Category

2011

2011, جريدة النهار, مقالات

عيد رقاد السيدة / السبت 13 آب 2011

في التسمية المسيحية هو رقاد والدة الإله والرقاد تسمية شرقية للموت. الأموات في المصطلح العبادي يسمّون راقدين للدلالة على غلبة المسيح لموته وموتهم لكونهم محضوني الله قبل القيامة في اليوم الأخير. منشأ العيد شرقي تأسس في القرن السادس في اورشليم (القدس) حيث قامت كنيسة في الجثسمانية. وعمم الامبراطور مفريكيوس (بالفرنسية موريس) العيد على كل الامبراطورية. تبنى البابا سرجيوس الاول المتوفى في بداءة القرن السابع هذا العيد. وأعلن بيوس الثاني عشر ان انتقال العذراء الى السماء نفسا وجسدا هو عقيدة.

لم تحدد الكنيسة الارثوذكسية انتقال مريم الى السماء عقيدة. واللاهوتيون الارثوذكسيون منقسمون بين من يعتقد بانبعاث جسدها ومن لم يعتقد لأنه حيث غياب عقيدة محددة مجمعيا أمر متروك لحرية التأويل. غير ان طقوس العيد واضحة لجهة القول بالانتقال (انك انتقلت الى الحياة بما انك ام الحياة اي المسيح). ايضا في صلاة العيد: «نهضت بعد موتك لتكوني مع ابنك سرمدا». وبصورة اوضح: «ان الإله… حفظ جسمك في اللحد ومجدك معه بانتقالك الإلهي».

السؤال الذي يطرح نفسه للمسيحيين الشرقيين هو هل نصوص العيد ملزمة كالعقيدة؟ الجواب المبدئي العام ان العبادات تكشف موقفا اعتقاديا بعامة ولكن هذا لا يعني اننا قادرون ان نستخرج من العبادات موقفا عقديا ملزما ونبقى في التحرك النقدي ما لم يصدر تحديد واضح في مجمع مسكوني مؤلف من كل الكنائس الأرثوذكسية.

توفيقا للموقفين الارثوذكسي والكاثوليكي يمكننا القول ان مريم استبقت القيامة فلا تحضر محاكمة او دينونة وتقيم في المجد اي الحالة التي نكون جميعا اليها بعد القيامة الأخيرة. هذا ما ادركه القديس يوحنا الدمشقي في القرن الثامن الميلادي لما توجه اليها في احدى العظتين اللتين وضعهما عن رقادها. قال: «لن اسمي رحيلك المقدس موتا بل رقادًا او سَفرًا والأفضل تسميته إقامة. ففيما خرجت من مدى الجسد دخلت مدى أفضل».

قلت هي مقيمة في المجد الإلهي وليست مثلنا خاضعة للحكم الإلهي في اليوم الآخر. لذلك نعظمها تعظيما كبيرا. انها سفيرتنا الى السماء.

#   #

#

هي الممتلئة نعمة كما قال لها جبرائيل لحظة البشارة اي انها كانت حرة من كل خطيئة، مسلمة لله وحده ومهيأة لاقتبال كل كلمة منه. هذا ما عناه الملاك لما قال لها: الرب معك. مباركة انت في النساء«. كان هذا الكلام البدء في المسيرة الى المجد. وبدء المسيرة ان السيدة تجسد منها ومن الروح القدس كلمة الله الذي كان في البدء. سلام الملاك يوضح لمريم: «الروح القدس يحلّ عليك وقوة العليّ تظللك». ما من شك ان استعمال جبرائيل لفعل ظلل يشير الى المظلة التي كانت ترافق شعب الله قديما وصارت فيما بعد هيكل اورشليم. الفكرة اذًا، ان مريم هي هيكل الله الجديد او اول كنيسة للمسيح ولا كنيسة الا اذا أقامت هي فيها. في اول كنيسة اجتمعت في اورشليم في العلية التي كان التلاميذ مجتمعين فيها »يواظبون بنفس واحدة على الصلاة كانت مريم ام يسوع معهم« (اعمال الرسل 1: 14). اذًا، لما حلّ عليهم الروح القدس حلّ ايضًا على مريم كما حلّ عليها عند البشارة ليكون الكلمة جسدًا. رافقها هذا الروح حتى منتهى سكناها الأرض. وهذه هي الحياة في المجد قبل انتقالها الى المساكن السماوية.

لم يبقَ من حديث عن مريم في الإنجيل بعد هذا اذ بدأ الحديث عن الروح القدس في تكوينه للكنيسة. كانت العذراء ملازمة للكنيسة اذ قالت هي: «ها منذ الآن يطوبني جميع الأجيال» (لوقا 1: 48). الكلام الإنجيلي هكذا يوحي بأن الإنسانية التي تعتمد الإنجيل كتابا لها تلتفت الى البتول، الى تلك التي صنع القدير بها عظائم (لوقا 1: 49). الذين يعرفون قيام مريم في المجد يخاطبونها مستشفعين.

نظر اليها كاتب سفر الرؤيا صورة عن الكنيسة. قال: «وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها اكليل من اثني عشر كوكبا» (1: 12). الفن البيزنطي ما عدا نموذجا استثنائيا يرسمها حاملة الطفل. هي تستمد منه كل ما عندها من بهاء. ليس عندها قدرة من ذاتها. انها تعطي ما نأخذ من الرب. واذا كنت انت محبا للرب تذهب الى كل سطوعاته فإنه عظيم في قديسيه وبينهم هي الأولى. فالعلم بمريم هو جزء من العلم بالمسيح.

#   #

#

لعلّ هذا العيد مناسبة لأقول ان ما يسمى شفاعة القديسين او توسلاتهم او وساطتهم كلمات لا تلغي وساطة المسيح الوحيدة. ان الخلاص قد تم دفعة واحدة في شخص المخلص ولا يزيد عليه احد شيئا اذ ليس خارج هنا الخلاص قوة.

نحن الأرثوذكسيين لا نقبل اعتبار مريم شريكة في الخلاص. ليس من انسان يقدر ان يخلّص انسانا. ولكنا نؤمن ان اهل السماء يصلون كأهل الأرض لأن قيامة المسيح فاعلة منذ الآن والذين ذاقوها وطئ المسيح بها موتهم. الذين انتقلوا الى المجد قائمون على صلاتهم وليسوا مجرد عظم رميم. هم احياء عند ربهم اي يخاطبونه ونحن نخاطبهم ونواكبهم ويواكبوننا في وادي البكاء الذي نحيا فيه هنا. كنيسة السماء وكنيسة الأرض واحدة. والسماء ترتيل بعد لطف إلهي بالقديسين. هل يحق لك ان تقول ان السماويين صامتون وان مريم غائبة عن مجد ابنها وإخوتها واخواتها في البرارة! هي كلمة بعد ان سكنها الكلمة وبعد ان اعطى المدعوين الى عرس قانا الجليل في حضرتها خمرا ليفرحوا.

ما معنى قول بعض: أليس يستطيع الرب ان يستجيب لنا مباشرة؟ هل اذا اودعت مريم نعمة التمستها انت وانسكبت من عندها لا يكون المخلص يعاملك مباشرة. في ملكوت المحبة فوق. ما المباشرة وما المداورة؟ ألسنا وكبار الذين سبقونا الى الرحمة جسد المسيح الواحد نتعايش في الروح القدس؟

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

تجلي يسوع / السبت 6 آب 2011

الحدث الذي نحتفل به اليوم، اي تجلي المسيح مفصلي في الانجيل. قبله وفيه وبعده الجو ألم وقيامة. بعد اعتراف بطرس ببنوة يسوع لله «ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه انه ينبغي ان يذهب الى اورشليم ويتألم كثيرا… ويُقتل وفي اليوم الثالث يقوم» (متى 16: 21).

اعتراف بطرس كان في نواحي قيصرية فيليبس التي هي في التسمية الحالية بانياس الواقعة عند سفح حرمون او جبل الشيخ. بعد ستة ايام من هذا الاعتراف اخذ السيد بطرس ويعقوب ويوحنا وكانوا المقربين الى جبل عالٍ. يقول التراث انه ثابور في الجليل ولكن ثابور ليس بجبل عال. لذلك يميل بعض العلماء الى القول ان السيد لم يترك نواحي بانياس وتم التجلي على جبل الشيخ. هذا لا أهمية له على صعيد العقيدة. هناك تجلى او تغيرت هيئته كما يقول في اليونانية. ماذا يعني ان اضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالثلج؟ هنا تأتي عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية في قراءتها للنص ان هذا ان كان في وضح النهار لم يكن نور الشمس وهذا هو هو وليس فيه اعجوبة ليذكر ولكنه نور الألوهة الذي كان يسوع يخفيه في جسده وسطع ليكون كلاما مسبقا عن قيامته. وهو اذا نوع من التبؤ عن حوادث الخلاص.

توا بعد هذا نرى موسى وايليا قد ظهرا وتكلما معه. وحده لوقا يقول: «ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم». والخروج مصطلح يعني الآلام.

كما كان النبيان على الجبل ظللتهما مع يسوع سحابة نيرة واذا قرأنا هذه الكلمة على خلفية العهد الجديد نفهم انها هي الشكينة وفي العربية السكينة التي تعني الحضرة الإلهية. ومن سحابة المجد هذه سمع صوت قائلا: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا» قبل عبارة «له اسمعوا» هذا الكلام ورد في معمودية السيد التي هي، صورةً، أستباق لآلام المخلص وقيامته. هل التجلي لوحة عن المعمودية والصوت الذي سمع هنا هو اياه الذي سمع على نهر الأردن؟ هذا سؤال نقدي من حيث السرد لا أستطيع الجواب عنه. ولكن من حيث اننا نقاد نقدر ان نقول ان مضمون المعمودية ومضمون التجلي واحد وان القضية كلها من البداءة الى النهاية هي صلب المعلّم وانبعاثه من الموت واننا نحن في المعمودية نتجلى اي نكتسب هيئة جديدة كان الخالق مهيئا اياها لنا منذ الأزل.

