليك ان ترميها وتحافظ على سلامة توازن داخلي.

اهتزاز القواعد الموروثة من خبرة القديسين يعرض النفس الى خطر والى اعتبار الحياة الروحية غير متصلة بالجسد. هذا الجسد أساسي في تكويننا وفي حمله الروح التائبة. هذه الوحدة بينهما منعشة لكل منهما وتجعلهما في مسالمة تصل الى حد المصالحة.

#     #

#

اقتران الصوم بالصلاة ناتج من كون تفريغ الجسد من بعض طعام يستدعي ملء الكيان بالكلمة الإلهية لئلا نصل الى الفراغ الكامل. الروح ينادي الروح. بكلام آخر، الله اذا سكب نفسه فيك يخاطب ذاته وترتفع. غير ان ثمة جانبا عظيمًا في كل مواسم الصيام انك تصوم مع الاخوة. كلكم سائرون معا الى الفصح. كلكم تتنقون معا على مقدار النعمة التي تنسكب على الكنيسة، اذ ذاك تصبح الكنيسة كائنا فصحيا واحدا. شاهدا على انها تخلي ذاتها من ترابيتها لتصبح ضياء المسيح.

في حقيقة هذا الجهاد تسعى الكنيسة موحدة به ان تصبح عروس المسيح. الفصح، حقيقته لا العيد فقط. ان نخطب للسيد في عرس أبدي. هذا يتطلب ان نكون للآخرين إمساكا واستعطافا وافتقارا الى الله الذي يحبنا بوحدانيته. الله الأحد قادر وحده ان يجمعنا اليه وبعضنا الى بعض كي لا نتشرذم ونتماسك امام وجهه ونتدرج اليه فنتعلم الفقر اليه وانه هو الحاجة الوحيدة.

Continue reading
2011, جريدة النهار

الدينونة والصوم / السبت في 26 شباط 2011

كلمتان لا يبدو توا كيف نجمعهما. غدا في كنيستي يقرأ ما نسمّيه في تراثنا إنجيل الدينونة الوارد في متى وفيه يتحدث يسوع عن مجيئه الثاني في مجده ليدين الأمم كلها مع انه في انجيل آخر قال انه ما أتى ليدين العالم بل ليخلص به العالم. ويظهر من الفصل الذي نحن في صدده انه يفصل في اليوم الأخير بين أحبائه واولئك المعدين للعذاب الأبدي.

كل فكر الكتاب ان الدينونة في اليوم الآخر، في انقضاء الأزمنة. ما العلاقة بيننا وبين الرب قبل انتهاء الدهور؟ ما معنى انتهاء الدهور؟ لن أغوص على هذا الآن اذ ليس من انقطاع زمني بيننا وبين الألوهة. ليس من انقطاع بيننا قبل الموت. ونحن في مواجهة دائمة. لن أبحث اذًا في الأزمنة. زمان الرب حضوره. الله يفحصنا في كل حين ويفرق عن الذهب المعادن في البوتقة الذي يجعلها على نار تمحيصه.

هذه الرؤية الإلهية الخارجة عن الزمان تريدنا الكنيسة ان نكون فيها قبل ولوجنا نطاق الصوم المطل علينا بحب إلهي كبير والحب هذا يمحصنا ابتغاء النقاوة اذا قبلناها.

المواجهة مع الله استنطاق وحكم. والسؤال الوحيد على لسان الرب هو هذا: «ماذا فعلت بأخيك»؟ هل أحببته؟ هل قتلته؟ ألا يقول الله لك: هل اذا قتلت أخاك تكون قتلتني واذا أحببت أخاك تكون أحببتني.

يقول لك الرب: «اني جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني» الى ما هناك من أسئلة متشابهات. علاقتك بي علاقتك بالآخر. أنت لا تعطيني شيئا. انا معطيك. وأنت لا تؤذيني إذ لا يعنريني فساد ولا تنقص مني شيئا ان أهملتني. لا تسربلني حلة ضياء ولا تنشر علي ظلالك فأنا نور الى أبد الآبدين. لا تميتني وانا القيامة والحياة. انت ان أعطيت الآخر تعطيني به. انا في مخلوقاتي. كلي في مخلوقاتي.

يقول السيد لكل منا: لما انصرفت عنكم الى الآب تركت لك اخوتك الذين هم إخوتي. وجه كل واحد منكم صورتي. اذا اعتبرت هذه الصورة جميلة تراني انا جميلا واذا استقبحتها تكون قد استقبحتني.

#    #

#

لا تقدر ان ترجئ توبتك حتى ساعة موتك لأن التوبة لا تتحكم بها ساعتك ولا ييسرها لك أحد وليس فيها إنجاز. قد ينقض عليك الموت وانت سلمت نفسك للبشاعات الروحية الكثيرة والكثيفة.

واذا صرفت نظرك عن الموت وعشت لحظة بعد لحظة يدينك الله متى لقيك اي في كل حين وقد تبيد برؤيته وانت لا تستطيع ان تحجب عنه ذاتك لأنه فيك مهما فعلت وهو لا يحتاج الى عرش من ذهب يستوي عليه ليفحصك. لأنه يخشى عليك مصيرك يستبق الدينونة الأخيرة وتعذبك رؤيته ويحل فيك الخوف من عدم انعطافه ويخفي عنك قلبه وقلبه سره الكامل.

الله ديان في كل حين لأن وجهه في كل حين اليك ويريد المحاكمة مرة ومرتين ومرات حتى لا تغنج ولا تتكل على مرات قد لا تعود. هو لا يقبل اجتماع الذهب والمعادن غير الثمينة لأنه يريد الثمين الخالص. وهذا ما سماه هو الكمال وتلمسا للكمال خطوة خطوة رتبت الكنيسة الصيام موسما للتقشف وضبط الرغبات والانقطاع عن استلذاذ الدنيا طلبا للفرح الالهي.

