Category

2011

2011, جريدة النهار, مقالات

الأرض الجديدة / السبت في 22 تشرين الأول 2011

الله في كل نفس بشرية. يملأها ولا تحده لأنه ليس في مكان ويملأ كل مكان. وهو الذي يحيي النفس ولو تسربت اليها الخطيئة لأن هذه لا تستطيع ان تلغي الحضور الإلهي في الذات البشرية. فان هذه صنعها لما جعلها على صورته. القلب البشري وحده سماء الله وانت تدخل قلبك لتراه أكان ذلك قبل الموت ام بعده. واذا اواك الرب في نعمته لا يلغي موتك مأواه. بعد فراقك هذا الوجود انت لا تصعد الى السماد اذ ليست هي فوقك ولا تنزل الى الجحيم لأنها ليست تحتك. انت «في الصعود» امام الله تعزية لك وحياة ابدية وانت ايضا امامه في الجحيم وليس هو الذي يعذبك ولكن خطيئتك تعذبك. المواجهة مؤلمة اذا لم تشأ هنا ان تصبح من جنس الله.

فاذا كنت لا تصعد ولا تنزل تكون انت المقر للحسن وللسوء فتجيء بالحسنات اليك وبالسيئات اليك. يقول القديسون عندنا ان البهاء الإلهي والقباحة لا يجتمعان فيك بمعنى ان الله يطرد المعاصي المتعششة فيك وهم ينطلقون من ان الفضائل متماسكة والرذائل متماسة. هذا نعرف شيئا منه. فالسارق لا محال يكذب ومن قتل يرتكب كل المعاصي او قادر ان يرتكبها. القديسون نظروا الى نهاية الجهاد حيث تتلاحم كل الفضائل فينا واذا انقطع الجهاد تتواصل الرذائل. ولكن على طريق السمو او السماء وهما واحد . انت في صراع مع ما في نفسك التي تلتقي فيها مشاعر متصادمة كأنها ملعب لأحاسيس متضاربة تختلف بين شخص وآخر. الواقع ان ثمة فضائل تتضمّن اخرى او تقويها اذ ما من شك مثلا انك لا تبلغ التواضع الا تجمعت فيك ذروة المحاسن.

اذا صحت هذه القراءة تكون النفس مشدودة بين مشاعر متناقضة الا عند الذين تحرروا من الهوى كما يقول المتصوفون الارثوذكسيون اي الذين بلغوا ذلك الهدوء الذي يقيمهم في عدم الانفعال بالشهوة. اما نحن ساكني الارض فنبقى في الصراع حتى يتم الله علينا رضاه ويرفعنا فوق هذه الترابية المحزنة.

#   #

#

ليس عندنا شيء مقبل لا نذوقه في هذه الدنيا بمقدار. لذلك صح قول المشككين ان جهنم هنا والسماء هنا ولكن الخطأ عندهم نكرانهم ان الـ «هنا» يمتد الـ «الهناك» لكون الانسان دائما بقوة القيامة التي يحملها او بقول الله انه باعثنا من القبور. في المصطلح المسيحي عندنا الدهر الحاضر والدهر الآتي. مشكلتنا مع الملحدين ان بنكرانهم وجود الخالق ينكرون اي وجود للإنسان بعد موت. ينتهي الإنسان عندهم مع هذا الدهر. ربما لهذا سماهم الرب دهريين. عندنا ان الدهر الآتي تتويج للدهر الحاضر. فاذا كان زمانك الحالي زمانا الهيا يبقى كذلك بعد موتك واذا كان ملؤه الشر يبقى قبيحا بعد فراقك هذه الدنيا. عندما نتكلم نحن عن سماء وجهنم كحالتين من الدهر الآتي لا ننسى ان هذا الآتي يبدأ هنا. السماء ليست اذًا، حسب التصور التقليدي، ما تسعى اليها فوق ولكنها الاتية اليك هنا. هي تنزل. انه مصطلح لغوي فقط ان نقول سماء بالعربية لندل على السمو والارتفاع لأننا نشبهها الى الجبال التي ترتفع اليها من السهول.

كذلك جهنم التي تعني بالعبرية وادي هنم الذي كان محرقة الزبالة في اورشليم (القدس) يملكها انسان مدعو هنّم تعني بالتصور الموروث مكانا لعذاب النار. طبعا ليس من نار خارج ما يحرق الجسد او المتاع في هذه الدنيا. ليس في الدهر الآتي من امكنة. الله وحده هو الوجود. الكتب المقدسة استعارت لفظة النار لأنها مؤلمة جدا وأقصى درجات الحريق تسبب الموت.

جهنم فيك ولست انت فيها. ما لم يمت ضميرك – ولا يموت الى النهاية- فعذابك هو الخطيئة. وكلما قوي ايمانك وارتكبت يقوى ألمك الداخلي ولا نجاة منه الا بالتوبة اي بالاقلاع الكامل عن الخطيئة وحب الرجوع الى وجه الله. عند التماسك هذا الوجه تنزل اليك السماء وتطرد ما فيك من بقايا الخطيئة اي يمكنك انت طرد السماء او طرد الجحيم. ويمكنك -ان لم تكن مؤمنا جديا- ان تتلاعب بينهما.

هنا تتبين ان من نسميهم قديسين هم وحدهم أنصار الله حتى الأخير لأنه هو وحده حبيبهم. انهم آثروا وجهه على كل وجه وحلاوته على كل حلاوة. يدفعون ثمن هذا الحب غاليا. انهم لقد انقطعوا عن كل ما يعيق اتحادهم بالرب. كل معصية اتحاد. لذلك عليك ان تميتها فيك لتتحد بربك. وهذا حسب تعبير الروحانيين عندنا زواج. النفس في لغتنا عروس الله اذا أبادت نزواتها وقالت فقط ما يقوله لها الرب وحفظت وصاياه.

#   #

#

هذا الذي ينشئ نفسه على كلام الله يكون من كلام الله. لا يعمل من اجل ربح السماء. انه ربحها منذ الآن. عير ان من تأكلته خطاياه يحس انه في الجحيم لأن بين الإنسان ذي الضمير الحي والخطيئة نفورا. انه عند كل خطيئة هو مرمي في النار. في الوقت نفسه يجوع الى الله. حتى الانسان الطاهر جائع الى الله اذ يتوق الى ان يسكنه روح الله دائما وفي عمق. يأبى الانسان الصالح ان تلطخه المعصية ويعطش الى ان يجبهها في كل حين. من المحزن طبعا الا يحس بعض القوم بخطورة المعصية وقباحتها. تدخل اليهم ولا يأبهون لها، يعايشونها بلا احساس منهم بخطورتها. يبقى واجبنا ان نكشف لهم جلال الله لينجذبوا اليه ويحيوا به ويتحسسوا جسامة الخطايا. هناك خطايا يصعب استئصالها ولا سيما اذا عتقت. لها كيانها، حضورها الفاعل. مع ذلك لا يسوغ ان نيأس من انسكاب نعمة الله على هؤلاء. اذا اكثرنا الصلاة من اجلهم لهم بها فرصة التجلي فيسكنون بهذه الأنوار التي حلّت فيهم بعد ان صاروا خلائق جديدة.

اهمية الصلاة من اجل من نعرفه غارقا في بحر من سيئات ان السماء لجميع ساكنيها. ان ودنا لهم ان يبتغوا البرارة حتى لا يرضوا انفسهم في الرذائل. ونحن لا يجوز لنا ان نفرح بخلاص فردي. الله يريد الكل ان يخلصوا. ان نتمم مشيئته هو ان نريد ما يريد وان نسعى اليه. واذا هبطت السماء الى هذه الأرض تتجلى الكنيسة -العروس ونصير واحدا في القداسة.