#   #

#

رجوعا الى ايليا وموسى الفكر التراثي يقول ان ايليا نموذجا للأنبياء يأتي ليقول ان النبوءات جميعا تتحقق في موت السيد ويقول ان موسى سينتهي ناموس الفرائض عنده اذا شاهد يسوع الناصري. هما كانا في سحابة المجد المعلن للمرة الأولى بيسوع المسيح وما كانا قبله في المجد حسب قول الرب: «الله لم يره احد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر» (يوحنا 1: 18). ولكن عبارة «له اسمعوا» غير الواردة في رواية المعمودية تدعونا الى ان نستمع الى المسيح المتجلي امامنا اذا نحن كنا من المصطفَين بسبب من نعمته ومن تواضعنا، المحدقين به وحده. فان ايليا وموسى والأنبياء جميعا الذين سبقوا المعلم في الزمان ما كانوا الا ليوصلونا اليه. نقبلهم لأنهم جاؤوا بالانسانية القديمة اليه. ونقبل الفكر المستمع ليسوع والفلسفة الخادمة له والفن الذي يكشفه بطريقة او بأخرى. يبقى وحده ولا يلغي لأن كل حق وجلال آتٍ من تجليه. اي من سطوع هذه الألوهة التي فيه الى كل مجالات الحياة.

#   #

#

ايليا وموسى لم يشاهدا الله في الغهد القديم. لا «يرى الله احد ويحيا». ان جوهر الله لا يخترقه احد. لأنه يصير الله، اذ ذاك، في ذاته. ولكن الله نور لا بد من بلوغه. «فالله صار انسانا ليصير الإنسان إلها». منذ ايريناوس في القرن الثاني قيل هذا وأكده اثناسيوس في القرن الرابع كما أكده باسيليوس وعلّمه غريغوريوس بالاماس في القرن القرن الرابع عشر وثبته الشرق المسيحي مجمعيا.

هؤلاء قالوا بشكل او بآخر «ان الله فيه قوى أزلية ليست هي جوهره ولكنها غير مخلوقة فلو وهبك الله قوى زمنية اي مخلوقة في الزمان لا تكون هي اياه اي لا تكون قد بلغته» الله يمدك بأفعال له وجدت معه منذ الأزل واذا تلقيتها ترتفع انت الى الأزل وتصبح كأنك بلا بداءة.

ان كانت النعمة مخلوقة تكون من خارج الله اي لا تؤلهك. ما معنى ان النعمة تقدسك؟ ما معنى ان تصبح كاملا بالقداسة ان كانت القداسة شيئا يقذفه الله فيك ولا يكون هو من باطنه.

ان تجسد ابن الله يعني انه ردم الهوّة بين الخالق والمخلوق دون ان يصبح الله مخلوقا ولا المخلوق خالقا في الجوهر ولكنهما يصبحان واحدا في القداسة وهما ملتقيان في الأبدية. في الحياة الأبدية المكملة بالقيامة انت لست فقط وراء الله ولكنك في الله. تمشي فيه الى لا نهائيته ولا نهائيتك في اندماج الحب.

غير انك لن تصل الى هذه القيامة الا بانصلابك مع المسيح حيث تتنقى من أدران هذا العالم. «من أراد ان يكون لي تلميذا فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى» بحيث يرمي جانبا كل شهوة مفسدة وينتقي المسيح وحده. لذلك لما اختفى موسى وايليا عن الجبل لم يرَ التلاميذ الا يسوع وحده.

كل واحد منا له ان يكون شبيها به اي صالبا خطاياه كل يوم ليقوم كل يوم. بهذا التشبه يصبح شريك المسيح اي واحدا معه في محبة لا يخالطها رياء وكأنه جالس معه عن يمين الآب.

يعايش كل الناس ويمتهن اية مهنة ويحب اشياء هذا العالم بلا خضوع لها ولكن كل ثنية من ثنايا كيانه الداخلي مع المسيح او من المسيح حتى يملك معه في القيامة ويصير الله الكل في الكل.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

أقبلَ رمضان / السبت في 30 تموز 2011

رمضان شهرنا جميعا أامسكنا عن طعام أم أمسكنا عن خطيئة. لا يسوغ ان يكون المسلم في مناسكه والا نكون سندا له بالدعاء. هو يؤمن بأن صيامه كتب عليه. انت تطلب من اجله البركات والعافية والطهارة كي يصل الى الأعلى في جهاده ويفيد الناس جميعا من تهجده.

يحزنني ان يرحب بعضنا بالافطار يدعونا اليه الأصدقاء ولا تذهب قلوبنا الى الصوم نفسه اي الى هذا الإعراض عن الدنيا ولذائذها بحيث يطيب لنا تقرب المسلمين من الله ومن كرمه.

نقتبل المسلمين لأن الله يتقبلهم في صفاء عبادته.

شهر الأمانة والصيانة والتقى / والفوز فيه لمن أراد قبولا

هذه هي الصفات التي يطلبها المؤمن العميق ويعلو التكاليف الظاهرية. هي العفة عن المكاره وعند ذاك لا يبقى الا الله. وتكون مثل مريم التي قالت: «اني نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم انسيا». اذا بلغت التطهر تكون قد بلغت معراجك الى الله وهو معطيك ما تكلم الناس به او يعطيك صمتا ينقذك من فراغك.

عند خاصة المتعبدين رمضان يصبح كف الحواس عن الآثام وصوم القلب عما سوى الله. اما الصورة الخارجية البحتة للصيام فليست بشيء وما فيها غاية. خصوصية البذل الروحي في هذا النضال هو ما قاله احدهم متوسلا: «الهي وقف السائلون ببابك، ولاذ الفقراء بجناحك، ووقفت سفينة المساكين على ساحل كرمك، يرحبون الجواز الى ساحة رحمتك ونعمتك. الهي ان كنت لا تكرم في هذا الشهر الشريف الا من أخلص لك في صيامه. فمن للمذنب المقر اذا غرق في بحر ذنوبه وآثامه». «إلهي، ان كنت لا تقبل الا العاملين، فمن للمقصرين؟ الهي ربح الصائمون، ونحن عبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجد علينا بفضلك ومنتك واغفر لنا أجمعين برحمتك، يا ارحم الراحمين». تلك نافذة المسلمين على الحب الشامل.

ما الهدف من الصوم؟ النسك والإمساك والتقشف رياضات يمكنها الله الانسان بما بسميه المسيحيون النعمة وهي القوة الالهية في قلب الانسان او ما يقذفه الله في الصدر على ما يقول الغزالي. الصوم تاليا مركز على الرب نفسه ومن هنا ان الشروط الباطنة تجعل رمضان بابا من ابواب الجنة. معنى ذلك ان الهدف الحقيقي هو ان يتخلق الصائم بخلق من اخلاق الله وهو الصمدية بحيث ينعكس على الانسان نور الصمدية الالهية.

قال الامام الغزالي: «الصوم ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص». اما صوم العموم فهو التقيد بالواجبات المعروفة وهي تلخص بالكف عن شهوة الطعام والاندفاع الجنسي. اما صوم الخصوص فهو الكف عن جميع الآثام كغض البصر عما يذم وحفظ اللسان وكف السمع عن الإصغاء الى كل مكروه «لأن كل ما حرم قوله حرم الاصغاء اليه». ومن جميل قول الغزالي: «ان لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه فما من وعاء أبغض الى الله عز وجل من بطن مليء من حلال». والموصى به ان يأكل الصائم أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم.

اما خصوص الخصوص فصومها »صوم القلب عن الهمم… والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله… ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر عما سوى الله عز وجل واليوم الآخر بالفكر في الدنياالا دنيا تراد للدين».

#   #

#

اذا كان على المسلمين ان يكتبوا أدبيات رمضانية جديدة لا بد ان يفكروا في هذا المشرق ان المسيحيين الذين يحبونهم ان لم يصوموا معهم جسديا فهم قريبون منهم فاذا ارتفع كل فريق منا روحيا يرتفع الآخر معه او هذا هو المتصور. وفي عمق الاعماق لا ينظر حصرا الى العقيدة ولكن الى البشر. الهدف تقارب البشر حتى المحبة وليس فقط مقارنة العقيدتين. ما كان يسمى حوارا اسلاميا-مسيحيا كان يستهدف العقائد ولذلك لم ينجح كثيرا وكان بعض العلماء يرفضونه لعسر القيام به فأخذوا يتكلمون على الجانب الخلقي في الحوار. الحقيقة ان هناك جانبا آخر وهو تقارب الناس الذين يقصدون الله حبا ويريدون ان يرتفع الآخرون معهم. في التركيز الشديد على الله في الصيام هل ما يمنع المسلم ان يحمل المسيحي معه ولا يكون أسير السياسيات.

قد يكون التواصل السياسي صعبا للغاية لأنه مركز على المنافسة وعلى إسقاط الحق الآخر وعدم رؤيته في الوحدة الوطنية. وتعبير ذلك اني اهم منك او اكثر منك. السياسة دائما قائمة على الأنا والأنا ترفض الأنا الأخرى. كل ما قام على البشر بشري اي فيه شهوات الناس. اما اذا تجردنا عن السياسة ومصارعاتها في الدين الواحد او في الديانات وركزنا القلب والفكر على الله في رمضان دائم او في صيام الفصح نحس اننا بشر قابلون للتراص والوحدة وكأننا في المبدأ او المثال مجتمع واحد.

الصورة الخارجية التنظيمية لهذا المجتمع انه مجتمع مدني. هذا، البحث فيه جار دون تحديد للعبارة. الخلاص ان نكون مجتمعا دينيا ليس له من حيث هو كذلك وجه سياسي او اذا كان لا بد من تنظيمه يكون خاضعا لقوانين مدنية بلا ركيزة طوائفية.