وحتى لا يظن المؤمن انك قادر ان تنكب على الله دون انكبابك على الانسان جعلت محبتك للقريب مقياسا لطاعتك للرب فارتضى المسيح ان يتماهى مع الانسان تماهيا كليا فاذا أحببت هذا تكون أحببت ذاك ولا يفصل في كيانك اللاهوت المتنازل عن الناسوت المتصاعد ليتكامل في نفسك لاهوتك وناسوتك على صورة ما هو الحاصل في المسيح.

اختلاطك بالآخر دنوك من المسيح والآب في الروح القدس لتحل السماء على الأرض بحلول النعمة عليك ولا تقيم الهوة بينك وبين المخلوق الآخر لئلا تتيه. التماسا لهذا التلاقي بين الناسوت واللاهوت اسهر دائما على الانسان الآخر فيحس المسيح انك له.

#    #

#

الى هذا لا تقع في خطيئة الغفلة. لا يحاسبك الرب فقط على ما تقترف ولكنه يحاسبك على الغفلة، على الإهمال. ان لقيت جائعا فاطعمه لأنك تكون قد أطعمت المسيح. وان رأيته عريانا فاكسه اذ تكون قد كسوت المسيح وان لم تفعل تكون قد تركت المخلص عاريا.

إهمال الآخر يستفظعه الرب كاقتراف خطيئة. انتبه دائما الى أخيك ولا ترجئ الانتباه. قد يكون في حاجة اليك في الآن الحاضر وليس في الآن الآتي. هكذا الصوم. لا نصوم اليوم ونهمل صيامنا في الايام المقبلة. شيء من خلاصنا قائم على الاستمرار. ليس من انقطاع بين الصالحات. الدوام على الخير جانب من جوانب المحبة.

ادخل الصيام بإقبال وتجنح وهمة حتى لا تحسب بين الكسالى ولا تدان الهنيهة بعد الهنيهة. السماء، اذ ذاك، تهبط عليك حتى تعلنها القيامة مفتوحة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الخاطئ / السبت 19 شباط 2011

ان سألت أي انسان عن الخطيئة يجيبك انها تعدي الوصية. يؤتى الجواب من اعتقاده ان الله آمر ناه. هذه صورة الله الشارع والقاضي. والرب هكذا لأنه يواجه الإنسان. بما في الخالق من جوهر وما في الإنسان من جوهر بمعنى انه لا يأمر اعتباطا ولا ينهى اعتباطا ولكنه ينطلق من ذاته ليقول واذا بدا لك قاضيا فلكونه يمدّك بصفات هي فيه. انه يقاضيك لأنه يريدك على صورته، لأنه جعل بينك وبينه مجانسة. انت تخطئ لأنك اخترقت هذه الوحدة الأولى، المنشئة اياك التي جعلها الله شبها بينك وبينه.

في اللغة من أخطأ الطريق عَدَلَ عنه ومن أخطأ الغرض لم يصبه. في المصطلح الديني انت تريد شيئا أمر الله به ولا تفعله او تفعل شيئا لم ترده وانت قاصد هدفًا ولم تبلغه واذا كان الله الهدف ولم تصل اليه او لم تفلح في الوصول اليه فأنت خاطئ او آثم او مذنب لأنك سهوت عن البلوغ. انت اذًا غير منشغل بالله، غير مخطوف اليه. واذا كان حب الله هو القوة للثبات فيه فأنت ما سعيت الى المكث فيه. فلا فرق عندك بين ان تلازمه او تجانبه او لا فرق بين ان تتصل وتنفصل. فاذا قررت الانفصال او ارتضيته تحسب انك قائم بنفسك، ما لك لذاتك. لذلك كان الآثم ملحدا وضح عنده هذا ام لم يتضح. الخطيئة أقسى كثيرا مما نتصوّر. لا تأتي عرضا. هي فعل كينوني في غاية العمق والاجتراء.

الخطيئة قاسية لأن الله يتقبل بالخطيئة صفعة من الانسان اذ يقول هذا لربه بتركيب لفظي او غير تركيب انا الله. كانت العلاقة بينهما قبل سقطة آدم علاقة اشتياق. والله أمين لشوقه. اما الإنسان فانقطع عنده الاشتياق اذ «دخلت الخطئة الى العالم وبالخطيئة الموت» و «خوفا من الموت بتنا جميعا كل حياتنا تحت العبودية» اي اننا نخطئ خشية من الموت ظنا ان ما يحرّك فينا الإثم حياة لا بعدها حياة وكلما تعددت وتنوّعت وجوه الإغراء ننأى عن وجه الله فيمحى او يكاد.

#     #

#

كل إثم غرور لأنه شبع الاستكبار. في كل أحواله قتل للأنا المحبة او تجريح للآخر. الذنوب اذا خرجت تصل الى كل آفاق الكون فيهتز بامتدادها حتى التصدّع. «العالم كله تحت الشرير». والصلاة التي علّمنا اياها يسوع تقول: «نجّنا من الشرير» وكأن الرب يوحي انا في حاجة الى صلاة لا تنقطع حتى لا يسيطر علينا روح الشر ونبقى ملاصقين الرب لنعود الى الوجه الذي انفصلنا عنه بشهواتنا. المشكلة الوحيدة التي تواجهنا هي مشكلة الخطيئة. ليس المرض ولا الفقر ولا الاضطهاد شيئا تجاه وطأة ذنوبنا علينا.