الى الصلاة تأتي هذه الوحدة بالقدوة. ان ترى مثلا ناسا صادقين طوال معرفتك بهم يدفعك الى الصدق. الناس بالقدوة يطهرون بعضهم بعضا وينشئون جسد المسيح.

كل ما في الأرض باطل قبل ان تصبح الأرض سماء فيما تقوم بأعمالها العادية، فيما تأكل وتشرب وتتآلف على الحب. القضية الوحيدة ان نستعيد الفردوس المفقود الى الدنيا التي نسكن حتى تردم الهوة بين الله والناس ليفرح الرب بأبنائه ونفرح نحن بأبوته.

السماء الجديدة التي يتكلّم عليها سفر الرؤيا هي الأرض الجديدة التي يسكن فيها العدل. هذه الأرض يجددها الله وأحباؤه في كل حين. اليوم، اليوم اصنعوها لمجد الله وفرحكم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأقباط / السبت 15 تشرين الأول 2011

«وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين» (المائدة 42). هذه كلمة مرسلة الى القائمين على الحكم في مصر الذين نزل عليهم حلم الحرية، وهي تتضمن السلامة والعدل والسلامة بين الناس. ومن أسس العدل الا يُستصغَر (بفتح الغين) احد في اية كتلة من القوم. انا لست سائلا اهل الحكم عما فعلوا الأسبوع الماضي او ما فعل بعض من أقباط. نحن نسعى الى ما كان اهم من حدث واحد ولو مؤلما جدا. نحن ساعون الى ديمومة علاقات مجموعات يشير الى وحدة الشعب المصري قبل ان يضطر هذا اوذاك من الأمة ان يأسف ويعزي بعد فوات الأوان. الرؤية الا يحل وقت نعاين فيه مذبحة اخرى صغيرة كانت ام كبيرة.

طبيعي ان نناشد المسلمين في مصر ونحن أكيدون ان معظمهم أمة مسالمة غير ان للفاضلين ان يربوا الأمة كلها ولا يترك للرعاع شأن الوطن كله. لماذا يتوالى حرق الكنائس. لست أعلم نية الحكام الحاليين في شأن استئذان المسيحيين السلطة في شأن بنائها وترميمها تصل الى استئذان إقامة مرحض في المبنى الملحق بالكنائس. هذه جزء من تشريع عثماني لم يعدل مع الاستقلال. ولكن لماذا لم يطبق هذا في بلاد الشام مرة واحدة وأشاد المسيحيون الكم الذي ارادوه من البيع. اين هذه القسوة من العهود العمرية؟

اذا كانت السلامة جزءا من الحرية فالسلامة تتطلب من العرب الى اي دين انتموا ان يصلّوا. ألم تفهم مصر ان الأقباط اوجدهم ربهم ليبقوا كما اوجد المسلمين ليبقوا الا اذا اعتقدت مصر انه لخيرها وتقدمها العمراني ان التخلص من الأقباط نافع لهذا البلد العظيم. بالله قولوا لي كيف القضاء على الأقباط نافع للجماعات الدينية الأخرى في البلد؟

مذبحة وراء مذبحة تجيز لنا ان نعتقد ان ثمة خطة لإراقة الدماء لا أستطيع ان افهمها الا لمصلحة الاشرار وهي بالتأكيد لمنفعة اسرائيل. وقد بينت في مقالات اخرى ان عند اليهود عداء للمسيحيين خاصة. ولكن بين المسلمين حكماء كبار قادرون على الدعوة الى التعايش مع المسيحيين وهؤلاء يسمعهم الشعب الذي تدفعه قلوبه الطيبة ان يراعي حرية الأقباط في عبادة مأذونة في التشريع وفي التعبير عن الفكر اللاهوتي شعبيا او اكاديميا في عقل مصري عال قائم على العطاء للأمة وعلى تلقي ما عند الأقباط من فكر.

#   #

#

عندما كنت أتردد الى مصر كان عدد الأقباط الذي كانت دوائر الدولة تقر به لا يتجاوز النصف او الثلث من العدد الحقيقي الذي تعرفه الكنيسة بسبب من واجب الإحصاء في الرعايا. وكأن الحكم نفسه في هذه السنوات الخوالي ضالع في استصغار الأقباط. هل للحكم الذي يسعى ان يقوم اليوم مدني حقا لكي لا يخفي الحقيقة؟ هذا الاستصغار مريب ومصر تقول منذ جمال عبد الناصر ان قوميتها عربية وتاليا ان الأقباط عرب والعربي اخو العربي في السراء والضراء. الزاوية العربية مقاربة شرعية لوحدة مصر. واذا اصر المصريون شعوريا على الوطنية المصرية فلا احد ينازع الأقباط على هويتهم.

انا أناشد المسلمين في العالم ان يكون المسيحيون العرب هاجسهم. في الاسلام المسيحيون في ذمة المسلمين اي في رعايتهم. نحن من انصار حكم مدني لا يكون احد فيه في رعاية الآخر. مع ذلك يطلب الاسلام الى اتباعه ان تكون لهم غيرة على اهل الكتاب وان يسندوهم في حكم معتقدهم. وهذا قد يتطلب تعاونا اسلاميا عالميا ليحافظ المسلمون على المسيحيين في ديارهم. ورجائي يتركز ليس على الدول الاسلامية وحسب بمقدار ما يرتكز على تقوى الشعوب الاسلامية.

قد تكون الغاية الأولى من الحوار المسيحي-الاسلامي في الظروف التي نمر بها الحفاظ الكامل على الجماعات المسيحية العائشة في دار الإسلام. والاتكال هنا علي المثقفين المسلمين المتدينين في كل مكان. وهذا التحرك من شأنه ان يحس المسيحيون انهم في أمان. لنا ان نرجو الى المسلمين ان يتمسكوا بديانتهم من هذا القبيل فلا نشك بهم ولا يشكون بنا. ولهم في معتقداتهم ما يجعلهم قرباءنا وان يجعلنا من قربائهم فنشعر ويشعرون اننا معا من ملة ابراهيم. لا نريد لهم الا الخير وتقدمهم في كل ما يعود من خيرات هذه الأرض.

ونحن نقول لهم صادقين ما ورثناه من الإنجيل اي المحبة وهم يقدمون لنا الرحمة التي في كتابهم وتلتقي قلوبنا بما فيها من نقاوة وإخلاص. وليس احد منا صاغرا عند الآخر.

#   #

#

نحن ننتظر ان يضبط الحكم في مصر وغير مصر الاوضاع لأن للحكم قدرة على القسط او بلغة اليوم على المساواة وعلى الحرية في المساكنة الوطنية.

سيء هو الإنسان الذي يبيت للآخر الأذى وصالح ذلك الذي يريد له النمو والازدهار ويتقبله تقبل الأخ لأخيه.

المسلمون والمسيحيون رزقهم الله احترام الحياة، الحياة للكل. «ولئن بسطت يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك اني أخاف الله، رب العالمين» (المائدة، 28). هذا اشتهيه ميثاقا الهيا بيننا، ميثاقا يلغي القتل الجماعي بصورة قطعية اذكروا ان الدين يقوم على الشهادة اي إرادة ان يبقى الآخر على حريته. «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» (البقرة، 256). هذه قاعدة مطلقة لا تنسخها آية أخرى في ما يتعلق بأهل الكتاب. من هنا ان المسالمة اساس اسلامي لمعايشة المسيحيين. هذا مبدأ يحلو لي ان يقوى في دار الإسلام ويحلو لي ان يفهم اهل الغرب اننا في هذا الشرق نريد ان يحب بعضنا بعضا وهذه قاعدة في المسيحية تشمل في الحب كل انسان بصرف النظر عن دينه، من حيث ان البشر جميعا هم اخوة في رؤية الرب لهم.