المهم ان نتحرر من كل مجد باطل ولا نسعى الى ما هو الى هذا الدهر. متى يرعانا في هذا الاتجاه الرمضانيون؟

اذا كنت في رمضان من الخصوص او خصوص الخصوص حتى تبلغ الله تنظر الى عباده بنظرته هو اي انهم ابناء حسب المصطلح المسيحي. ايا كانت لغتك فإلهك حاضنك ويدعو كل محضونيه الطيبين اليه. ولست اقصد اليوم الآخر فقط ولكن شدّنا اليه في كل حين بالمراحم والحنان.

بإمساك جسدي او إمساك روحي او كليهما سندخل رمضان معا بأخوة كاملة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الديموقراطية / السبت 23 تموز 2011

الديموقراطية كلمة يونانية مركبة من كلمتين وتعني حكم الشعب. عند افلاطون هي لا تعني كل الشعب اذ كيف وأين يجتمع. اثينا في عهده كانت قرية صغيرة. مع ذلك النساء والعبيد لا ينتخبون. من ينتخب اذا كثر الشعب وظهر اختلاف في السياسة. لما انقسم الفرنسيون بعد ثورتهم جلس المتجانسون معا على اليمين والمتجانسون الآخرون معًا إلى اليسار وانطلق، مذ ذاك، ان اهل السياسة يمينيون أو يساريون. الديموقراطية، تحديدا، شعب منقسم. وظهرت الأحزاب لتعبر عن هذا الانقسام. منقسم الشعب على كل شيء الا على كونه ينتمي الى وطن واحد وله اذًا هوية واحدة. في الحرب هو صف واحد ومن خرج عن هذا الصف يعدم قضائيا.

وبعد ان ميز مونتسكيو السلطات إلى تشريعية واجرائية وقضائية نشأت فكرة ان السلطة الإجرائية أو التنفيذية لها سياسة واحدة لا يخرج عنها وزير أي انها بالضرورة حكومة السياسة الواحدة. وقد اصطلح العلماء على ان يظهر الخلاف في مجلس الأمة وهو بالضرورة ينبثق عن الشعب المختلف النزعات، المتخاصم ضرورة ويتفق ان يكون بعضه مواليا للحكم وبعضه الآخر مخالفا له.

اما الا يسلك الحكم على أساس هذه القاعدة فيأتي مجلس الأمة من لون واحد والحكومة من هذا اللون فمعنى ذلك انه ليس هناك حكومة تنتقدها وتسائلها عن مشاريعها وعن ميزانيتها وما الى ذلك. ان لم يكن خلاف بين المجلس والحكومة فهذا هو حكم الحزب الاول المقسم، ضرورة، بطبائع الاستبداد. لاهوتيا الحكم لله أي للحقيقة ولكن كيف تلتقي الاوضاع البشرية أي السياسية مع الحقيقة؟ من يقول لنا ان الله يريد هذا الوضع في المياه أو الكهرباء أو المحاكم أو رئاسة الجمهورية والمناصب الأخرى. حلها الاوربيون قبل الثورة الفرنسية بقولهم ان حكم الملك هو حكم الله. هذا يعني ان الملك طاهر وعالم وان حكمه مطابق للفكر الإلهي. ولكن الملك بشر ويخطئ. لذلك استغنت فرنسا عن الملك وضيقت عليه انكلترة حكمه بالدستور أي صار هو خاضعًا للشعب.

اذًا لماذا لا نقول مباشرة الحكم للشعب؟ في الواقع نقلنا حكم الشعب إلى الأحزاب. باتت الأحزاب الملك الجديد. الديموقراطية لم تبق حكم الشعب الذي لا يستطيع ان يجتمع كله. صارت فئات تتصارع. الأحزاب ليست الأحزاب. انها المكاتب التنفيذية أو لجان التفيذ في الأحزاب. حولنا هذه اذا الى فئات منها ولكنها اصغر منها.

وضمن المكتب التنفيذي الأمين العام أو شخص آخر هو أقوى من المكتب مجتمعا. سلطة المكتب اذًا مسلوبة لنعود إلى حكم الفرد أي إلى نوع من الملك الذي لا يقول ان سلطانه من الهه ولكن من الشعب. في مسيرة مركبة قانونية لا يحكم الشعوب الا ملوك تتغير اسماؤهم أي ان هناك دائما طغمة متجانسة صغيرة في أحسن حال أو رئيس جمهورية حسب النظام الرئاسي أي الملكي.

#   #

#

مع ذلك تحب الشعوب اللعبة الديموقراطية من حيث انها تمظهر لا من حيث انها حقيقة. السياسة الى حد كبير مسرح تتفاوت فيه الأدوار يظن ان ما يقوله لاعبوها هو الحقيقة. ولكون الديموقراطية أجمل لعبة سياسية وكلامها فيه ما يشبه الحقيقة صارت أفضل الأنظمة السيئة كما يقول تشرتشل.

السؤال الحقيقي أمام هذا هو كيف ننقح الديموقراطية؟ طريقة من الطرق ان نحافظ على كلماتها وتحركها الصوري ونلغي حقيقتها في هذه البدعة المسماة الديموقراطية التوافقية جاهلين انه حيث لا خصومة ليس من ديموقراطية. فالشعب تحديدا قائم على أخطاء ويؤمن بأخطاء. لذلك يحجّم نفسه فعليا بنظام الأحزاب والحزب  يحجم نفسه برئيسه أو أمينة العام. إلى هذا كيف تتحرك الديموقراطية التوافقية؟ اذا كانت الحكومة من لون مجلس النواب أي كلاهما مجانس للآخر كيف يسائلها؟ لا يسير هذا النظام التقابلي بين المجلس والحكومة الا بالخلاف بينهما والا كانا هيئة واحدة واختلط التشريعي بالتنفيذي.

الديموقراطية تمثيل بآليات مختلفة ولكن لا تؤمّن بحد نفسها الحرية الا بمقدار كون الحرية صورة عن الخصومة. أهم من الديموقراطية اذًا الحرية. نحاول ان نجتنب ما أمكن من استبداد الأحزاب وبخاصة نحاول تأمين استقلال القضاء الذي هو الصورة المثلى عن حرية المواطنين. العنصر الأهم في حياة مجلس الأمة القبول بالآخر. هذا هو مقدار الحرية في النظام. ان تقبل الآخر واختلافه عنك ليس موقفا سياسيا وحسب. انه موقف روحي قائم على الاحترام الكامل للإنسان واعتباره حاملاً سر وجوده وسر الإفصاح عنه وهو الاعتقاد ان معايشته ممكنة دون ان تخضعه لك. هو الاعتقاد ان مجرد وجود الآخر أهم من فكره السياسي وان هذا الفكر من المعطيات النسبية.

لا تستطيع أنت ان تثبت ان الموقف السياسي من الحقائق المنزلة. انه يحتمل الخطأ والصواب أو بعض صواب. والمسعى ان تتفقا على أشياء تتعلق بترتيب البلد وكان يمكن ان يكون ترتيب آخر. في آخر المطاف تقوم الديموقراطية على احتمال ان واقع الخطأ ممكن.

#   #

#

ان تثق بالآخر شرط لاعترافك بحريته. ان تثق به هو ان تؤمن بأن الله ساكن فيه أو ملازمه ولكنه لا يلهمه، ضرورة، افضل مدقق في السياسة أو الاقتصاد. الديموقراطية افضل نظام سيء لأنها في الحقيقة مرتكزة على ان ألوهية ما تلامس الإنسان أو ان حقيقة ما تسكنه وانه -بسبب ذلك- يعمّر معك البلد. جمال الديموقراطية انك بها تلازم الذي لا يقول قولك وتسمح للخطأ ان يعبر عن نفسه إكرامًا للإنسان الذي يخالفك.

ربما آمن الملوك شخصيا بكرامة رعاياهم ولم يضطهدوهم كلهم. ولكن هذا لم يكن له أي تعبير في بناء البلد. لسان حالهم ان الحقيقة يمكن ان تبقى في الرعية، في كل فرد ولكن ليس من قرار. في الديموقراطية حياة الجماعة في قرارات الجماعة وهذا له معنى روحي في حين ان نظام الحاكم الفردي لا احترام فيه الا تصديق الحاكم نفسه أو الحاشية التي يعتمدها.

أجل لو كان القديسون الأذكياء حكاما للبلد لا يكون أي نظام مهما. ولكن القديسين لا يهتمون للحكم. لذا كان علينا في الحياة السياسية ان نحتمل بعضنا بعضا بالصبر ونتعايش بالمحبة. والمحبة ممكنة في الصراع السياسي ونزود الآخر بالحرية.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الكتابة / السبت 16 تموز 2011

الكتابة، مسكوبة على ورق، كلمات رصفها الفكر وربما القلب وإذا اجتمعا تلبس الكلمة الجمال وهنا لا يعرف أحد من أين يأتي ولكننا نعرف إلى أين يذهب. هي خبرة كيان مركب والألم في كثرة من الأحيان يعطي الكيان ولادة جديدة لله فيها قسط كبير آمنت أم لم تؤمن. ان تأدبت تأدبًا كبيرًا لا تسأل نفسك لمن تكتب. القارىء يقرأ ويلد معك أم لا يلد. أنت لست معلمًا في مدرسة الدنيا. من قرأك تعلمه نفسه أم لا تعلمه. الطفل عند ظهوره تذوقه عيون ولا تذوقه عيون. الرؤية سر لا يجيء من قاعدة. هي تخلق القواعد.