ما يلفت في الإنسان الخاطئ تماسك الشهوات حسب طبيعتها فالحسد والغيرة والبغض والغضب انما هي اصول لذنوب متشابهة بحيث ان الواقع في ذنب من هذه الذنوب ينجر الى أخرى متلازمة. شهوة الشراهة ملتحمة بما هو قريب منها في الجسد بحيث ان من أخطأ الى جسده بتعبير ما يخطئ اليه بتعبير آخر. من هذا المنظار امكن القول ان الخاطئ كتلة من الخطايا او صار خطيئة.

كذلك الفضائل متماسكة فاللطف والوداعة والتواضع متلاحمة ويصعب الانفكاك الواحدة دون الانفكاك عن الأخرى واذا قوى الانسان الروحاني حسنة واحدة فيه يقوي الأخرى تشدد القوى الروحية مجتمعة قد يأتي من شدة فضيلة واحدة.

هذا قد يقود الى مسؤوليتنا في تقوية الإرادة. فيما تقرأه عند الآباء. النساك لا نرى تشديدا على ما يسمى الإرادة كما نرى ذلك في الإرشاد العصري. نرى كلاما على الجهاد الروحي اي تقديس الروح بالصلاة وقراءة الكلمة.

الإلهية والصيام اذ القضية عودة وجوهنا الى وجه الآب بعد ان تحولنا عنه. ما نفتش عنه هو تجديد الكيان البشري كله بالكيان الإلهي. فالصوم مثلا يوجّهنا الى التسامي عن الشراهة وتاليا عما يتعلّق بشهوة الجسد وعشقنا للمال المتصل بشهوات عديدة نبتعد عنه بالكرم ومحبة الفقراء.

هذه الفضائل تعود اليك اذا كشف الله وجهه اليك. وضم كيانك كله اليك وأنزل عليك جمالاته مجتمعة فتكون فيك مجتمعة اي يصير كيانك شبيها بكيان الله.

#     #

#

هنا تعترضنا فكرة الندم. التوبة اقوى من الندم او من الحسرة اذ لا ينبغي ان نفكر كثيرا في ما مضى الحزن الشديد على الخطيئة اذا مضت والتركيز عليه كثيرا يعيدنا الى الخطيئة. اما التوبة الحقيقيّة فهي انطلاقة دائمة نحو وجه الله ونقاوته من جهة ونحو المستقبل الذي نطلب ان نتجدد فيه بالنعمة.

التوبة التي هي تجديد فكرنا وقيمنا تجعل لنا سلوكا قويمًا يهبط علينا من علُ. سرها قول الرسول: «صلّوا بلا انقطاع» اي استردوا افكاركم الى الله بتبني فكر المسيح وهذا يحصل باكتساب الكلمة واستنزالها وعودتها الى الرب بكلماتنا التي يضعها فينا بالروح القدس.

المبتغى الا نصالح الخطيئة، اي خطيئة من اي فئة. ان نبقى يقظين لئلا يتسرب الينا ضعف. كل شيء ما عدا بهاء الله استعداد للضعفات اذا اخذنا هذا المجد نكون ذائقين لبر الملكوت منذ الآن وقائمين في الفرح.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

غيرك / السبت 12 شباط 2011

كل سياسة احتمال خصومة. كل تكتل مجتمعي يحمل بذرة سياسة. الكتل إبراز بشر اي إبراز للدنيا والدنيا وما فيها الى فناء. والنظام الطوائفي هو بحد نفسه تهيؤ لصدامات لأنه يعني الأنا في ديمومتها تجاه الأنا الأخرى وقد تنتهي مقابلة الأنا السياسية بالأنا الأخرى اذا سقط حائط العداوة بالحب.

التاريخ وظلمه يفرزان رؤية عندك للكتل الأخرى لأن الجماعات تقرأ نفسها والأخرى من إحساس مجروح اوجامع وتفخر فتتشنج او تسترخي حتى المحضونية وتتمايز فتغنج فتتسلط. كل لعبة التصدي او الذوبان لا مهرب منهما ليستقيم وجه التلاقي بين الناس على صورة من الصور.

في بلدنا نقرأ الآخر من تاريخنا المشترك او الزمن الذي تريده في الآتي وقد تأتي قراءة الآتي مما نشتهيه وفق العلاقات التي ورثنا او التي نريدها. نقرر المستقبل حتى مشتهانا في الحاضر وصورة المستقبلات هي ما ينفعنا اليوم، ما يعززنا. كل تعزيز لفريق لا بد أن يؤذي الآخر او ينتقص شأنه او يحجم ماضيه. لا بد من انثلام في وقت ذهب من اجل الافتخار اليوم وبلا افتخار تتوحد بالآخرين.

من الصعب جدا ألا يكون عند اللبناني رأي في الطوائف ذات الأهمية السياسية لأنه يريد مصيرا لنفسه وسط  هذه الجماعات . اي لأن لهذه الجماعات وزنا في تقرير مصيره فمنها يأتي وزنه ولذلك يريد  ان يعرف وزنها ازاءه وفي الكتلة الوطنية كلها. خطر التحليل لرؤى الطوائف الأخرى انه غالبا ما أتى من المؤرخين وعلماء الاجتماع حصرا فيرى مثلا المؤرخ كمال الصليبي ان استعلاء الروم الأرثوذكس على الموارنة هو التعبير عن ان اهل المدن او التجار يحسون انهم اعلى من المزارعين. هذا اولا تجاهل لكون المزارعين الكبار بينهم اغنياء كثر. المجموعات المسيحية كلها فيها عدد من الفلاحين والأهم من هذا كله ان الدكتور الصليبي يرى التعصّب في فريق واحد والأخطر من كل هذا ان هذا المؤرخ البارز لا يرى الحشو الكاثوليكي في عقول الذين انضموا الى الكرسي البابوي  من مسيحيي الشرق.