الأحب عند الله ان تكون المجزرة قد انتهت في مصر لأن مصر ليست بلد الفتنة اذا ترك الشعب لضميره. في المشرق الذي يضم سوريا ولبنان ليس من سابقة قريبة لذاكرتنا فيها تقاتل لا سيما ان كل جماعة دينية تعتبر الأخرى أصيلة فلا العثمانيون او المماليك اتوا بالمسلمين ولا الفرنجة اتوا بالنصارى. نحن معا هنا من اقدم العصور وذهب كل منا مذهبه وعلى قدر التصور البشري سنبقى معا في هذا المشرق العربي ملتصقين بالرحمة الالهية وبالثقة بيننا الى ان يرث الله الأرض ومن عليها واذا قدرنا نحن ابناء سوريا ولبنان وفلسطين التاريخية ان نلازم بعضنا بعضا فلا شك ان هذا يصبح نموذجا للمسلمين والمسيحيين في كل الأرض ولا سيما في ديار العرب سوف نحمل مصر وشعبها في أدعيتنا وسوف يكون عيشنا الواحد في أرض العرب دعوة الينا جميعا لنبقى واحدا في رعاية الله.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الأمومة / السبت 8 تشرين الأول 2011

الوالدية أبوة وأمومة وفي لقائهما سر لا يكتنه ولكني أحاول استيضاحه لأفهم نفسي وأمي. كيف يكون الإنسان كله نفسا وبدنا منذ لحظة اللقاء بين رجل وامرأة والنمو، عقليا وجسديا، مشروط بهذا اللقاء. وهل التواد الضعيف او القوي بين الرجل والمرأة صلة بنوعية الولد ام نحن بيولوجية بحتة او عقل محض او يضاف اليهما نعمة من عند ربك لأنك في ظاهرة الخلق الموصول دائما بالحب؟ غريبة العربية المحكية التي تقول عن المولود ان هذا خُلق في اليوم الفلاني مع ان الله لم يخلق الا آدم وحواء.

ما من شك اننا تصورنا تصويرا لا غوص عليه ممكنا. بدءا لماذا جسد كل من الزوجين مهندس للآخر من حيث ان العلاقة تسير نحو الانجاب اي نحو الوحدة بين الجنسين واستمرارهما. هل ان كل هذه الهندسة التشريحية وضعت فينا ابتغاء التكاثر؟ ولماذا ملء الأرض بالأطفال والواضح ان الموت مسجل فينا منذ اللحظة الأولى من تكويننا. هل الحياة هي السر ام الموت؟ نحن في إعجاب امام الحياة وفي رهبة امام الموت لأنه هو الصدمة ومع ذلك تستمر الخليقة.

في عجائبية هذه المسيرة للأمومة مكانة مميزة منذ حصولها وحتى انتهائها بالموت في كل جوانب وجودها. يمكن اختصارها بأنها مدى باقٍ كالأرض في حين ان مساهمة الذكر تبدو مقتصرة على الزرع الذي يبدو دون مشاركة المرأة ديمومة حتى لو كان الوالد عظيم الشعور. وكأن الحياة هي في المرأة التي تحفظها مع ان الرجل ساهم في نشوئها.

بعد ثانية التكوين يبيت الجنين مع أمه كيانا واحدا او ما يبدو واحدا من جهة الهواء والغذاء ونمو الأعضاء حتى التأثر بالموسيقى التي تسمعها الوالدة الى ان يقطع حبل السرة وتبقى الرضاعة. ولكن بعد الفطام لا تستقل الوالدة.

هنا تحضرني قصة زيارتي لمريض في رعيتي منذ خمسين سنة ونيف يدعى ابراهيم. بعد وصولي بقليل تدخل علينا أمه وتناقش فيما اذا كان اخذ الدواء. قلت لها: يا ام ابراهيم هل نسيت ان ابراهيم عمره 64 سنة؟ فهمت عند ذاك، ان الرجل كان لا يزال في عينها وليدا يربى. هذا ينقح ما ظننته طويلا ان النساء يبكين عند الموت بسبب من قوة انفعالهن وفهمت بعد ذلك أنهن يقبلن بالطبيعة الموت لكونه عدوا للحياة التي ظهرت بهن. منذ أيام قليلة كنت أقيم جنازة فتى دون العشرين من العمر. كانت امه متلا شية حين كان أبوه يتابع الصلاة حاضرا متينا، واضح كان إيمانه لما حدثته قبل الدفن. اجل كان -حسب عباراته- عميق الرؤية الدينية ولكنه على مستوى الطبيعة كان متماسكا. السر في ذلك عندي كان ما أسميه استمرارية الأمومة.

#   #   #

اما الأبوة ولو كانت حليفة الأمومة في طبيعة الإحساس الا انها تنمو في العمق لسببين اولهما شعور الوالد بأنه أصل في تكوين ولده وثانيهما رقة يمكن ان تكون كبيرة لكونه يحمل الولد على ساعديه. الحنان الطبيعي اذا توفر يساعد ولكن رقة الوالد تعظم بالضم. هي اساسا عمل خارجي في حين ان احتضان الأم وضع بيولوجي يترك اثارا سيكولوجية كبيرة ومديدة في الزمن.

الوالد لا يعوض للأولاد كثيرا عن زوجه اذا ماتت اولا لأنه يعمل خارج البيت فلا يبقى له وقت يعطي فيه ما كانت الأم تعطيه لو عاشت. اما الأرملة فقد يمدها الله بشيء يشبه الرجولة فتحمل العائلة. ذلك ان كل كائن بشري فيه بعض رجولة وبعض أنوثة وظروف المعيشة تقوي هذا العنصر او ذاك. يشتد اللين او الصبر او المجاهدة حسب الوضع المعيشي الذي يكون فيه الفريق المترمل.

فمن المؤكد ان الأمومة والأبوة تلتقيان في العائلة بحيث تعظم كل واحدة في منحاها اذا ترسخت الأبوة في نحوها والأمومة في نحوها وكانت كل منهما رافدا للآخر. الطفل لا يبقى سليما اذا انقطعت العلاقة بين الرجل والمرأة فانفصلا وكان الولد يتأرجح في المسكن بين الواحد والآخر. اذاك، ليس عندنا رافدان ملتقيان. الكمال في ان يكون الأب حاملا امومة ما والأم حاملة رجولة ما بحيث يكونان جسدا واحدا اي كيانا موحدا.

#   #   #

في حسباني ان الأمومة تربية منذ حمل الجنين، تربية كتبها الله في جسد المرأة بالصبر، تحمل الأوجاع ثم العناية الفائقة بعد الوضع والقيام بالتربية سنين طوالا والرعاية ما دام الوليد حيا حتى أقصى كهولته فضائل يمنحها الله في مجانيته العظمى ويرفقها الرب بحنان تفاوت كثافته بين امرأة وامرأة حتى شاع ان الأم حنون فأكّد بولس ان المرأة تخلص بولادة الأولاد اذا هم ثبتوا على الايمان والعفاف والمحبة. الاولاد يأخذون ولا يأخذون منها. هي المعطاء واولادها لا يبادلونها المحبة بالمقدار الذي يستلمون ذلك ان الحب ينزل (الى البنين والبنات) ولا يصعد الا بمقدار. لذا كثيرا ما ترى الأهل في حالة اجحاف تصل احيانا الى الحزن الكبير.

الولد يخرج الى العالم ولا بد له ان يصدم ذويه ليؤكد استقلاله عن الرحم. ازاء التمرد على الوالد يحاول ابوه ان يثبت سلطانه. ويعزز هذا التنافس على الوالدة بين الولد الذكر وأبيه. لذلك كان الولد (نفسيا) قاتل أبيه: العاطفة مبذولة ويبقى صراع ما مع الأم او مع الأب. لذلك نزلت الوصية: «اكرم اباك وأمك». لو كانت هذه في سياق الطبيعة او لو هانت لما جاءت.