السؤال الكبير ليس سؤال العلاقة بينك وبين من طالعك. السؤال الوحيد هو من أنت أي من أين أتيت. وبعد أن تكون أتيت السؤال الثاني المزيل للأول هو كيف تنبش الكلمات من القاموس، كيف تميز بينها، على أي أساس ترصفها. من يقول لك الحق؟ من يقول لك الجمال؟

من أوجاع جئت أم من فرح أنت تقول روح الله أو روح الكون أو كليهما. إذا أخذت أول آية عند يوحنا »في البدء كان الكلمة« اي الذي قاله الآب منذ الأزل فأنت فيك نفحة إله هي تطلع بك عباراتها ولو ظننت ان عبارتك منك. طبعًا نحن أمام سر اللاهوت والناسوت. هما دائما يلتقيان ولكن لا نعرف الكيف. الله ليس إله إلغاء اذ أقر بك منذ لحظة الخلق. هل أنت نغم صوته الأزلي. فيك دائمًا ضجة ما هي ضجة بشريتك ولكنها لا تخفي السكون الذي سبت فيه المسيح عشية الفصح. السكون كان فيه طاقة القيامة ثم كان التفجر.

وكما لا نعرف حتى النهاية كيف التقى الناسوت واللاهوت في الناصري لا نعرف سر العلاقة بين النفس وكلماتها وبين هذه والقارئ. والأدب الذي لا يقوم على سر ينتهك مجرد ألفاظ مصطنعة للكبرياء.

مشكلة الكتابة انها مشكلة القلب اذا ظهر أم لم يظهر، اذا صار حكاية القلب الإلهي أم لم يصر. في الإنسان المنقى اللاهوت أقوى من الناسوت. ان لم يتجلَّ فيك ذلك تنبت »ازهار الشر« التي هي في جوهرها أشواك.

#  #

#

الصناعة الأدبية تأتي بعد الإبداع ولا فصام بينهما. وهي تسعى الى المفردة ما أمكن فرادتها والى تركيب الجملة في لعبة الجمال. ولا دور للجمال الا لكونه أساسا في التبليغ. والنفس ان لم تتحرك لا تتبلغ. والكاتب يلاعبها لأنه رسول. يسربل الكلمات جمالا لتلتزم النفس بما وراءه اي بالكمال الروحي الذي هو غاية الأديب الوحيدة. ذلك ان جلال الكلمة خاضع للحق. هذا الذي يحرر النفس وحده. ومن لم يبتغِ الحق يريد عبادة نفسه بالتلاعب اللفظي.

اذا كانت هذه هي الحقيقة يكون الأدب كله ثانويا. فكليمات قليلة، لا رنين فيها ولا جمال شكلي لها ان تصل الى النفس لأنك مفوض بتبليغ حقيقة كبرى يكون فيها بهاؤك الروحي أهم من كل ما تتلفظ به فيأتي احيانا صمتك أبلغ من القول لكون النور في شخصك ولكونه، مستقلا عن كل شيء، يحمل الرسالة.

هناك نصوص لا تشبه الأدب تنقل قداسة. ترى هذا كثيرا في أدبنا النسكي. جمل قصيرة تحركك بلا جمال او قل ان جمالها من نوع آخر. عمقها يصل الى عمق النفس بلا واسطة لفظية بهية. معطيها اعظم من اي شاعر ومتلقيها يصبح شاعرا بما يتحرك فيه. المقدِّس والمتقدّس لا يحتاج الى شفاه الشعراء.

ولكن اذا أتقنت صناعة الأدب لا بد ان تتقيّد بها وبكل قواعدها لئلا تسيء الى قدسية الكلمة فتميت فاعلية التبليغ. خذ من الحق ما استطعت. واذا لم تتمكن من ان تصير انت حقا فاقم في قدسيته الى حين لأن صدق الإقامة يصل. هناك نفع كبير ان تكون مذكرا فقد يترسخ في الآخر ما عنيته له او من اجله وقد لا يترسخ فيك الا لحين وتكون قد خدمت ويدينك الله ويعلي سامعك او قارئك. ويشفع لك القارئ عند ربك لأنه يكون قد تسامى بالكلمات التي أعارها الله شفتيك او أصابع يديك. ولن يغضب الله عليك غضبا شديدا لأنك مررت بأحايين الصدق ويشهد القديسون على انك بلَغت.

واذا أقمت في الصوغ بسبب من الصناعة فأنت في الطاعة. واذا لم تتمكن من الصوغ احترف حرفة اخرى لئلا تكون ضربت حرمة القداسة فيك وفي التبليغ.

وهناك قداسة قبل ان تتكلم وهي قداسة اللغة فان شئت ان تبلغ بالعربية فأنت مضطر ان تعاشر لسان العرب وان تكون قرأت آلافا مؤلفة من الأبيات وحفظت القرآن وأخذت الارتجاج الشعري من سفر أيوب ومعرفة النفس البشرية من آباء الصحارى عندنا ومن دوستويفسكي. وان لم تكن مستعدا لخوض هذه الحرب على جهلك لا تكتب بالعربية. هذا التلازم بينك وبين هذه الينابيع شرط تحليك بأدب مشرقي يصل الى كل عربي ويفيض منه على العالم. اذا سبحت بهذه المياه تكون مبعوث الكلمة الذي كان في البدء.

#  #

#

عليك واجب اساسي للقارئ انك ان تحبل بالنص بلا فساد لا يحق لك ان تكتب حرفا لكونك مطهر النفوس. أصبر حتى تنزل عليك الكلمة واذا حضنتها قلها. الصناعة لا تعوض عن الإبداع كما ان الإبداع لا يستغني عن أدواته. من الناس من لا يتحرر من الأنا قبل ان يفاجئه المخاض ويلد فيحس بالحرية. لا تختنق الكلمة فيك. هي تصنع مخاضها حتى تحيي العالم الذي يتلقاها. اذا قلتها تغفر لك خطاياك ويقبض الله عليك قبضا محكما.

من هنا اني لا أقدر أن أميّز بين الإحساس الأدبي والنبوءة. لعل التمييز الممكن هو ان النبؤة تصميم إلهي موضوع للخلاص وتتلقاه انت بالنعمة والشعر لعب إلهي فيك يحب الله ان يكون للخلاص وليس قاهرا كالنبؤة ولكن لا تقل لي ان الكلمة الجميلة صادرة فقط مما ورثت من السابقين. يقولها الله فيك انت ولم يقلها من قبلك لأن الله لا يجتر نفسه. في الأخير ليس الأديب شيئا مهما تكثف الجمال فيه. هو مجرد عبور لذلك الذي قال: »انا الطريق والحق والحياة«. هذا يستعيرك كما استعار القديسين الذين هم ايضا مجرد جسور له. ليس هناك كلمات كثيرة. هناك فقط كلمة كان من البدء وهو يتوهج في القديسين والشعراء والأدباء بتجليات مختلفة الطبيعة الى ان نتوب الى هذا الوهج ويبقى الوجه الوحيد الذي يلملم ما أعطى في يوم حكمته ويكشفه في الملكوت اذا اخذنا اليه. عند ذاك، نعلم اننا كنا بجمالات الكلمة ساعين الى الوجه.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

أكرم أباك وأمّك / السبت 9 تمّوز 2011

أكرم أباك وأمّك لكي تطول أيّامك على الأرض التي يعطيك الربّ إلهك« (خروج 20: 13). هذه في الوصايا العشر التي أعطيت لموسى. يذكرها بولس في رسالته إلى أهل أفسس، ويقول إنّها أوّل وصيّة بوعد، ثمّ يؤكّد أنّ من يملكونها لهم خير ويكونون طوال الأعمار على الأرض (6: 2و3). في سفر الخروج الأرض هي أرض الميعاد، موضع البركات إذ لم تكن عند العبرانيّين آنذاك عقيدة القيامة وينتهي الإنسان هنا. غير أنّ بولس الرسول إذا ذكر الأرض لا يعني بها فلسطين، ولكن المكان الذي نعيش فيه.

في العهدين لا ذكر لمكافأة في الملكوت. هي تخصيص للإكرام الذي يليق حسب الكتاب بجميع الناس (1بطرس 2: 27). هذا لا يعني أنّي أضع إكرام الوالدين تحت السؤال، ولا سيّما العناية بهم إذا شاخوا. إلى أيّ جيل انتمينا هذه تربية لنا. هذا سلوك إلى الله. إنّ الطاعة واجبة إذا من تطيعه أمرك بمحبّة الله، وأمّا إذا أبوك حاد عنه فعليك واجب الافتراق عنه لئلاّ تكون عاصيًا لربّك.

في مطلع شبابي كنت أعترف عند كاهن صالح وبسيط معًا. كان يسألني: «هل تطيع أباك وأمّك» وأنا كنت أظنّ كلامه أقلّ من عاديّ، لأنّي كنت أرى أنّ كلّ شاب مهذّب سلس العلاقة مع والديه حتّى اللطف بهما.

من أساسيّات الوجود أن يشعر الإنسان بمحبوبيّته إذ يحيا بالآخرين. من أركان الأبوّة والأمومة أن يتلقّاها الوالدان من أولادهما، ليستمرّا في رعاية بانية متحرّرين من عشق السلطة ومتسلّحين بالبذل. ووجه من وجوه تلاقينا أن نتسابق في الإكرام كما يقول الكتاب عندنا، ليعرف كلّ منا أنّه مهمّ عند الآخرين وذلك في التواضع. وإكرامنا للوالدين يجعلهما مرتاحين إلى مسؤوليّتها وناميين في اكتشافها. وإذا كان القلب كلّ شيء تأتي مولوديّتك وإيلادك لذويك فيضًا دائمًا وإحياء وإذكاء للفضائل فهذه تتوطّد بالحبّ الذي تعطيه والحبّ الذي تتقبّله. وما من شكّ أنّ العاطفة تنتشر من البيت وقد بيّن كوستي بندلي هذا في أطروحته العظيمة، إذ أثبت أنّ إيمانك بالله متّصل بثقتك بذويك، وأنّ بغضك لله أو الإلحاد ناتج من بغضك لذويك. من هنا، تأكيد الله أن أكرم أباك وأمّك. يعطيانك النشأة وتلدهما أنت بنشأة لهما متقابلة فإذا بهما والداك وابناك فيما تدور الحياة.