#      #

#

التكثيف العقدي يكفي وحده احيانا لفهم ظواهر التشدد في هذه الطائفة او تلك.

مع تقدم الحركة المسكونية اعني حركة التقارب الروحي بين المسيحيين وهي لا علاقة لها بالوضع السياسي نرى ان ما سمي استعلاء طائفة على طائفة صار باطلا لأن الاتحاد بالمسيح طغى على كل اعتبار والوحدة باتت حسا عالميا والشعب العادي لا يفهم لماذا يستمر هذا الانقسام وهو لم يشارك فيه.

ان هذا التلاحم الرعائي هو النظام وهو ليس موجها ضد احد وهو ليس تلازما بين قبائل وقبائل ويفرح كل المسيحيين بالبهاء الطقوسي والالتماع اللاهوتي عند مسيحيين آخرين والعالمون الأعماق يسعون الى ما هو اعمق حتى يمنحنا الله الانصهار الكامل.

واذا نظرنا الى تقارب الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس ناهيك عن اللحمة شبه الكاملة مع الإخوة السريان يتبيّن ان الكثير من المجد قد أطل علينا جميعا حتى يجمعنا الله في نعمته الكاملة.

اذًا ما جرى في الصف المسيحي على الصعيد الروحي حطم الحواجز التاريخية وأنهى التعليل السوسيولوجي ليظهر ان روح الرب لا يحتاج فعله الى عوامل تاريخية لأن النعمة فاعلة بحد نفسها.

والنعمة تخترق جميع المجموعات الدينية اذا كشف الله مشيئته وهو غير مقيد بنصوص. بكلام آخر لا بد ان تبطل رؤية المسيحيين للمسلمين والمسلمين للمسيحيين  على انه لا اختراق روحيا بينهم. وهذا يبدأ بالبسيط. بتنقية كل واحد منا من الأفكار المسبقة عن الجماعة الأخرى بدءًا من تطهر الذاكرة الجماعية. لا ينفع مثلا ان نذكر ما فعله المماليك بالمسيحيين . انهم لقد  أبغضوا الشيعة بالزخم الواحد. وينفع كثيرا ان نفرح بالفن المملوكي العالي. اخطأ البشر كثيرا ونخترق بروح الله الساكن فينا ما افسده البشر. لا نحمل السنة وزر المماليك او وزر العثمانيين كما لا نحمل المسيحيين المشارقة وزر حروب الافرنج. لا معايشة بلا غفران ولا حاضر  اذا تذكرنا معاصي آبائنا.

لن نعرف قوة الغفران الإلهي فينا اذا استمررنا ان نقول عن الدرزي هذه طبائعه والسني هكذا الخ… لا شيء يتجمد في الزمان ولا شيء يدل على ان طبعك يتجمّد بسبب من عقيدة. بدل رأيك في انسان لا مسته النعمة واخرجته من تصوراتك لجماعته. بعض من جماعته يصبح مقرا لله. صورة الجماعة التاريخية تنكسر  احيانا وتتخالط الجماعات تخالطا روحيا اذا أراد لها عمادة بالروح لا بالماء.

الوطن له ان يصبح  جماعة جديدة لا ترث الماضي او ترثه قليلا. الوطن يمكن  ان يتجلى.

التجلي في العلاقات الشخصية حاصل كثيرا. هذا يعني ان نقتنع بقيم واحدة لجميع الناس. اجل كل القيم موحاة من التراثات الدينية. ليست القيم قائمة بالقوة نفسها في كل الديانات ولكنها تعلمنت جيلا بعد جيل . ما من شك ان تعدد الدين موروث قرآني بمعنى ان الله يريد هذا التعدد. انت لك ان تعيد المسلم الى فكرة التعدد ولو لم يمارسها بقوة في حالة سيطرته على الحكم.

على هذا المثال، فلسفة الثورة الفرنسية التي قامت ضد الكنيسة الكاثوليكية في تبنيها للحرية والمساواة والعدالة. هذه الكلمات جاءت مباشرة من الانجيل ولو تجاهلها التاريخ المسيحي كثيرا. انت تتخذها ايا كان مصدرها. طبيعي ان تتعلمن القيم بسبب من الفتور الديني او هبوط المستوى الكنسي.

تنشأ، اذ ذاك، عندك مجتمعات مدنية في ظاهرها التعبيري ناشئة من ايحاء ديني وتبقى الجماعات الدينية على أصولها ونظامها وهيكلياتها ولك ان تقرأ النص الديني كما تشاء وان تتقبل فقهه كما تشاء.

الواقع ان هناك فروقا بين الأديان كبيرة وانها تترجم في الطبائع والعقليات وتفاصيل معايشة. مع ذلك هناك تحرك نحو عقليات متشابهة ذات طابع مدني تقرب بين المواطنين بينها مباينات. هناك شبكة سلوكيات تنتج وضعا موحدًا او شبه موحد تتم فيها اختراقات مجتمعات صغيرة لمجتمعات أخرى في حلم مجتمع يربط الجميع.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المريض / السبت 5 شباط 2011

المرض ان لم يصبح موطن كشف يبقى تلفا في الكيان. غير ان له ان يفصح على انه طاقة انتقال من الانحدار الى لقاء الرحمة فتعرف ان ما بقي فيك معطى لأن فيك ما يقر وفيك ما يذهب وانت في انتظار. هذا نعيم الاسترحام وليس عذاب الحيرة. ولا تسترحم الا بعد ان يرحمك العلي. وهذا اخذ منه وقبول من لديك ليقوى التوق اليه.