ما أنكرت ان هذا الإكرام ينساق انسياقا احيانا ولكن هذا يحتاج الى جهد حتى يأتي الأولاد لذويهم ردا على حب هؤلاء.

من هنا، ان الأمومة الصالحة واجب ولئن كانت الغريزة تسندها كما تسندها النعمة المسكوبة من السماء على المرأة المنجبة.

#   #   #

تصل الأمومة أحيانا الى حد القداسة ولا سيما اذا كان الولد يصحرها اي لا يستجيب لها بقدر محدود من العاطفة. واذا قابل عطاءها الأخذ تصير جنة. غير ان بعض الأمهات ينكرن انفسن ويبذلن حياتهن مجانا اتماما لمشيئة الله. يبذلن الزوجية مجانا في أحايين كثيرة. في هذه الحال، تصبح الأمومة اعجوبة او ترهبا.

إكليل هذا الكلام ما قاله يسوع عن مريم لما كان معلقا على الخشبة وكانت واقفة عندها مع التلميذ الذي كان يحبه والتواتر يقول عنه انه يوحنا الانجيلي ولكن المؤكّد في النص انه التلميذ الذي كان يسوع يحبه ويحق لنا ان نقوم بقراءة نقدية ونفهم انه نموذج لكل من احبه السيد. «فلما رأى يسوع ان التلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لأمه يا امرأة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ هوذا امك».

من هذا الكلام لنا ان نفهم ان كل انسان فيه مسيحية ما يصبح ابنا لمريم. هي حاملة الأمومة لكل بشر. ربما توقعا لأمومتها في الإنسانية النبوية وامتدادها في الإنسانية التي الله أحبها لنا ان نرى في الطاقة وعد حنان ورفق في كل أم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الحب الواحد / السبت أول تشرين الأول 2011

سوريا واحدة ونحن نريدها واحدة. تشرذمها خطر على المنطقة كلها وأولا على لبنان. لقد أنشأ الانتداب الفرنسي ثلاث دول فيها حتى استعادت وحدتها سريعًا لإحساس شعبها بوحدته.

هذه الوحدة يمكن توطيدها بالسلام الذي يفترض ان يبقى الدم في أوردة السوريين وشرايينهم «نجني من الدماء يا الله» (المزمور الـ50).

لا قوة للشرق العربي ولا أمل له بالصمود امام العدو بدون سوريا قوية، متلاحمة أطيافها، حرة من تاريخ تشنجاتها، غير وارثة سوى أمجادها. ان الحكم المدني حلمها فيما صار مؤخرًا حلم العرب. نرجو أن يبقى هذا الحلم في النفوس ورفضًا للتراث المتجمد وتمييزًا بين اللاهوت والناسوت او بين حكم الله لما نسمّيه خلاص النفوس وحكم البشر الذين لهم ان يستلهموا ربهم في إدارة شؤون الأرض. فالأولى لا تصير آخرة ولكنها تتوق اليها وتنتقل وفعلها في الحضن البشري.

في كل العروبة هذا هو الموضوع لأن العروبة تتضمن سوالا رئيسًا حول شرعية قيام الانسان في ناسوتيته وهذا ما يبرر التعددية وحمل عبء التعدد في وحدانية الوطن. التعددية ليست بعثرة والاصطفاف الواحد بلا ألوان سياسية مختلفة يقتل الأفراد اي يقتل الحرية. وعليك ان تختار بين الحرية المتفرقة الأفكار بالضرورة والحزب الواحد. لله وحده الحق بأن يعتقد انه كل الحقيقة.

أرجو ان يصل العرب الى الاعتقاد ان اختلافهم غنى لهم وان يعتقدوا بخاصة ان الله لم يفوض احدًا بإدارة الدنيا. هذا ما يعنيه الحكم المدني. انه تجمع الناس في بلد من البلدان يجعلون عقولهم معا وانا ما قلت ان عقولهم معزولة عن الله كل كتلة لها ان تظن انه يوحي لها ما يشاء ولكنها لا تستطيع ان تفرض على بقية الناس ما هي تحسبه أساس الحياة المجتمعية. لا يعني لي شيئا ان تقول دولة انها تدين بهذا الدين او ذاك. الدولة هيكلية قانونية اي انها ذات تركيب تجريدي. اما الوطن فأشخاص يتلاقون ويتفاعلون وبينهم وجداناتهم اي أعماقهم الإنسانية ومن هذه الأعماق تطلع مسيرة الدولة. أنت في الوطن أخي وأقيم معك الدولة في مواجهة أفكارنا وقناعاتنا وفي مقابلتها نصل معا الى حكم يوافقك ويوافقني ولا بد ان نختلف ولكن ميثاقنا ألا أبسط يدي لأقتلك ولا تبسط يدك لتقتلني. الدولة هي قبل كل شيء مكان السلام.

#   #   #

ليس أحد يعلم الى أين الربيع العربي صائر. لا بد ان فيه بذارا ديموقراطية ولكنه قد لا يخلو من أصولية. قد لا تكون هذه على الشدة نفسها في كل البلدان ولكن يجب ان نفهم ان ديكتاتورية جماعة قد تكون اسوأ من ديكتاتورية فرد. أمام هذه الضبابية التساؤلات حول الحرية تطرح نفسها بسبب من اختلاف الفلسفات السياسية.

غير ان هاجسي ليس التطور الممكن لكل ربيع عربي لأن العروبة السياسية ذات ألوان او نكهات مختلفة. ما يحدث في مصر لم يكن له مثيل على أيام ملوكها وقد كنت في شبابي متتبعًا لحكم الملك فؤاد والملك فاروق وأتت ببطرس غالي باشا القبطي رئيسًا للحكومة وثورة مصر على الانكليز قام بها مسلمون وأقباط على السواء اي ان قربى المسيحيين من الأجانب ما كان معروفًا. لماذا تغير الموقف بعد ثورة يونيو لست أعلم على التدقيق لأقول في الأمر شيئًا. الانبا شنوده بابا وبطريرك الاسكندرية كان يرفض رفضا قطعيا ان يحلم اي قبطي بذاتية قبطية على الصعيد السياسي. هل يكون احد أسباب التوتر ان الأقباط في الجامعات والمهن الحرة كالطب والصيدلة كانوا متفوقين بصورة منقطعة النظير. ربما التقدم العلمي لا يخدم احدا. الى هذا كلنا يذكر ان الانبا شنوده منع ابناءه ان يزوروا اسرائيل بعد إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين. واللاهوت القبطي ككل اللاهوت الأرثوذكسي متشدد تجاه اليهودية واليهود. وممنوع على أحد ان يجادل المسلمين فيما لو أصدر احدهم كتابًا او مقالا ضد المسيحية. وما من شك ان الأجهزة الأمنية المصرية على شيء من التراخي إزاء أحداث طائفية. المشكلة تحتاج الى حل جذري لأننا نريد جميعا ان تبقى مصر العزيزة بلدا عربيا مميزا. ما من واحد من جيلي حركته الثقافة العربية الا اذا جاء عقليا من مصر. ومن يعرف العظمة الروحية عند أقباط مصر وتقواهم وهدوءهم يحزن لاغترابهم.