ربّما ساعد هذا على انعاش يمدّ بالوجود على الأرض، على قاعدة أنّ المحبّة لا تسقط أبدًا كما يقول الرسول، وأنّها تاليًا تؤثّر فينا بيولوجيًّا، كما تؤثّر في الخلاص. السماويّات والأرضيّات متداخلتان بالرضاء الإلهيّ فينا إلى أن تقبض السماء الأرض.

#  #

#

هل ينتج من التسابق بالإكرام طول العمر؟ هل طول العمر بركة كما يقول العهد القديم؟ هل الشيوخ يدنون من الله بالضرورة أم يترسّخ بعضهم بخطاياهم؟ ليس عندي جواب قطعيّ فقد يقبض ربّك على شباب ممتازين حتّى درجة القداسة. لي صديق عاش في الجزيرة العربيّة يتوجّه دائمًا إليّ بقوله: يا طويل العمر وهي عبارة لا أتلقّاها بفرح مذهل، كما أنّي لا أرفضها بسبب من المحبّة التي تغلّفها، ولا سيّما أنّي قرأت عند المعرّي «تعب كلّها الحياة»، فلماذا الرغبة في الازدياد إلا إذا كنت طامعًا بالرحمة الإلهيّة. وجميل هذا الطمع إذا استحسنت قول المزامير: «خطايا شبابي وجهلي لا تذكر». المقول إنّ العمر يقدّم لك الهدوء. هذا هو المألوف ولكنّه ليس المؤكّد.

حسباني أنّ من تمنّى لك طول العمر متعلّق بما يظنّه حسنات فيك، وأنّه توّاق إلى الاستمتاع بها. ما يتمنّاه إذًا هو أن تمطر عليه أعطياتك، ألاّ تذهب أنت قبل أن يكتمل هو بك. ربّما لهذا ندعو للأسقف أن تكون سنوه عديدة. نخشى الخلف الضعيف ليتولّى مسؤوليّة هي غاية في الأهمّيّة. وربّما إذا التمسنا الشيخوخة للمقرّبين نخشى ألاّ يكتمل نضجنا بغيابهم ناسين أنّ لله طرائقه في إكمالنا.

«إنّ الشيخوخة المكرّمة ليست هي القديمة الأيّام ولا هي تقدذر بعدد السنين، ولكنّ شيب الإنسان هو الفطنة وسنّ الشيخوخة هي الحياة المنزّهة عن العيب… إنّه كان مرضيًّا لله فأحبّه وكان يعيش بين الخطأة فنقله». (الحكمة 4: 8-10). هناك اذًا شباب متلألئ بالنعمة. ليس للتعب الروحيّ علاقة بالسنّ. فكثيرًا ما كنّا في فتوّتنا أطهر من أيّام تلت الفتوّة. لذلك الذين يتفجّعون على فقدان أعزّة لهم في مطلع شبابهم يبكون على الفراق، وقد لا يرون أنّ هذا الفراق قد يكون سببًا لمتعة روحيّة كبيرة. «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». أي إذا متنا يستردّنا الله إليه ويذوقنا هو في أيّة سنّ كنّا. وإذا قرّبنا إليه متى استمتعنا خير من أن يستبقينا في هذه الأرض الفانية المفنيّة. قرباك يا ربّ وما دونها باطل.

سيواجه الغرب بعد سنوات معدودات مشكلة الشيخوخة الطاعنة، إذ ستظهر شريحة كبيرة من المواطنين ليس عندها إنتاج، وعلى الشريحة الأفتى أن تغذّيها وتحافظ عليها، ما يعني تقصيرًا ماليًّا في البلد لا تحمد عقباه. لا مواجهة حتّى الآن ممّا يعتبره أهل الغرب كارثة. غير أنّ ما يقف أمام هذا الرعب أنّ هؤلاء الطاعنين بالسنّ قد يقدّمون لمجتمعاتهم عطاء عقليًّا أو روحيًّا كبيرًا، ولا يسوغ إهمال مداواتهم حتّى يموتوا. إذ نكون دخلنا عمدًا في إفناء الجماهير.

كيف يأتي إذًا الحل الاقتصاديّ لهذه الظاهرة، هذه ستكون المسألة، ولا بدّ من الاستعداد لمواجهتها منذ الآن. «لكي تطول أيامك على الأرض»، لا تبقى نتيجة دعاء ولا نفع لهذا الدعاء إلاّ في تلك المجتمعات التي لا يطول فيها العمر، إذا اعتبرنا أنّ هذا الطول بركة.

دعاؤنا يجب أن ينحصر في ما نسمّيه نوعيّة الحياة لا امتدادها. كيف تعلو القيم في كلّ الأجيال؟ ما برامجنا للشباب والأطفال؟ ما اهتمامنا بالمرضى، بالمعوزين؟ أين نحن من الفكر العالميّ؟ على أيّ فكر نبني لبنان؟ ما قضايا الصحّة؟ أين السياسيّون من الأخلاق؟ كيف نكافح التشنّج الطائفيّ، أي كيف ننقل أبناءنا إلى المواطنيّة اللبنانيّة الواحدة؟ ماذا نعمل لنجعل لبنان قادرًا على العيش من دون أن يخضع للخارج؟ كيف نبني الدولة الحديثة؟ كيف نساهم في العلوم وكلّ مكوّنات الحضارة مع مشاركتنا الحياة العربيّة والثقافة العربيّة؟ هذه أسئلة يجب أن تقودنا إلى نوعيّة حياة متجدّدة.

# #

#

أمام هذا المنظور، لا يهمّ طول العمر أو قصر العمر، ولكن هذا يعني أنّ من طالت أعمارهم نعمل ليكونوا شباب الروح وعظماء فكر، هذا الذي تحييه قلوب طاهرة. كيف تكون الحياة السياسيّة طاهرة ما أمكن، ولا تكون ملعبًا للأغراض الشخصيّة أو الفئويّة؟ ربّما تقدّسنا ببعض الشيوخ التائبين، الأحرار من الاهتراء، الذي هو طابع وجود الكثيرين. أجل نحيا على هذه الأرض اللبنانيّة التي وهبنا الله بكرمه وعطفه، وتكون مكان ارتباطنا بالمقدّسات ومكان تحفزّنا للمستقبل الراقي. لن نكون كمن ينتظر الموت بل نصبح مبدعين للحياة في كلّ أبعادها وعمقها.

لا غرابة في ما صبا إليه دوستويفسكي العظيم وهو أن تصبح الدولة كنيسة، أو في لغتنا اصطفاف أطهار وعالمين. هل أفقنا أن نصير وطن الله إذا ربّينا على الأجيال ان تنضم إليه أو تجيء منه لتعمير الأرض؟ ألا تبدأ السماء هنا فيتبدّد الفرق لا بين الطوائف، ولكن بين من يتوق إلى الروح المطهّرة أو إلى الروح الدنسة؟ عندئذ لا نكتفي بإكرام الوالدين ومن إليهم ولكن بإكرام الانسان الجليل والعارف.

هذا ليس بالمستحيل إذا نحن آمنّا بأنّ تغيير الأوضاع الفاسدة بين أيدينا إذ تكون صارت يد الله عندئذ.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

العنف المنزليّ / السبت في 2 تمّوز 2011

يبدو أنّنا أمام سجال سيترسّخ بين علماء مسلمين أو «دعاة» والدولة حول مسألة العنف المنزليّ، وهو وجه من وجوه العنف. يرى هؤلاء الأخوة أنّ المشروع المقدّم يتنافى والشريعة الإسلاميّة ويستندون بذا إلى طاعة المرأة للرجل. هذا هو القليل الذي قرأته في الصحف، وعند غياب النصّ الكامل الرافض لا تستطيع أن تتّخذ موقفًا، ولا سيّما إذا كنت غير مسلم. غير أنّي أتوقّع انقسامًا في البلد كبيرًا لا يفصل الطوائف وحسب، ولكنّه يفصل شرائح من الدين الواحد.

ما من شكّ في أنّ العنف لا يمارسه إلاّ صاحب القوّة. هذا يؤكّد ذاته بالوسائل التي بين يديه، بعضلاته مثلا. إزاء الشدّة يتحدّث المجتمع الحديث عن الحوار. ولكنّ الحوار ليس دائمًا مقابلة الندّ للندّ إلاّ ظاهريًّا لأنّ القويّ كثيرًا ما يبدي لطفًا ليفرض نفسه. العنف على درجاته متأصّل في الطبيعة، ولكن يجب أن يقلبه العدل والمساواة التي يريدها الله جامعة بيننا.

والعنف يشدّده القانون أو البنية الاجتماعيّة التي يفيد منها الإنسان القويّ ويختبئ وراءها. عنف الزوج مغلّف بالكلام الإلهيّ، في هذا الدين أو ذاك، حتّى يكتشف المرء عمق التساوي في الكرامة، ويختبر أنّ التراحم أقوى من القوّة البدنيّة أو القوّة بمداها القانونيّ. هنا أيضًا نعود الى الأنا. هل أنا الشرطيّ مثلاً على ما هي عليه من الظهور من الله أم أنّه قادر على التوحّش محتميًا بسلطة القانون، ويطبّقه عمليًّا ضدّ مواطن خالف بتفسير هذا الشرطيّ لتعابير القانون؟ صاحب السلطة إغراؤه أنّها له وحقيقتها أنّه تسلّمها لينفّذ سلطان الله أو قل سلطان الحقّ.

إذا عدنا إلى العائلة، تقول المسيحيّة بخضوع المرأة للرجل، ولكنّها تخفّف من حدّتها بقولها إنّ الزوج ينبغي أن يحبّ امرأته كما أحبّ المسيح الكنيسة، أي حتّى الموت. ولكنّي قلّما وجدت رجلاً يقرأ هذا الجزء من النصّ الإلهيّ، ويكتفي بطلب الطاعة من امرأته. طبعًا النصوص يقرأها البشر وإن لم يحبّوا كثيرًا يبترونها لمصالحهم.