ان كنت تؤمن بالنعمة ترى كل شيء. فيما انت تطلب الصحة تكافح لاستعادتها لاحتسابك انها علامة السلامة. ولكن السلامة ليست فقط عافية الجسد. بدءًا ما نستطيع تأكيده هو ان ثمة دائما تلفا ما يمكث ظواهر فينا وخفايا حتى يضع الله عليك قبضته كلها.. لذلك كانت علاقته بهذا المريض تختلف عن علاقته بذاك لأن التلف ليس واحدا عند الكل ما يلون عطف الله تلاوين مختلفة وقد يكشف هذا للسقيم فرادة الصلة بينه وبين ربه ومع هذا نعرف اننا قادرون برضاه ان نتلقى جميعا رحمته العظمى.

هبوط القوى محنة قد تصبح أزمة. وذلك ان الانسان يطلب الحياة كما عرف عنها. ما الحياة حقا؟ هناك حادثة شفاء في الإنجيل اذ أتي الى يسوع بمشلول والحاملون المشلول انتظروا من السيد الشفاء. هذه كانت فقط رغبتهم. للوهلة الاولى لم يكترث المسيح لهذه الرغبة فقال للمخلع: «مغفورة لك خطاياك». هل كان حاملو المريض في واد ويسوع في واد. هم يريدون شفاء بدن. وهو يريد شفاء كيان واسترجاع الكيان الساقط يكون بالتوبة. يكون المرض شيئا مباركا اذا قادك الى التوبة.

# #

#

يمكن ان تكون الوعكة معراجا الى تأمل الوجه الإلهي. هناك سلامتان: سلامة صغرى وسلامة كبرى. اما الصغرى فمرتكزة على ان معظمنا يحس ان الجودة في خلونا من آذى الجسد لأنه هو ما يبدو مكان الوجود. والوجود معطى من فوق. وما بدا خللا فليس من فوق فتحسه وكأنه من عالم الشر. واذا سألت احدا عن صحته وأجابك في صدق عميق انا في خير فاعلم انه يعيش امام الحضرة وانه دنا من قرباها دنوًا كبيرا في بعض من الأحايين. انت ترى بنور الله او ترى بنورك هذا هو وحده الموضوع.

ليس كل مرض افتقادا إلهيا. من حصل على هذا الافتقاد جعلته خبرته -او ما سميت كذلك- في طريق القداسة ولو الى حين. من هنا ينزل علينا دعاء من اشتاقوا الارتقاء حتى لا يبقى الوجود بدنا اذ المهم ان تأخذه الروح المتقدسة لتقيمه في الكيان.

للمريض شرف في الانجيل عظيم اذ يقول يسوع: «كنت مريضًا فعدتموني» كما قال «كنت جائعا فأطعمتوني». ليفيد انه لابس كل من أصيب، مندمجا به. هذا المرمي على فراش الألم ليس وحده مصلوبا. رفيقه هذا الذي الذي شُلح على الخشبة وسُحق تحت أقدام البشرية الظالمة وكأن الناصري يقول لكل من هوت صحته: انا معك لأرفعك الى الأقداس، لأشدك الى روحي، لتصبح شيئا غير البدن المبتلى، مقيما في الاسترحام لتسلك درب القيامات حتى تكتمل قيامتك في يوم يعينه الله بحكمته اذ ينزل عليك نعمة الموت لتنفتح فيه النوافذ الى النور. هذا وحده يضع حدا لنفاء الصبر. لا يزول التمرد حتى نقول للآب: «لتكن مشيئتك». اذ ذاك، يقيم الروح القدس في كل ثنايا قلبك ويبدأ الفهم.

الألوف المؤلفة من المرضى في العالم تحملك آلامهم ان انت بت واحدا منهم لأنهم واحد في الابتلاء والكثر منهم واحد في الشفاعة لأن الله مع المسكورين. انهم الممتازون في امة الله والمختارون في حبه. الذين مرضوا وصابروا وجاهدوا فزادهم الله حبا له هؤلاء يعدهم للمجد اذ لا شفاء قبل بلوغنا السماء.

في هذه الرؤية لا معنى للسؤال لماذا وقعت. اثناء المحنة وعند استعادة العافية بمعناها التقديسي تدرك كيف مارسك الله وكيف اتحد بك وانت في ما حسبته الهاوية ولم يكن من هاوية.

#    #

#

كل انسان مريض النفس ومنذ مولده ينتظر المعطوبية. هذه التي تتسم يها طبيعتنا في جانبها الجسدي والمعنوي لأنك في العطب تنمو في طريقك الى الموت. المعطوبية في يومياتنا تعني الهشاشة. هنيئا لمن اعتبر نفسه هشا. ربما كان في ذلك عبرة تواضع او أمثولة معرفة نتدبر فيها أمورنا فننجح ونخفق في حدود المحسوس.

اذا نظرت الى الانسان كاملا أراه مجروح النفس الى جانب هزالة البدن. بنكتة «مهضومة» قال لي أحدهم: «كلنا مجنون بدءا من نسبة ثلاثة بالمئة. ولما قرأت التحليل النفسي فهمت ان ليس من امرئ يخلو مما يسمى العصاب névrose. انت قبل الخامسة ان كنت ذكرا تتعلق بأمك في عقلك الباطن تعلقا يراه فرويد مرضيا اذ تنشأ مع عقدة او في عقدة ويؤثر هذا فيك طوال حياتك. معنى ذلك ان ليس من انسان سليم على صعيد النفس. عقدتك تبدو للعارفين الآخرون يحسبونك سليما ولكنك لست بسليم. الدنيا اذًا مصح مختلين وعلينا ان نتعايش ونحن جميعا على اختلال بطريقة او بأخرى.