#   #   #

ما يهمنا بنوع خاص هو المثلث سوريا-فلسطين-لبنان- حيث تتقارب الطبائع والتقاليد بين المسيحيين والمسلمين. لست أعرف لماذا لنا هذه الخصوصية في دنيا العرب. ولكن الواضح في ذاكرتنا الجماعية ان الحكم العربي منذ البدء راعى المسيحيين. فقط حكم المماليك كان قاسيا ربما ايضًا على أطياف غير مسيحية. بقيت عقلية القربى سائدة بيننا في العصر العثماني قبل كفاحنا والتتريك في اوائل القرن العشرين. بكل اطمئنان يمكنني القول ان السلاسة في علاقات الطوائف كانت حاكمة ولن تتغير طبائعنا بسهولة او سرعة. لذلك لست أرى سببا لمخاوف بعض المسيحيين. ما جرى في العراق الواقع في حرب طويلة لا يمكن اتخاذه نموذج خطر على المسيحيين فالكل هناك قتل الكل. ونحن تختلف ذهنيتنا عن الذهنية العراقية.

هل ينقص المسيحيين شجاعة ورجاء. لنا ان نمد أيدينا الى أيدي المسلمين كما كنا نفعل دائما. أفهم ان يقال ان ثمة حركات جديدة، متصلبة.

ولكننا على كل الصعوبات نحن نحيا بالمسيح القائل انه معنا حتى منتهى الدهر. الخوف اكبر قوة تقتلعنا من مكاننا. هو دائما قتال لمن يسميهم الناس أقليات لأن العدد عندهم هو كل شيء. الى هذا شعوري ان المسلمين المعتدلين الذين يحبوننا ويريدوننا أهم وأقوى من المتشددين. وكل منا يعرف بينهم الصديق المحب.

آن للمسلمين ان يفهموا ان التهمة القديمة القائلة بأننا كنا نتعاون مع الأجنبي لم تبق الآن صحيحة. ألستم تذكرون ان شارل ديغول الشديد في إيمانه الكاثوليكي هو القائل ما مفاده ان فرنسا تتعامل مع الطوائف اللبنانية على السواء؟ يبقى الأميركيون الذين يدركون ان الدولة ليس لها صاحب الى الأبد. وهم لم يظهروا يوما انهم أصدقاء المسيحيين. ماذا نستطيع نحن ان نعطيهم ولهم مداخلهم ومخارجهم مع بلدان عربية ليس فيها مسيحي واحد. ونفط المسلمين جذاب.

في السنة الـ 636 كان العرب يحاصرون دمشق. فهم واليها منصور بن سرجون جد القديس يوحنا الدمشقي انه يجب ان يفتح أبواب المدينة لئلا يدخل العرب عنوة وقد يتعرض المسيحيون الى خطر. ولكن لما احتل العرب دوائر الدولة وجدوا ان المسيحيين ماسكون بكل الدواوين. استبقى المسلمون المسيحيين في الدوائر لكونهم اصحاب المعرفة. معنى ذلك ان المسيحيين فهموا ان العرب دخلوا بلاد الشام ليظلوا فيها حكاما وفهم المسيحيون انه لا بد من التعاون.

الشيء الآخر الذي لا بد من قوله ان اهل السنة هم 85% من مسلمي العالم وان كل فكرة حلف الأقليات باطلة وغير نافعة. هذا لا يعني اننا نترك صداقتنا مع الشيعة. انهم اولا رافضون كل صدام مع السنة ولهم جميعا ومتحدين قيل: «كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالعروف وتنهون عن المنكر». نحن مغتبطون جدا لنهضة الشيعة كما نحب شعراءهم القدامى والمعاصرين. وفي الإلهيات نحب انفتاحهم وقد ظهر عظيم من عظمائهم الامام موسى الصدر انه يحبنا في صدق كامل ورددنا محبتهم في صدقنا. غير انه لا بد ان نفهم اننا عايشنا السنة في المدن معايشة صدق ايضا فيها كبر عندهم واظن اننا كنا على كياسة تجاههم ومحبة ربطت افرادا وعائلات الى هذا اليوم. نحن لسنا فئويين في معاشرتنا المسلمين وهم امة واحدة. قلبنا مفتوح لهم جميعا اذ ليس في قلوبنا ان كنا للمسيح سوى المحبة.

غير اننا، مسيحيين ومسلمين، في حاجة الى التوبة والتطهر الدائم لنعانق الآخر. ووحدتنا الوطنية عناق حتى لا يمسها الرياء.

هذا وطن العطاء القائم على الرجاء وديمومة التنقية. المسلمون فيهم «جرح عيسى» اي جرح الحب كما سمّاه ابن عربي ولا يريدون ان يشفوا منه لأن له الولاية. ونحن معهم في هذا الحب. هكذا يُبنى الوطن.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

السيد اردوغان هل يقرأ؟ / السبت 24 أيلول 2011

في الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على وزراء الخارجية العرب في القاهرة أقف عند جملتين منه اولاها ان «تركيا والعرب يشتركون في العقيدة والثقافة والقيم». العقيدة، بلا منازع، هي الاسلام. هنا كلام يتضمن ان دولته لا يرى وجود اثني عشر مليون مسيحي عربي على الأقل وهؤلاء لا ينتظرون من اجنبي تحديد هويتهم القومية. في ما يختص بالثقافة اللغة التي كان لها أثر كبير في الأناضول هي اللغة الفارسية. بعد محمد الفاتح صارت القسطنطينية قطب جذب للشعراء العرب والفرس حتى تأصل التركي البسيط. ولكن بعامة لم يبقَ من تأثير عربي غير مختلط بالأثر الفارسي حول القرن الخامس عشر والسادس عشر.

بظهور التنظيمات في القرن التاسع عشر اتجهت تركيا ادبيا نحو الغرب. ثم مع حرب الاستقلال وإعلان الجمهورية التركية السنة الـ 1923 تصلّب الشعور التركي حتى جاء ناظم حكمت الثوري (1902-1963) ثم اتسع الأفق بدءًا بالسنة 1939 بالترجمات والاتجاه نحو الفكر المجتمعي والسياسي. ما هو حي الآن في الأدب لا علاقة له بالعروبة. اما القيم التي يشير اليها السيد اردوغان على انها مشتركة بيننا وبينهم فمنها القديم والحديث فما من شك ان القديم غير ضاغط علينا واننا تواقون الى الحداثة وذائقون اوربا بعمق في حين ان الأتراك متعلقون بالعتيق بشدة واوربا عندهم أمل بالانصهار السياسي بها استكمالا للحلف الأطلسي الذي يجمعهما ويجعل تركيا قوية في دنيا العرب على رجاء عثمانية ما العرب فيها حليف صغير لا شريك كبير.

اما الأكثر مخافة مما سبق فقول السيد اردوغان: «كان في التاريخ التركي شاب قام بإنهاء حضارة سوداء وتدشين حضارة جديدة عريقة عندما فتح اسطنبول وهو محمد الفاتح». انا لا اناقش عراقة الحضارة التركية وعظمتها. ولكن ابدأ بسؤال للسيد اردوغان لا ينبغي ان يصدمه وهو هل قرأ الحضارة البيزنطية التي يسميها سوداء. الأتراك عسكر اقوياء استطاعوا مع موآمرة الأساطيل الغربية التي كانت تربض هناك ان يغلبوا اعظم فكر حضاري السنة الـ1453. ولكن كيف يريد السيد اردوغان ان يقنعنا ان الحضارة المتكاملة العناصر والخلاقة والسامية روحيا حتى السماء كانت سوداء. كيف لا يرى ان نهضة اوربا ما اخذت تظهر الا بهجرة العقول البيزنطية الى الغرب الذي اقتبس منهم العقل الاغريقي وانشأ الفكر الحديث؟

#   #

#

الحضارة البيزنطية اهم ما فيها الثقافة. عرفت الخط مكتوبا باليونانية واللاتينية في اعمال المؤرخين القدامى ورسائل في الزراعة والفن العسكري، في الطب والطب البيطري، في تأويل الأحلام، كل هذا الف مكتبة كبيرة. اليها كانت مكتبة البطريركية المسكونية التي كانت تحوي أعمال المجامع وكتب الاباء. الى هذا مكتبات خاصة. هنا وهناك كتب طقوسية. ندرة الكتب نابعة من كونها غالية.الوصول الى الكتاب يسهل في العائلات الغنية. المدرسة الابتدائية يشرف عليها الأسقف، يتعلّم الولد فيها القراءة والكتابة والحساب. الكتاب الرئيس هو المزامير. في المدرسة علم الجمّل حيث لكل حرف قيمته في الرقم كما في العالم العربي. الترتيل متقن في المدارس.