ماذا في الإسلام؟ أوضح ما في الأمر الآية 34 من سورة النساء: «والتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ». طرحت سؤال الضرب على الشيخ صبحي الصالح رحمه الله. المشكلة أن ليس عندي بعد وفاته شاهد. قال إنّ الضرب ينبغي ألاّ يكون مبرحًا، ويؤيّد هذا الرأي تفسير الجلالين. ما يعني أنّ هذا ضرب من ضروب التنبيه، لا عنفًا حقيقيًّا. أمّا السيّد محمد حسين الطباطبائيّ فيمرّ مرور الكرام على الضرب، ويعتبره وسيلة من الزجر أي ليس عندنا في سورة النساء ما يسوغ فهمه على أنّه عنف. وما أفهمه أنا تلطيفًا للضرب قول القرآن: «أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ» (البقرة، 187). في اللغة الفلسفيّة هذا تماثل أي تقابل بالمحبّة ما يلغي الضرب المبرح إلغاء مطلقًا.

#   #

#

لست أرى في التنزيل القرآنيّ ما يبرّر العنف المنزليّ على الإطلاق. كيف نتعامل وآيات الرحمة، وهي في العشرات، حتّى ساغ القول إنّ الإسلام دين الرحمة. هي واجبة في كلّ مكان، وليست ملزمة في المنزل وحده. السؤال الكبير هو ما منزلة الإحساس العصريّ في ما قاله الله. كيف نواجه الحضارة الحاليّة في ما هو ضدّ العنف؟ هل هي في إنجازها السلام في كلّ مكان كافرة؟ هل من تفسير في الزمن وفي كلّ حقب الزمن؟ هل التحسس الحاليّ لسلامة المنزل لا يرضي الله؟

هل سينقسم البلد حقًّا؟ هذه المرّة لن يتنازع الناس طائفيًّا. ستظهر في تصورّي الفئة التي ترى أنّ القانون الوضعيّ ضدّ الشريعة الإسلاميّة، وطائفة لبنانيّة أخرى فيها كلّ المسيحيّين والمسلمون الليبراليّون المتمسّكون بإيمانهم، ولكنّهم لا يأبهون لما يحسب أنّهم يتجاوزون العقيدة، لو قالوا بأنّهم ضدّ العنف المنزليّ، وهم أقرب إلى القول بتساوي الزوج والزوجة في إدارة شؤونهما العائليّة. هناك التقليد وهناك الحداثة أو التجديد في الفكر الإسلاميّ القريب من الحضارة المعاصرة. ولهذا الفكر المجدّد أصول في الإسلام في سورية ولبنان ومصر وتونس وغيرها.

إنّ مسيرة المرأة إلى المساواة بالرجل ظاهرة كبيرة في الإسلام الحديث ولن تقف وهي رافعة لواء إسلام أمين لنفسه، ولكنّه متطوّر بتطوّر الحضارة التي تلفّ العالم اليوم. في ظلّ هذه الحضارة لا يفهم أحد عنف الرجل ولا عنف المرأة. العنف المنزليّ ضدّهما كليهما. لقد سبق لي أن اطّلعت على قسوة المرأة على زوجها وعلى تصرّف شرس من قبلها. والفكرة من قانون يحمي السلامة موجّهة ضدّ اضطهاد أيّ من الفريقين للآخر. الطاعة للرجل التي يقول بها التعليم الدينيّ، لا تتضمّن حقًّا له بتأديبها، وإنّه لا يستطيع أن يكون طرفًا وحكمًا بآن. هذا طبعًا ينافي التراحم. لا أحد منهما يضمّ من جهة واحدة الآخر إليه. الانضمام غير الضمّ. إنّه حركة ثنائيّة ومحبّة متبادلة والمرأة لا تتلقّى العاطفة تلقّيًا من قبل قرينها. إنّها تعطيها أيضًا وتنتظر الاستجابة من قبل رفيقها في الوجود حتّى يصيرا كلاهما كيانًا واحدًا.

لا يزول الواحد بالآخر، ولكنّهما يتكوّنان معًا في وحدة العائلة، ولا ينمو الأولاد إلاّ إذا رأوا والديهما يسلكان في احترام كامل احدهما للآخر، فتقوى مودّة البنين والبنات لوالديهم معًا، إذ يرون التكامل بينهما. أنت ترحّب بقوّة زوجتك وذكائها وتكمّله بذكائك. ليس في هذا ذوبان. هذه مواجهة وهي تعني، في اللغة، أن يكون الوجه إلى الوجه أي الكيان الداخليّ إلى الكيان الداخليّ.

#   #

#

حلمي أن يفهم صاحب العضلات الأقوى وصاحب الجني أنّ الآخر قد يكون أعظم منه روحيًّا وثقافة، وأنّه كما يعطي يأخذ.

هذا يقودني إلى القول إنّه ليس بيننا عيش واحد إذا بقينا منقسمين بين أهل التقليد وأهل التجديد. أجل، أعلم أنّ كلّ المجتمعات منقسمة على هذا الصعيد، ولكن إذا بقينا على الانفصال بين أهل النصّ واهل الروح، يظلّ البلد ينتظر نهضته طويلاً. ولكن ما يفرحني أنّ الخلاف بيننا ليس الخلاف بين المسيحيّين والمسلمين، ولكن بين المتشدّدين وأهل التطوّر والنموّ والاستقبال، والفريقان في كلّ ديانة من الديانتين. سيتكوّن ولكن ببطء مجتمع مدنيّ حقيقة ومجتمع قديم، عتيق حتّى ينتصر المجتمع السائر إلى الحقائق الآتية غدًا أو بعد غد. الحقيقة البشريّة المنقذة فيها روحيّات ما في ذلك ريب، ولكن فيها أيضًا وقائع معاشيّة تدفع عن الإنسان الجمود والوهم.

على ضوء تجديد الإنسان من عمقه يجب النظر إلى موضوع العنف المنزليّ وغير المنزليّ. إن لم تأت وحدة ما قائمة على الفهم، نبقى في المسايرة والهدوء الكاذب القائم على المجاملات. بلا عمق قائم على التراث وإحياء كلّ الوجود القائم على الحقّ والمحبّة وعدم الخوف والاطمئنان إلى إمكانيّة الآخر على التقدّم ليس لنا من حياة.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الجنون اللبناني / السبت 25 حزيران 2011

هناك لكل شعب قراءة بمعنى انك يمكن ان تتكلم على طبائع الشعوب او أقله مناطقها. فما من شك ان الأمم العائشة في شمالي اوربا اكثر هدوءا من ساكني الجنوب. ربما عاد بعض من هذا الى عوامل مناخية ولكن شيئا منه يؤول الى حوادث التاريخ التي ضغطت ضغطا شديدا.

وفق هذه النظرية تأملت في الأحوال النفسية والعقلية للبنانيين. وجدت – ما في ذلك ريب- ان التعلق الشديد بالمال -وهذا ليس حكرا علينا- يعود الى المجاعة التي افتعلها عندنا عمدا جمال باشا السفاح في الحرب العالمية الأولى والتي أباد فيها ثلث الشعب اللبناني. مخافة الجوع توَرث ولا يبيد هذا الخوف بحبوحة جديدة لأن ذكرى الجوع تبقى طويلا في العقل الباطن فاعلة بعد زوال السبب. ان تأكل كثيرا لا يشفيك. الحياة الروحية في عمقها هي وحدها الدواء.

الى هذا يلازمك التعصب الذي لا ينطلق من سبب واحد في الشرائح الدينية. بالتأكيد هناك أسباب مجتمعية. اذا اخذنا المسيحيين وحدهم مثلا فما كان تعصبا ارثوذكسيا- وهو الى الاختفاء او الى الاضمحلال اليوم- ضد الموارنة يفسره المؤرخ كمال الصليبي على انه صراع بين اهل المدن واهل الريف وهو لا يرى الأسباب اللاهوتية. لماذا نرى مثلا التعصب الماروني ينشأ مع مجيء الآباء اليسوعيين ولم يكن له أثر قبلا. تربية اليسوعيين قائمة على كراهية البروتستنتيين في اوربا وهذا في تأسيس جمعيتهم فلما جاؤوا الى بلادنا اعتبروا الأرثوذكسية ظاهرة تشبه الانجيليين. هذا التماهي في عقولهم بين الارثوذكسية والهرطقة صار بغضا اجتماعيا.

لست أريد ان أحلل اوضاع كل الشرائح الدينية ولكن يتربى القوم على كلمات رهيبة قد لا تكون مخيفة لغويا ولكن استعمالها خلق جوا من العداء راسخا في النفوس. ان استعمال ألفاظ مشتقة من كلمة كفر وكافر بلا فهم ولا وضوح يفسر وحده القهر الذي تلقاه المسيحيون في عصر المماليك المظلم وبقي ما بعد ذهابهم عنا اجيالا واجيالا وكل تكفير جنون بالمعنى الفني لأن الجنون ان تجعل الآخرين خارج دنيا، ان تبني دنيا اخرى وترسخ نفسك فيها. التعصب الديني اختراع للغة ليست من الوجود الحقيقي تميت نفسك فيها وتميت الآخرين. الشفاء من الجنون يكون بضرب لغته والغائها لأن استمرار اللغة إبادة الحياة.

التعصب الطائفي في الممارسة يختلف عن التعصب الديني وان كان متأصلا فيه. قد لا تعرف شيئا عن المسيحية مثلا ولا تكرهها ولكنك لأسباب سياسية او غيرها تكره المسيحيين وقد تخشى قوة المسلمين ولا تعرف الا القليل من الاسلام. هذه اجتماعيات من اصل ديني ولكنها جنون بمعنى انك تخلق مجتمعا الكثير منه من خيالك او جهلك او ضعف تحليلك اي هو شيء آخر عن الراهن. هو جو اردت ان تعيش فيه وتستلذه ويقتلك كما ان المجنون اخترع جوا لا علاقة له بالوجود وهو يقتله.