هذه الانسانية المجروحة بلا استثناء واحد هي بشريتنا التي نحب على محدوديتها وسقطاتها ودموعها. بالعلم، بالطبابة وبخاصة بالتضحيات والتكريس لنا ان نصير الى أحوال أفضل والمهم في البذل ان نقدم أنفسنا اولا لفقراء المرضى المتروكين في بلدان كثيرة وغير المضمونين والمحرومين الدواء.

البشرية اذًا في حالة استشفاء دائم وفي حالة صلاة ان بقيت على الرجاء. المستقوون بالرب يرعون الضعاف فيشتد المعطي والمعطى. في هذا النضال لن ننسى اخوتنا المجانين والمعوقين النفسانيين الموعودين بالشفاء احيانا ولكنهم لا يعرفون انهم واحد في الأصل.

المهم الا ينقبض الموصَب ليبقى في وضع العطاء لأقرانه والمدعوين أصحاء ليتم اكتمال البشرية. بصلاتها وحبها. ان ازدياد الأتعاب فيها لا يعني بالضرورة انتقاص وجود. تدهور البشرة ليس بشيء. انفراط الكيان هو وحده المصيبة. الموت نفسه ليس الكارثة. هو انحجاب وجود اذ النهاية القيامة من بين الأموات وبها التعزيات أثناء فتك المرض حتى هذا الذي يتراءى لك فيه الموت. المفاضلة ليست بين جياة وموت. انها الخيار بين انقباض الكيان وانتشاره حتى يصير الله كل شيء فيك. فتعليه فتعلو به. ولا تبلغ هذا المقام الا اذا عاونك الفقراء والمرضى وهم اخوة يسوع الصغار.

#     #

#

لماذا اهتم يسوع بالمرضى ذلك الاهتمام البالغ الذي يضطرك الى وصفه بشرا مبشرا ومقترف عجائب وكأن الكتاب يقول تعريفا عن خدمته الشاملة: «وكان يسير في الجليل كله، يعلّم في مجامعهم ويعلن بشارة الملكوت، ويشفي الشعب من كل مرض وعلة فشاع ذكره في سورية كلها، فجاؤوا بجميع المرضى المصابين بمختلف الأمراض والاوجاع من الممسوسين والذين يُصرعون في رأس الهلال والمقعدين فشفاهم» (متى 4: 23و24).

ما كان دافع يسوع الى اقتراف المعجزات؟ «ورأى الجموع فأخذته الشفقة عليهم، لأنهم كانوا تعبين رازحين، كغنم لا راعي لها» (متى 9: 35و36).

انت تتقبل الحنان الإلهي في حالة التدهور الصحي وحالة النهوض لأن المهم احساسك بمرافقة المخلص اياك. همك ان تعرف اذا جاد الله عليك بالافتقاد وآتاك بالقربى كل شيء غير قرباه هو من هذا العالم.

هل حلت القربى، ربك يعرف. المؤمن ينتظر الدينونة. ايمانه الا يدان. اكثر من ذلك. ايمانه الا يستحضر الى المحكمة خشية ان يدان لأن حياته ان يُجعل في الحضرة اذ يقبل لومها ويخشى إماتتها. لذلك يصلي.

كل هذه الخواطر تعبر المريض. قد لا يكون السليم في مثل هذه المواجهة فيظن نفسه مرتاحا. هل يحمل المرضى نعمة التفكر اي نعمة الجدية؟ ماذا تعني «لا تدخلنا في التجربة»؟

ما من شك ان الضعف الجسدي ان كان شديدا يضعنا امام خوف الموت. هذا الذي خافه المسيح نفسه. الموت جدي وانا عرفت من لا يخشاه من اولئك الذين آمنوا بقيامة يسوع.

متى تقيمنا يا سيد من وطأة الخوف؟

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

دعاء من أجل لبنان / السبت 29 كانون الثاني 2011

هذا البلد، بلدنا، ربي، بين يديك. ارتضيناه، جيلا بعد جيل، لحياتنا. ولكن سر إجماعنا عليه اننا آمنا بنعمتك عليه ونحن نؤمن انها باقية عليه ان نحن اطعناك وأطعناك أمة واحدة لنشهد للعالم على اننا، على اختلافنا في ما ورثناه من ذاكرتنا الجماعية نحن مؤهلون، بنعماك على الايمان بك، وسنسعى مع الصابرين القديسين ان نتمم ما يرضيك.

قادنا التاريخ الى تلازم العيش على هذه البقعة من الدنيا ووثقنا بعد صراعنا الأرواح الشريرة التي في الجو انك تريدنا الا نهجر هذه الأرض استرحاما لأولادنا. لقد عشنا زمنا مديدا على جراح وعلى تضميد جراح. اغفر لنا كل خطيئة قادت الى جرح آخر وتغاضَ عن إغفالنا له. ولعلنا نسينا ان اثم الغفلة عظيم. قد يكون الصغار الصغار اعظم في عينيك من الكبار علّم الأكابر انهم واحد مع الأصاغر. أدعو ايضا من اجل المستكبرين الذين لا يعرفون انفسهم اذلة. على جهلهم هؤلاء هم لك ايضا فالقبيح عندك كالجميل اذ لا تستقبح انت ايضا من تاب.