كل الأولاد كانوا يتبعون المدارس الوسطى. تعلم الناس كل ما في الحضارة القديمة: هوميروس، الهندسة، البلاغة، الرياضيات. كانت الفلسفة تتضمن اللاهوت والرياضيات، الموسيقى، علم الفلك، الطبيعيات. في القرن الثالث عشر ظهر في الترجمة اعمال لاتينية وفارسية وعربية. أخذ القوم عن اللاتينية مفردات الحياة الإدارية وعن العربية تلك المتعلقة بالنسيج. كانت الكنيسة متعلقة باللغة القديمة. عرفت القسطنطينية غير مؤسسة جامعية، ثم كان للبطريركية تعليم جامعي.

#   #

#

المعرفة العالية كان لا بد ان تتضمن تفسير الكتاب المقدس وبعد تحديد العقيدة ظهرت المفردات اللاهوتية. لقد اثر النسك والتصوف في التعليم وتركزت العقيدة على كتب يوحنا الدمشقي. الصوفيون الكبار كانوا سمعان اللاهوتي الحديث وغريغوريوس بالاماس ونيقولاوس كبازيلاس. هنا تظهر سير القديسين. الكتب الطقوسية وضعت بين القرن الرابع والقرن الخامس عشر وعليها يعيش الارثوذكسيون حتى اليوم. جزء اساسي من الثقافة البيزنطية ان تعرف استعمال كتب العبادات لا سيما حسب الأعياد والمواسم.

ثم تأتي الأعمال الأدبية الموضوعة بلغة العلماء. وتعالج التاريخ والجغرافية والفن العسكري والبلاغة والقصة، والفلسفة والألسنية وقواعد اللغة.

التاريخ يبدأ من بدء الخليقة وينتهي عند زمن الكاتب. الى هذا الفلسفة اليونانية التي أظهرت اباء الكنيسة. وقد استعار الفكر المسيحي مصطلحات الفلسفة لينتقل ورأى انه يكمل الفكر القديم بالوحي. غير انها بقيت مستقرة في جوهرها. استعملت أساليب مختلفة في بناء اللاهوت غير ان عدد الفلاسفة الأصيلين كان قليلا ولكن كثر العالمون بالآداب اليونانية الكلاسيكية والنقاد وعلماء اللغة وبرز شعراء مسرحيات.

لعل اجمل ما كتب الشعر الديني. كل ما يسمى في الصلوات القنداق والقانون شعر. الى هذا عرفت بيزنطية الشعر الشعبي والقصة بالفصحى وبالعامية. كذلك عرف علماء رياضيات وفيزياء وبصريات.

عرف البيزنطيون علم الحيوان من الناحية التطبيقية وعلم النبات التطبيقي اي استعمال النبات في الطب والصيدلة. اخذوا الخيمياء عن سترابون وطبقوها في المعادن والصبغة والأدوية والزجاج.

على الصعيد الطبي في التنظيم الصحي. أسست مستشفيات وصار للأطباء تعليم نظامي وعززت مواردهم. اشتهروا في علم العين: بولس من ايجينا كان دارس الجراحة والتوليد وأثر في الطب العربي. ميخائيل بسيلوس وضع قاموسا في الأمراض. خصصوا كتبا في طب الأسنان والتمعوا في البيطرة وفي طعام الحيوان. الصيدلة كانت عندهم جزءًا من تعليم الطب وأخذوا في الصيدلة شيئا من العرب والفرس.

#   #

#

عظمت الخطابة وسيلة للدعوة السياسية او الدينية. ومن الخطابة الوعظ الذي اشتهر فيه يوحنا الذهبي الفم في القرن الرابع ومطلع الخامس في أنطاكية والقسطنطينية ولدينا مواعظه في اللغة اليونانية مترجمة الى معظم اللغات الأوربية وبعضها الى العربية.

ظهرت الأيقونة الخشبية او الجدارية في الامبراطورية ولا سيما لتعليم الأميين. منذ القرن الرابع بدأ الرسم كما الفسيفساء. اقدم الفسيفساء (العذراء، القديس جاورجيوس) في سالونيك. القليل حفظ في ايا صوفيا وبقيت ايقونات كشف عنها من عهد أتاتورك. القليل في قبرص والأكثر في رافينا (ايطاليا). وبسبب غلاء الفسيفساء استعيض عنها بالرسم الجداري الذي عرف كثيرا في ما هو الآن المشرق العربي وهو في حالة التجدد اليوم في كل انحاء سوريا ولبنان. كذلك زينت المخطوطات بالتصاوير ولا سيما كتب الأناجيل. وارتبطت الصور بصناعة الصياغة والتطريز.

انتبهت الكنيسة الى ضرورة الأيقونة في المجمع المسكوني السابع وحددت تكريمها تحديدا عقديا في السنة الـ787 ملأت الكنائس والبيوت في الدنيا الارثوذكسية وكان بادئ التنظير لها القديس يوحنا الدمشقي الذي عاش راهبا في فلسطين وتبنت الكنيسة رأيه في الأيقونة وهو القائل ان التجسد الإلهي يفرضها. ان روحانية الايقونة في كل بيت ارثوذكسي في العالم الى جانب استلهامها في الكنائس كان من العوامل التي حفظت الايمان.

كل البيزنطيين، كما يؤكد المؤرخون، كانوا مؤمنين. اذا وجدوا راهبا في الطريق يطلبون بركته. في هذا الجو لك ان تفهم اهتمامهم بالمرضى والفقراء.

لقد ظلم بعض الأباطرة ولكن بعضهم تركوا الملك ودخلوا الديورات رهبانا. كان هذا المجتمع على خطاياه يريد ان يدشن في الأرض ملكوت الله في لاستقامة الرأي وطهارة السيرة. علامتها البكاء على الخطايا واللطف والتسامح والسلام والتعاطف والزهد بالمال والتقشف. هذه كلها مجتمعة بكلمة واحدة هي محبة الرب.

الأمر كله ان يهتدي الانسان من الامور الخارجية الى الامور الداخلية. بكلام آخر كل المؤمنين في وسط هذه الحضارة كان نهجهم صوفيا، بحيث تقيم في سر الله ولا تعلم حواسك شيئا مما تأخذ من إلهك وتصلي دعاء الرب يسوع في داخل قلبك مرددا اسمه مئات المرات في اليوم او ألوفا حتى تنطفئ الكلمات ويصبح قلبك كلمة.

من عرف العبادات البيزنطية التي تكونت اصلا من بلادنا يرى فيها غنى لا يتجاوزه غنى آخر. كل صلاة من الصباح الى الغروب الى نصف الليل تحمل هذه القناعة التي نعبر عنها يوم الفصح بقولنا: «المسيح قام من بين الأموات» انت في القداس ترجو الله بعد ان يأتيك جسد الرب ودمه ان يجعلك في «كمال ملكوت السموات»، متحررا من المحاكمة في اليوم الأخير ومن الدينونة. كل هذه الصلوات الكثيفة، العميقة، البلورية وجسدك ساجد او منتصب ونفسك بلورية نابعة من الكتاب الإلهي او هي نظم له لتصبح شعرا إلهيا مع الجماعة.