#  #

#

لا بد هنا ان أقول كلمة عن الجنون نفسه. مرة اجتمعت الى طبيب من أبرز أطباء الأمراض العقلية فقال لي: هذا البلد عنده أعلى نسبة من الجنون في العالم. سألته كيف؟ قال لي: كل بلاد العالم فيها مستوصفات للأمراض العقلية حيث يراقب الذي خرج من المصح كل فترة محددة خوفا من نكسة. الناس العاديون مثلي لا يستطيعون دائما ان يميزوا المجنون من العاقل.

اذا كانت عندنا هذه النسبة الكبيرة من الممسونين يمكنك ان تفترض حسب الأصول المتبعة ان من تعامل هو اصلا عاقل واستثنائيا مجنون. قد يكون العكس هو الصحيح. لذلك يحق لك ان تظن انك معرض للأذى انى توجهت. ولكن ان آثرنا رجاء العقل ايحاء لأنفسنا بالاطمئنان فلا مهرب من التحفظ بالكلام والتعامل حماية لأنفسنا من انتشار العصفورية في الطريق.

من آثار الخلل العقلي او النفسي في بلدنا اني لا أعرف مستوى من الغضب كهذا الذي اجده عند الكثيرين بحيث ان الهدوء او السلام الداخلي ليس القاعدة عندنا وان الصراخ كثيرا ما أحاط بنا فبتنا لا نعرف النقاش على قواعده فنخلط المقولات العقلية النازلة على اللسان بالانفعال ونحسب ان الاختلاف في المواقف عداء للشخص الآخر. الأنا المجروحة تلقى الأنا الأخرى المجروحة ويتأجج في كل من المتكلمين الجفاء فاما ان ندوس الآخر في شخصه او ان نداس ايا كان مضمون المناقشة وان كانت عقلية بحتة فنتلقاها كسباب وشتيمة فما من جدل يبقى الا موتا أدبيا لأحد الطرفين. الجدال عندنا سحق لأن المبدأ ان يبقى أحدنا حيا وان يتلاشى الآخر حتى الفناء. مملكة الموت هي مملكة الجنون.

المتأصل في الجنون من اعتبر ان كل العقلاء مجانين لأنهم خارجون عن العالم الذي اصطنعه لنفسه وهو عنده العالم الحقيقي. على مستوى أدنى من الجنون المطبق الانسان الغضوب الذي لوهلة صنع عالما لنفسه يزعجه ان من كان أمامه هادئ لإحساسه بأن الانسان الهادئ ينتمي الى عالم آخر. وكثيرا ما ينزعج الغضوب من الإنسان الهادئ لأن هذا ينتمي الى عالم السلام وذاك في فترة من الزمن يرفض ان يقيم في عالم السلام. على درجة أدنى من المرض العقلي. الغضوب اخرج نفسه من السكينة اذ يريدك ان تنضم الى عالمه بالصراخ ليثبت صحة الدنيا التي أوجدها لنفسه وحبس ذاته فيها. الغضوب ساكن في الخطيئة والمجنون بات غير قادر عليها. انه أمسى في عالم البراءة الى ان يعود الي إمكانية المعصية اذا استعاد عقله.

#  #

#

في ترجمة جديدة للعهد الجديد: «سمعتم انه قيل لآبائكم: لا تقتل، فمن يقتل يستوجب حكم القاضي. اما انا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القاضي (اي انه بمثابة القاتل) ومن قال لأخيه يا جاهل استوجب حكم المجلس، ومن قال له يا أحمق استوجب نار جهنم» (متى 5: 21 و22).

الفلسفة المبني عليها كلام السيد هذا هي ان الآخر موجود وانك تتلقاه لتنوجد وليس من لقاء بينكما اذا انفعل واحد منكما لأنه يكون قد خرج عن عالم السكون الذي يجعل الاثنين واحدا بالمحبة. يحتمل السكون ان يكون الآخر مختلفا عنك وتلتقيان بشركة القلوب . اذا كنت تؤمن بـِ«يا عبد كل شيء قلب» تكون الحقيقة في تلاحم القلوب اذ تسطع الحقيقة بهذا التناضح قبل ان يتم التفاهم. الحقيقة تصلان اليها معا ولا تهمك فرديتك المنعزلة ولكن يهمك النور. الغاضب يسعى الى ان يفرض أناه على أناك. القائم في السكون قادر على ان يزرع فيك السكينة ويشفيك. عندئذ فقط يستقيم العقل.

من الجنون عندنا السواقة التي اذا لم تستقم تبقى معرضا لجنون ينشأ فيك او جنون السائق الآخر. نموت مجانيا في هذا البلد الى ان نخضع جميعا للقانون الذي هو من نطاق العقل. لا نحب العقل في لبنان. متى يهبنا الله نعمة التعقل نرسي عليه بلدنا؟

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الحكم / السبت 18 حزيران 2011

لم ترد كلمة دولة في القرآن الا في الآية السابعة من سورة الحشر بمعنى التداول وليس مدلولها تاليا ما في اللفظة الحديثة من مدلول اي لا تحمل مدلولا سياسيا. حاولت ان أفهم كلمة حكم في القرآن فلم أجد لها مضمونا سياسيا. هذه المفردة معطوفة على لفظة الكتاب ومعطوفة عليها كلمة نبوءة في سورة النساء. العبارة هي حكم الله في سورة المائدة والانعام ويوسف وسور اخرى. لا يسعنا اذًا ان نفتش عن مقولة الدولة في المصدر الأساسي والاول في الإسلام.

في العهد الجديد كلمة واحدة عن قيصر ولا تحمل تنظيرا سياسيا انما هي ذكر لواقع. حتى عند بولس ليس الا من إشارة الى وجود دولة في رسالته الى أهل رومية. في كل الديانات التوحيدية ليس من حديث اطلاقا على شكل الدولة او تركيبها النظري وعلاقة سلطاتها. المعلم الأوضح والأعظم في هذا النطاق مونتسكيو والفكر الذي أحاط بالثورة الفرنسية. الفكرة المدنية كما شرعتها الديموقراطيات ملزمة ايانا لكون فكرة الدولة الدينية ايا كان الدين امرا عقليا، بشريا، تاريخيا لا علاقة له بالله من اي جانب.

هناك وقائع من نظام القبيلة الي الملكية والجمهوريات. سعينا ان نغهم على ما اجمعت عليه الأمم المتحضرة. فرأينا الحكم نظاما يتفق عليه الشعب حسب أسس باتت مقبولة.

هذه الشعوب لا تقبل، جملة، الثيوقراطية، اي الحكم الإلهي الذي رأينا ان الله لم يتكلّم عليه اذ الخطر الكبير تأويل بعض من النصوص الدينية التأسيسيّة وخلط الوحي بما هو بشري محض. فلا بد من اعتبار ان تبدل الأحكام بتبدل الأزمان. والعقول ترى اشياء جديدة لم تنزل في كتاب وترى التكنولوجيا التي لا تستطيع انت التماس وجودها قبل ان توجد ولكن يبقى العدل والمساواة امام القانون والحرية اي حريتك في ما تعتبره حقيقة وفي ما تعتبره شرائح اخرى حقيقة فمن كان مثلا كافرا لديك له في ذلك حق اي له في هذا سياسة والتزام. «ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف، ٢٩). وهذا يعني له في هذه العجالة ليس امرا خاصا وحسب ولكن امر جماعي يحتم تعايش المؤمنين والكفرة في دولة واحدة.

على هذا الأساس التعايش عند اهل الله واهل البعد عنه تركب الدولة التي تجعل الناس جميعا يطمئنون الى حرياتهم وسبل عيشهم ومشاركتهم في بنيان الحكم بما اوتوا من عقل.

#  #

#

وهذا يستلزم فصل السلطات الثلاث الإجرائية والتشريعية والقضائية تأمينا لمساواة المواطنين ايا كان اختلافهم والأمر الذي لا يسوغ الخلاف عليه هو حب الوطن وخدمته في الإخلاص والنزاهة والعطاء له.

هنا يبطل الفرق بين الحاكم والمواطن العادي لأن الحاكم مسؤول حسب دستور او أعراف امام المواطن الذي له البلد. الحاكم في حقيقته موظف عند من سمي المحكوم الذي يغيره في النظام الانتخابي الذي يضعه الشعب في مجلس النواب ويتغير في الدولة الحديثة لأن الدولة في العربية من دال، يدول اي يتغيّر المسؤولون فيها بالضرورة حسب درايتهم وفهمهم وكفاءتهم واخلاقهم لكي يتسنى لكل الناس المشاركة. ويبقى الشعب مراقبا للحاكم الموضوع لخدمته.

اجل ليس من نظام تتأمن فيه طهارة الحكم. هكذا المقامات كلها في دنياكم. فالوالد ليس دائما والدا صالحا ولكنك تعامله من حيث انه والد اي أقله بالاحترام. والموكل بشأن الجماعة الدينية كما في المسيحية فليس ما يدل على انه اعظم الناس ايمانا ولكنك تعامله على الأقل بالاحترام وهو في القانون الكنسي خاضع للمحاكمة امام المرجع الصالح.

في الدولة المدنية يحاكم رئيس البلاد في الخيانة العظمى وكل موظفيها وفيها تأديب قبل اجراء انتخابات جديدة الا اذا اصيب المسؤول بطبائع الاستبداد كما يقول الكواكبي.

الى هذا هناك صبر على الخطايا ومواجهات سلمية بالتعابير السياسية المختلفة. ولكني لست أوافق القديس توما الاكويني الذي أحل في حالات الظلم القصوى قتل الملك. الدم يجر الدم ودم الظالم مسؤوليتي امام الله. وانتظر ما دام ذلك ممكنا. واحترم عند ضرورة الاحتدام وأشتد اذا دعت الحاجة الى اشتداد. خارج احترام الحياة ليس من مقدس والله وحده صاحب الحياة والموت. الذي يستقبل البشر يوم القيامة وحده يدين.