ليس احد منا قائما بقوته. انت القدوس والقدير وحدك. المخدوعون بقدرة عقولهم وكيدهم وضمهم كل آفاق الدنيا الى شهوات صدورهم ارحمهم هم ايضا وأعدهم الى التواضع الذي ناديتنا جميعا به حتى يسكنوا اليك ويستمدوا منك طرق سلوكهم عسانا نحن التائبين اليك نضم الجميع الى حنانك. نجنا من الدماء يا الله اذ خشيتي ان تبغض قاتلي البلد ولا تغفر لهم. والأعزة عندك محتقرون في هذه الأرض.

قد همس الشيطان في آذان الكثيرين وقد سمعنا القليل او الكثير من هذه الوسوسات وصدقناها. قد يظن اهل الحل والربط ان في ايديهم الحلول لأنهم يؤمنون بذكائهم. لست انا ديانًا لشعبي فإنك جعلت الدينونة بين يديك. وليست نيتي ان اقول ان بينهم اغبياء ولكن كل منا يفحص عقله وقلبه يرى ان كان بطريقة او اخرى انقاد الى شيء من الغباء وأسهم في دمار هذه البلد.

#          #

#

انت رب لكل طوائف هذا البلد. كلها باللسان موحدة والقلب انت تعرفه. قوم قلوبنا، طهر نياتنا لنعبدك مما من القلب ينضح على اللسان فنستقيم.

إسلام العالم سيبقى بعد ملايين من السنين. وسترى الطاهرين منهم لك. وإيماني انك ستحفظ المخلصين من المسيحيين حتى نهاية الدهور. كذلك ايماني بأن جمع الشعوب في ملة واحدة ضرب من الخرافة. وما يؤنسني يقيني ان الانسان له ان يحب من اختلف معه في المعتقد وتقاليد المعتقد وما تحول منه الى جماهير حضنته كما تشاء او كما قدرت. كذلك يقيني ان بيننا عقلاء كثيرين يحافظون كل منهم على ما استلم من ربه وما خذله. ليست القضية ان يجتمعوا حول مصالح هذه الدنيا في حكمة هذا الدهر ولكن حسب الحكمة التي توحيها -انت لهم في قلوب منكسرة- لا تبح يا سيد لأحد منا اي نوع من الاستباحات ولا اي شعور بالاستعلاء ولا اي تنطح للسلطة ان كان حقا قادرا على الحب وعلى اجتماع المحبين لإعمار لبنان فكرا وعملا.

هذا طبعا يقتضي ترتيبا لأمور تبلغ احيانا ذروة في التعقيد ولكن هبنا الا نعقد الأمور استكبارا او طمعا في التسلط. حبهم لك يعني في ما يعني انه لا حق لأحد باسم الدين او المذهب ان يقود هذا البلد وحده وممنوع على اية طائفة ان تربط كرامتها بهذا المنحى او ذاك من السياسة. هذا يطرح مسألة الطوائفية التي ارجو ان تسمح لي بالا اجعلها بعضا من دعائي. هذه لن تذهب الا بدوس قدميك لها.

اما الطوائف فلا يهمك ان تكون مكونة فقط من اجساد. انت ترى وجوها جميلة في كل تكوين تاريخي ومن كان جميلا لديك يتعاون ومن تستحسن من كل صوب، لذلك ترتكب معصية ضد الانسان تلك المجموعة التي تعتبر نفسها الأبهى والأفعل والأبقى. «كل جمال عشب وكل جماله كزهر الحقل. يبس العشب، ذبل الزهر لأن نغمته الرب هبت عليه. حقا الشعب عشب» (اشعيا 40: 6 و7). وفق كلام نبيك أقول كل طائفة عشب. واذا قالت كلمتك تكون او الأحسنون فيها يكونون. وانت تتمجد فيهم ولا تنظر الى امكنة صلاتهم بل الى صلاتهم.

#            #

#

ليس مرادك ربي ان تلقن اللبنانيين فقه السياسة. هم خبراء في هذا الحقل، علمهم الصدق اولا والا ينتقصوا من مجد الجماعات الأخرى لأن كل مجد زائل كعشب البرية. هم يفرحهم كثيرا انهم يتقنون فن إدارة البلد. ولكن قلة منهم تعلم ان الله ليس حليف اي مكون مجتمعي في هذا البلد لأنه فقط حليف من احبه.

ولعل افضل إلهام يحتاجون اليه ان عشق المال باطل وانه كان خراب البلد في مرحلة ليست ببعيدة. قلت هذا لأني رجل طاعن في الشيخوخة ورأيت ازمنة اجمل. انت قادر الآن ان تجعل الأيام الآتية اجمل من كل ما مر علينا من ايام.

عالجنا يا رب علاجا سريعا لأننا مشرفون على الموت الروحي. من زكى نفسه لأي سبب سياسي بتحليل يعتبره صحيحا وقتل نتيجة تحليله هذا مآله غضبك.

ارحمنا يا رب ارحمنا لأننا لما جرحنا البلد اخطأنا اليك وهذا هو الموت الكبير. توبتنا اليك تسوقنا الى ان نتوب الى الآخرين والى ديمومة لبنان لخدمة بني الانسان. آمين.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

بناء الكنائس في دار الإسلام / السبت 22 كانون الثاني 2011

سأرى الى هذه المسألة في جانبيها النظري والعملي منذ بدء ظهور الإسلام. جاء في التنزيل: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيَع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا» (سورة الحج، ٤٠). يقول الله هنا ان البيع وهي الكنائس يذكر فيها اسم الله. هذا موقف من المعابد المسيحية ودي.