اذا قرأ السيد اردوغان كل هذا هل يقدر ان يقول ان كل هذا البهاء الذي وصفناه ما قدر لنا هو حضارة سوداء؟ انت لست معذورا ان قرأتنا وفهمتنا خطأ. انت لست معذورًا ان رأيت النور ظلاما. أجدادك اقتحموا المدينة التي كانت تعرف انها وحدها آنذاك مقر الحضارة في العالم. انصف ما كان قبلك جميلا واقرأ لأنك مسؤول.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

الإيمان / السبت 17 أيلول 2011

نبدأ باللغة. الإيمان هو التصديق. هو الأمن اي نقيض الخوف. وهو الثقة. ومنه المأمن اي موضع الأمن. وهو الأمانة. لغةً وحسب لسان العرب تبدو لفظة الإيمان أقرب الى القلب. عند الإمام الغزالي وفي المسيحية هو نور قذفه الله في الصدر اي ان الله مصدره والانسان يتلقاه ويستجيب له بطاعة التقوى والسلوك. ليس تاليا تحركا عقليا ولو لعب العقل دورا في التلقي. ولكن العقل ليس منشئ الإيمان ولو حاولت فلسفة القرون الوسطى الوصول الى ما تسميه البراهين عن وجود الله.

ممكن الإقرار بوجود الخالق عقليا ولكن التثبت العقلي لا يقودك الى الحركة نحو الله بالقلب ولا الى معاشرة الله بما تسميه بعض الفلسفات اختباره او ذوقه. اذا كان الإيمان يقيمك كيانيا في كل وجودك لا يكون فقط إفرازا منطقيا. كان لي صديق في مرحلة إلحاد قال لي انه لا يقبل الا بما يمليه عليه عقله. أجبته ان كان عقلك كل وجودك كيف اخترت زوجتك؟ ما أمرك عقلك بحبها ولو ساهم جزئيا في ذلك. هل أملى عليك عقلك ان سيمفونيات بيتهوفن اجمل ما في الموسيقى؟ في التصرف البشري لا احد يسلك وكأن العقل وحده يحركه.

في المسيحية الايمان هو بالله وحده. لذا يقول دستور الإيمان: «اؤمن بإله واحد». ويضيف: «وبرب واحد يسوع المسيح». لأن الربوبية هي الألوهية. لا يؤمن المسيحيون بمريم، يكرمونها. لا يؤمنون ايمانا بالقديسين ولو استشفعوهم. لا يؤمنون ايمانا بأنبياء العهد القديم. يؤمنون بكتبهم لاعتبارها بعضا من الوحي.

ليس من العقيدة ان تؤمن بأية معجزة حصلت بعد معجزات المسيح. الناس أحرار ان يصدقوا الظهورات المنسوبة الى القديسين او لا يصدقوا. احرار ان يقتنعوا بعجائب هذه الايقونة او الا يقتنعوا. كل ما هو مخلوق لا يدخل في نطاق الإيمان. هذه المرأة او تلك تتقبل رسائل من السماء أمر ممكن ولكنك لست ملزما تصديقه. الهرولة الى مواضع العجائب تصديقها او نفيها لك. لماذا نحتاج الى معجزات ليقوى ايماننا بالله؟ «الله كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه». واذا كان من ترعاه ضعيف الايمان تعيده الى الكتاب الإلهي. من لا يؤمن بما أتى فيه لن يقنعه اي ظهور لاحق.

ان ثمة ديانة شعبية تكثر فيها الخرافات، عاطفية، انفعالية، تكثر فيها الهلوسة كثيرا ويضغط انصارها عليك لتصدق وانت تكفيك قيامة المخلص وحضوره في إنجيله والقرابين.

#   #

#

المؤمنون الأقوياء، القائلون في اعماقهم ان الله كل شيء لهم قلة عزيزة. كل من اتكل على ماله او صحته ليس متكلا على الرب ولا يلتقيه في مسيرة الحياة. الناس تتراكم في ذاكرتها تصورات دينية وكلمات دينية التقطوها من بيئتهم يحسبونها فكرا إلهيا فيهم وهي ليست بشيء. ديانة يركبونها لأنفسهم يظنون انها تحميهم من المرض او العوز وقد تكون احيانا تلفيقا يفسد به ما أتاه من عبادات صحيحة. الدين خطر جدا ان لم ينقه الله بنعمته كل حين. من لم يوحد نفسه بالله وبحبه تنزل عليه الوثنية دون ان يعلم. هكذا تكون عندنا جماهير كثيرة. هذا النوع من الديانة المبتلة بالخرافة كثيرة الانتشار.

لا يقي الله آليا من الديانة الركيكة من علت به المقامات. الجلباب الأسود يبقى قماشا ان لم تغير حامله يد العلي. ليس ما يضمن القداسة في الكاهن لمجرد انه صاحب دور فكثيرا ما يختلط الدور بحب السلطة او بشغف المال والمستلم رئاسة ليس متحررا بالضرورة من شهواته ولكونه يعمل في المقدسات قد يحسب انه وصل اليها وقد يصح هنا قول في الانكليزية: «كل سلطة تفسد والسطلة المطلقة تفسد مطلقا» حتى يرانا الله عراة في القبور. الإيمان ليس مضمونا عند كل المقامات. لذلك كان الرهبان الأقدمون يهربون من القسوسية الى البراري.

المقامات مدرسة الكيد او يمكن ان تكون. وكانت العرب على حق عندما قالت: «طالب الولاية لا يولى». والمشكلة ان الأبرياء لا يعرفون اهل الكيد ولا اهل المكر وكأن الله لا ينقذ الصالحين الا بموت الأشرار والمشكلة انه لا يحق لك ان تنتظر موتهم لأنه في حكمة الله وهي غير مكشوفة لك.

حسبك وجه ربك وان تتعزى به وان تعرف انه يقود الكنيسة بروحه القدوس وانه مكتوب عليك الصبر حتى يأخذك ربك اليه لتنضم الى محافل الأبرار.

اسهر اذًا على نفسك حتى لا تقع في الكيد والمكر اذ قد ندرك وقتا يصير فيه الأطهار نفرا قليلا. هذا ما رآه يسوع حاصلا في آخر الأزمنة. في الانحدار العام تقف على صليبك حتى تخرج منك آخر قطرة دم.

#   #

#

يطرح عليّ الأذكياء سؤالا حول العلاقة بين الإيمان والمعرفة لأنهم بادئون بالعقل واهل الايمان بادئون باليقين وكأن الاجتماع بينهم عسير. كيف نحفظ نحن المؤمنين الله وهو الحفيظ؟ يقول القديس كيرلس الاسكندري: «من الضروري ان تؤمن لتستطيع ان تفهم… المعرفة تتبع الإيمان». ثم جاء بعد كيرلس اوغسطين المغبوط ليقول: «نؤمن لنعقل ولا نعقل لنؤمن». بمآثرك الطيبة في الإيمان تنمو في المعرفة. وتدقيقا لما روينا يقول الذهبي الفم. «بالإيمان نصل الى المعرفة في شؤون الله. الإيمان معيار المعرفة والإيمان هو الذي يقود العقل الى المعرفة».

الإيمان ليس قضية براهين منطقية. يأتي من الثقة بالرب. ويقول كاسيانوس البار: «يقيني حتى اؤمن ان أعرف من هو الذي تكلّم». دع جانبا الأدلة. اجل، يجب ان نعقل عقليا بمقدار ما وهب الله ايماننا.