#  #

#

آن لهذا البلد ان يقول لحاكميه ان يحبوا لبنان كما الله أحبه وكما يحبه أولو الله. الوطن ليس ملك واحد ليبيده. لا السيد ولا المسود أقامه الله للاستمتاع بمقدرات البلد.

«انتم تعلمون ان الذين يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وان عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكن هذا فيكم. بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما ومن اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدًا» (مرقس 10: 42-44).

هذه الروحية تحل المشاكل. لا يدار بلد بلا روح. الوطن لا تسوده فقط النصوص الموضوعة. القلب اهم من كل ترتيب وتنظيم. لبنان ينقصه روح وقوانينه من أجمل القوانين. والقضاة الذين كنت أتابعهم في مطلع شبابي من أهم القضاة علمًا وأخلاقًا. ويمكن الرجوع الى نوعيتهم. ولكن من يعطينا نفحات روحية اليوم نجدّد فيها قلوبنا فينبعث البلد.

الكيد وتحزب الشرائح والأفراد وربما اشتهاء المال والسلطة هي ليست اقل من كراهية البلد وايثار المنافع الشخصية. هي بيع البلد للشيطان وإعدامه في الفكر والسلوك. كبار في البلد وضعونا في اللاشيء. تدخل قوى خارجة عن لبنان في قضايانا لا يمنح احدا عذرا ليستقيم. لم ينزل من عند ربك سوى الحق. والحق وحده يجب ان يحكم الحاكم والمحكوم.

هذا البلد ممكن الوجود وممكن البقاء اذا شاء من يجب ان يشاء ومن ابى يستقيل او يغادر لأن اولادنا يريدون ان يعيشوا وان يفخروا ببلدهم ولكن لا بد له من وضع معقول لكي يعطي ويعطى. في هذا المعطى له ان يستلم الحق ويورثه اي ان يجعل الله حاكمه فيدخل في إدارة سليمة وبذل دائم. متى نعود الى ان نصير نموذجا للإخوة العرب لنتمكّن من خدمة الرب في سبيل الانسانية جمعاء. هذا سيتم ان قبلنا ان يكون فينا الحكم لله.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأنـا / السبت في 11 حزيران 2011

اضطررت ان أضيف ال التعريف على انا. هذا سمح لي بأن اقتل التركز على الذات والاكتفاء بها. الالتصاق الكامل بالذات هو الموت بالذات. اذ الموت هو الانقطاع الكامل عن الآخرين.

وعى باسكال العظيم خطر عشق الذات لنفسها فقال : “le moi est haïssable” اي ان الأنا مقيت. هذه ذروة حب السلطة ولكنها أضخم لأن تعلقك بالسلطة بمقدار معقول يترك وجودا ولو قليلا للآخرين. في الخطيئة التي ندرسها اليوم الإقصائية بمعناها الكامل. هي إلغاء في التعامل بالحد الأدنى ولكنها في العقل الكامل ادراكه والقلب المهترئ التابع له. هي نفي الآخر من وجودك كله وإماتة له غير منفذة جسديا.

لماذا هجومي القاسي على الأنا؟ لأن تحديدنا الفلسفي او اللاهوتي للانسان انه مخلوق على التواصل وان ليس كل مركزه فيه. ليس هو قطبا واحدا. الوجود ليس تراكم أفراد منفصلين لكل منهم ذاتية مغلقة. انهم ما نسميهم في الفلسفة الوجودية المؤمنة أشخاص. والشخص على ذاتيته نحدده بأنه منفتح اي قابل الآخر ليكون محررا من الانغلاق وموجودا لتكوين شخصيته مع الآخر. انا مسكوب فيك بالحب وانت مسكوب فيّ وليس مع ذلك ذوبان. هناك اتحاد بلا تراكم ولا التصاق. يبقى لك وجودك الداخلي ولي وجودي الداخلي.

وكل من الوجودين لغة بحيث لا اجترك ولا تجترني فعلى قدر الاجترار تذوب الشخصية في حيويتها وفرادتها وبهائها وهذه كلها يجب ان تقوى ليتقوى الآخر ويحمل نفسه ويحملني بآن في سر وحدة قائمة على اثنينية متشددة بالوحدة.

انا انسكب فيك حتى النهاية وتنسكب انت في حتى النهاية وبسبب من هذا الكمال في الانسكاب يتوطد كل واحد في اناه الشريفة الحلوة التي لا تصل الى العجرفة والغطرسة ومحو الآخر. اجل التواضع في الامحاء ولكن هذا الامحاء يجد صاحبه نفسه فيه ويوجد الآخر في نفسه فيأتي اكتمال كل واحد بالعطاء. كيف تمحى وتوجد، هذا هو سر التلاقي بالمحبة التي وحدها تؤكد الشخصية.

ما لم يقم هذا التلاقي الحواري وجدانيا وفي العمل اليومي يبقى كل منا سجين نفسه كما اهل الجحيم في لاهوت آبائنا الذين قالوا ان الذين في النار ظهر الواحد الى الآخر اي لا يرى وجهه.

هذا يترجم بشريا الثالوث المسيحي على أساس ما قال المسيح: «انا في الآب والآب فيّ». الآب يبقى الآب بأبوته، التي أعطت الابن ابنيته. والابن يبقى في محبوبيته بسبب ما يأخذ من الآب والوحدة بينهما المحبة. وحده الله ليس انه واحدا تتنافى فيه الاثنينية او الثلاثية. ليس الله واحدا بالعدد. «من عدّه فقد حدّه» (الإمام علي). الله وحيد. »الله محبة« (1يوحنا 4: 8). والمحبة ليست صفة له. هي اسمه اي هي كيانه بالذات. ومن قال ان الله ثلاثة أقانيم فهو لا يعدّها اي لا يدخل عليها الحساب. الله منزه عن ان يكون معدودا. اما الانسان فيمكن اعتباره واحدا عددا ولكنه ليس واحدا مغلقا. انه واحد بالمحبة التي يحب الآخرين بها والمحبة التي يحبونه بها. واذا لم يعرف الفرد هذا يكون عاشقا لأناه اي مغلقا ابواب قلبه كلها ومتحجرا في رؤية نفسه اي انه أراد ذاته صنما لنفسه وللآخرين. حبه لأناه عبادة منه لنفسه والتماس عبودية الآخرين له اي انه يدعوهم الى جعل ذواتهم اصناما وتاليا هم جميعا على العبودية.

ان مجرد جمع البشر في عائلة او مدينة او بلد او مدرسة او جامعة او معمل لا ينشئ بشرا متداخلة قلوبهم ولا يؤلفون مجتمعا موحدا الا بالقهر والقسر. هذا مجتمع سياسي قائم على القوة والتناصر المفروض من فوق. اما الحقيقة الانسانية فليست بالتجمعات ولكن بتلاقي القلوب. طبعا هناك ضوابط وقوانين لا بد منها لترتيب المجتمعات وتنسيق الأعمال المختلفة ولكن هذه روابط مجتمعية يقل بها الخلل.

المجتمع القائم سياسيا يرفع عنك الأذى في الحد الأدنى من مراقبة الدولة واجهزتها وهو موجه للانتاج الفكري والاقتصادي وعند النخبة المثقفة تتماس العقول وتقترب من نموذج المقابلة الوجدانية بين الأنا والأنا الأخرى المتفتحتين احداهما على الأخرى لأن كل انا تطلب الحقيقة من حيث المبدأ. اذا كنت في الحقيقة مبدعًا تتوخى الجمال والخير ولا تحسد المبدعين الاخرين. غير ان الخطيئة تتسرب احيانا الى النخب العقلية والفنية فتضعف الوجدانيات عندها.

#   #

#

لا تنكسر الأنا المغلقة الا بالزهد. عشق المال هنا الطامة الكبرى لان المال اذا احببته يجمدك او يحجرك وتضعف العاطفة فيك وتكون انت قد اغلقت اناك. فقط العطاء يفتحها ويدخلها في دائرة الـ »نحن«. من تطوع لشيء من الفقر يقيم الآخر امام عينيه كيانا حبيبا. بعض من أشيائك يجب ان يزول حتى تستقبل الاخر بالكرم. اهمية الكرم انك تحس فيه ببعض من الحرمان وهذا يعني شعورك بان الآخر يكملك.

المال الذي تستحوذ عليه وتتمسك به حاجز دون رؤية الفقراء الذين سماهم يسوع اخوته الصغار. ارمِ اذا عنك كل ما يحجب عنك هذه الرؤية وانت عليم ان المال اداة لبسط سلطتك. المتسلط في تصوره انه وحده في الوجود وان الكثيرين يستمدون وجودهم منه. هذا هو صاحب الأنا المنغلقة بامتياز. هنا تأتي صورة الحاكم المستبد الذي همه البقاء على سدة الحكم أعاش الناس ام ماتوا.

الاستبداد ان يوهم الحاكم نفسه انه بهذا هو فعال. في الحقيقة انه عابد لنفسه فيمكن عند هذا ان ينجح البلد نجاحا في مجالات ولكنه ساقط في مجال الفكر. واذا سيطر الخوف من الحكم يخاف المواطنون بعضهم بعضا اذ يشكون بانتساب الآخرين الى نظام الاستبداد.

يمكن للدولة نظريا ان تساعد الانسان على ان يصبح ينبوع حياة روحية. لها ان تكون مؤنسنة بحيث يشعر الشخص ان الدولة ليست اداة قهر وانها سند الفقراء. السياسة يجب ان تكون قاهرة للقهر والظلم وداعمة للعدل.

المسعى ان نحول المجتمع المدني الى مجتمع قلوب تحس بعضها ببعض و،يتقبل بعضها بعضا باخلاص وثقة.

Continue reading