عند الفتح لدينا العهود العمرية التي تنهي عن هدم الكنائس في الكلام الآتي: «هذا ما أعلن عبد الله عمر، أمير المؤمنين، اهل ايلياء (هذه كانت التسمية الرومانية للقدس)، من الأمان. أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم. ولا يضار أحد منهم…». وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين.

وهذا طبعا يتمشى مع اعتبار التنويع الديني قصدا من مقاصد الله: «ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة« (هود، ١١٨) بحيث لم يشأ الوحي أن ينصهر الموحدون في ملة واحدة على قول الوحي: «ورضيت لكم الإسلام دينا». وقبل نزول هذه الاية لم ترد كلمة الإسلام مرة واحدة بمعنى ان اهل الاسلام هم حصرا الذين اتبعوا رسالة محمد. واذا كان اليهود والنصارى يصلون على طريقتهم فهذا يفترض اماكن تجمع لهم للصلاة. وفي حال اعتبر عمر ان العهد الذي اعطاه اهل ايلياء عهد الله أفهم من هذا انه لا يتبدل بتبدل الأزمان.

فيما كنت اتأمل في هذا سمعت منذ ايام معدودات ان دولة المغرب تمنع بناء كنيسة فلم أفهم القصد من ذلك اذ ليس في هذا البلد الطيب شقيق مواطن مسيحي واحد. من يخشى المغرب في حالة الفراغ الكامل من المسيحيين؟

المملكة العربية السعودية تحرم تحريما قاطعا بناء كنائس ربما استنادا الى حديث شريف مفاده ان لا تجتمع ديانتان في الجزيرة. ولست اظن ان المملكة تمنح جنسيتها لغير مسلم. فالمنع يقع تاليا على المسيحيين الأجانب الذين يقصدون المملكة للارتزاق. غير ان دولة الإمارات تشاد فيها كنائس بمعرفة السلطات وإذنها. وبهذا تكون اجتمعت غير ديانة في جزيرة العرب.

في هذا الاتساق نشرت “لجنة العمل ضد عدم التسامح في البلدان الاسلامية” في 17 كانون الثاني 1997 في باريس لصالح المسيحيين المميز ضدهم (وهذا تعبيرها) في المملكة العربية السعودية طالبين من السلطات منحهم الحق لممارسة دينية موافقة لإيمانهم الحق في المجمعات للصلاة.

بعد هذا التداخل نشر الشيخ أبو بكر جابر (أو الجابر) رئيس قسم الدعوة الاسلامية (انقل عن الفرنسية) في جامعة المدينة في لموند (20 /8/ 87) ردا أهم ما ورد فيه ان المملكة العربية السعودية ككل يعتبرها الاسلام مسجدا لا يمكن ان تجتمع فيه ديانتان.

في زمن هذه المناقشة الصحافية كان في المملكة ثلاثمئة ألف مسيحي من العرب والهنود وغيرهم قصدوا ذلك البلد للارتزاق وربما بلغوا اليوم عددا أعظم من هذا. فالمنع من صلاة الجماعة يقع على هؤلاء وهم يتوقون ان يقتربوا الى الله حسبما يعرفون وتعرف السلطات هناك ان لا خطر منهم على الاسلام اذ “لا ردة في الاسلام”.

اليس من الممكن في احترام متبادل بين السعوديين والأجانب ان يسمح لهؤلاء بما هو الحد الأدنى من الاعتراف بحريتهم، ان يسمح بدعوة قس أو بضعة قسوس لإقامة الصلاة في أيام الآحاد او أقله بدعوتهم مرة أو مرتين في السنة أي في الميلاد والفصح لإقامة الصلاة للمسيحيين وذلك في تخصيص قاعات لهم في المناسبات؟

هذا لا يكون الا اعترافا رمزيا بوجود انسانية كامل الاعتراف بها في هؤلاء المهاجرين ويكون هذا تطبيقا للقاعدة القرآنية: “لا اكراه في الدين”.

أما في مصر فالمسيحيون كانوا يصلون حتى فترة قصيرة متى شاء لهم رئيس جمهوريتهم ان يصلوا. يشيدون معابدهم ويرسمونها اذا أراد ومتى أراد. والآن انتقلت المشيئة في كل محافظة للمحافظ أعني المشيئة المطلقة بلا شرط ولا معيار قانوني ولا سؤال عن حاجة أصحاب الاستدعاء وعددهم. السيد المحافظ مرجع نفسه. ونفسه مرجعها مزاجه.

كل جزئية في حالة الكنيسة بأمر السلطة فالترميم قد تقتضيه حالة البناء وقد يسقط على رؤوس العباد. من الترميم المطلوب مثلا ابدال حنفية ماء معطلة بحنفية جديدة. هذا يتطلب استئذانا.

للدولة المصرية الحق باتخاذ الاسلام دينا لها ولكن هذا الدين هو يقول انه لا يقيد الآخرين بحيث يبيح لهم حق العبادة ويعتبر ان الاختلاف والتعدد مشيئة الله. أنا لا أود ان اتكلم هنا على الديموقراطية وحقوق الإلسان. هذه لغة غريبة احترمها. اني أريد ان أخاطب دولة اسلامية لشعب عزيز وشقيق من ضمن المنطق الاسلامي، من سورة الحج، من ايام فجر الاسلام كما سماه احمد أمين كان أعظم سماحة من أيامنا هذه. أنا في إطار التعامل المسيحي – الاسلامي أتحدث انطلاقًا من لغة الاسلام.

لقد فهمت دولة الامارات وربما دولة البحرين بان الاعتراف بالضيف هو أولا الاعتراف بحريته ان يصلي حسب قلبه.

Continue reading