#   #

#

اذا نظرت الى الناس جميعا ورأيتهم يتساقطون كالحشرات في ما يعملون ويخربون اوضاعهم واوضاع الناس افهم ان لا إله لهم ويغطون إلحادهم تغطية. «نفسي حزينة حتى الموت» لكون المؤمنين باتوا قلة. ولكنا نعلم ان الإنسانية مخلّصة على الرجاء واننا مدعوون الى تجديد اخوّتنا بالروح القدس حتى ينهي الرب الأزمنة الرديئة في فصح مقيم.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

عيد الصليب / السبت 10 أيلول 2011

في الرابع عشر من ايلول تعيّد الكنائس لارتفاع الصليب. وغني عن القول ان المسيحيين لا يعبدون خشبة الصليب ولا يضعون في الكنائس الصليب الا اذا صار ايقونة اي رسم عليه المسيح. فكل ذكر للصليب في العبادات يعيدنا الى الذي مات عليه. لماذا هذا العيد؟ الأعياد المسيحية فئتان: الأعياد الفكرية مثل الميلاد والفصح والأعياد التي هي تذكارات لحوادث تاريخية يضاف اليها الفكر اللاهوتي.

ما سميناه عيد ارتفاع الصليب يؤرخ لحادثة اولى هي اكتشاف صليب المخلص مطمورًا تحت تراب الجلجلة حيث مات واكتشفته القديسة هيلانة ام الامبراطور قسطنطين التي بنت كنيسة القيامة وكنيسة المهد. وضع عود الصليب في كنيسة القيامة حتى 4 أيار 614 فسرقه الفرس في تلك الفترة بعد احتلالهم اورشليم (القدس). في الـ628. بعد ان انتصر الامبراطور البيزنطي هرقل على الفرس اعاد هذا الامبراطور الى المدينة المقدسة فرفعت الكنيسة هذا العود امام المؤمنين وابتدأ العيد. وجزئ الصليب اجزاء صغيرة جدا ووزع على المؤمنين في كل الدنيا بمعنى انه الآن مجرد ذخائر عند ألوف مؤلفة من المسيحيين.

الجانب الطقوسي لهذا العيد غاية في الجمال في الكنيسة الأرثوذكسية اذ يرفع الكاهن قبيل القداس الصليب فوق رأسه وينزل به الى أرض الكنيسة وذلك خمس مرات وسط ترتيل مطول وبعد ان يقبل المؤمن الصليب يدفع الكاهن اليه زهرة كانت تحيط بالصليب عندما كان يحمل في الطواف ليؤتى به الى المائدة التي يتم عليها التكريم.

كل المسيحيين على درجات مختلفة من الأبهة والبهاء الطقوسي يعبرون عن ايمانهم ليس فقط بالكلمات والانشاد ولكن بالرموز ايضا بحيث ساغ القول ان القداس الشرقي بنوع خاص مسرح ديني فيه انواع من الفنون المختلفة وسجدات وركعات وحركات كإشارة الصليب على الوجه والصدر وفي العبادات ايضا ماء وخبز وخمر وزيت وزهور واكاليل للعرسان وزيت وتراب على الجثمان وثياب تختلف ألوانها حسب المواسم وثياب خاصة بكل رتبة وايقونات وتصوير جداري لشعور المؤمنين انهم يمجدون الله في نفوسهم وأجسادهم معا وذلك بسبب ايمانهم بقيامة الأجساد.

هناك ملموسية ضرورية لك معرفتها لتفهم المسيحية كما تجسدت في الألفية الأولى -وكل ما نتممه اليوم- قائم وتام في الألفية الأولى. تفهم الناس كما يفهمون هم انفسهم.

#   #

#

لك ان تقبل موت المسيح ولك الا تقبله ولن اناقشك. ولكن ان اردت ان تعاشر المسيحيين لك ان تفهم عمق ايمانهم بالمصلوب. لن تفهم ذرة واحدة من ايمانهم وبالتالي لا تستطيع ان تودهم ودا كبيرا ما لم تدرك سرهم اي ما يحركهم في العمق وتبقى حرا بتصديق حادثة الصلب او عدم تصديقها. كل حرارة الحب في المسيحية أتت اليهم فقط من صلب المخلص. كل صلاتهم وطهارة بعضهم وانجازاتهم الفكرية في الشرق والغرب، كل ادائهم الشهادة بملايين من الشهداء جيلا بعد جيل، كل تقشف عندهم ونسك، كل غفران، وسلام في النفس ومحبات تبذل حتى الموت نازلة عليهم من المصلوب. لولاه لكانت المسيحية مذهبا من مذاهب اليهود.

انجيلهم ليس فيه سوى هذا الحدث كائنا ما كان صوغ الأناجيل اسلوبا ولغة، الأناجيل تبدو بسيطة ولكن مضمونها اللاهوتي غاية في التركيب. انها قائمة على جدلية موت المسيح وقيامته. اي تجليه الثنائي وسيادته على القلوب.

هذا الصلب هو الذي جعل المسيحية ايمانا بشخص يدعى يسوع الناصري وليست اساسا تصديقا بكتب. الناصري لم يكتب حرفا وأتباعه يومنون به لأنه مات ثم قام ودونت الأناجيل بعد موته بضع عشرات من السنين (الانجيل الرابع بعد السنة التسعين). فقبل نصها كان هذا الايمان الواحد قائما وكانت دماء الشهداء تهدر لا بسبب كتب ولكن بسبب الحب لهذا الشخص.

هذا صار الكاهن العظيم بآلامه واتخذ خطايا البشر على نفسه لكي تزول عنهم بالحياة الجديدة التي يعطيهم اياها بدخوله مملكة الموت ونزوله الى الجحيم اي الى قاع اللعنة التي لحقت بمن ماتوا قبله وبعده. ذلك ان «اجرة الخطيئة هي الموت» الذي صار موت ابن الانسان.

هذه الأوجاع التي تحمّلها هي أوجاع الناس جميعا، هي معاصيهم. اخذها في ذاته لكي ينجيهم منها. «دفنا معه بالمعمودية للموت (اي لنصير الى موته) حتى كما أقيم المسيح من بين الأموات نسلك نحن ايضا في جدة الحياة».

ولكن قبل ان تنال الحياة الأبدية حالتك حالة الإنسان الساقط والمتألم معا. اي انك انت ايضا مصلوب ولا تنجو من اي صليب وضع علي عاتقك الا بصليبه هو فتقوم منذ الحياة التي أنت فيها الى حياته لتصبح خليقة جديدة. انت لا تخترع الألم. هو يأتي من هذا العالم الذي هو تحت الشرير. يقلقك ويوجعك حتى تتساقط قيامة المسيح عليك بالتوبة وهي رجوعك بكل جوارحك الى وجهه وهذا هو الايمان الكامل تحياه على الرجاء وفي محبة ليسوع يغدق بها عليك فتصير اليه كائنا فصحيا.

«من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» المسيح لا يلقي عليك صليبا. تؤتاه من ظروف وجودك علي الأرض. وان حملته تصير انسانا سماويا. لذلك كان عيد ارتفاع الصليب مسيرة لك دائمة. كل يوم مثقل وكل يوم ترفع عنك القيامة أثقالك.

من هذا المنظار كان هذا العيد ممتدا فيك كل يوم. هل الصبيان الذين يشعلون النار عشية ذلك اليوم يعرفون انهم مدعوون ليحملوا بها النور الى العالم فيصيرون قياميين؟ هل كان ذلك تبيانا لهويتهم؟

ما عيد ارتفاع الصليب الا قصة حب، أعظم قصة حب في التاريخ لأنها كتبت بالدم. هي زواج المخلص مع الإنسانية جمعاء. حبيبته ليست حصرا طوائف المسيحيين. هي الانسانية المطهرة من كل أطراف الدنيا. هذه هي جسده اي كيانه المعمد بماء او المعمّد بالروح. الذين يؤمنون بيسوع يؤمنون بالمحبة والناس كلهم احباؤهم لأن الناس جميعا يأتون من المسيح بطريقة او بأخرى وهو حاملهم بدمه الى أبيه وروحه حتى يكون الله الكل في الكل.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المحبة كإكليل وفحوى / السبت 3 أيلول 2011

قال باسكال العظيم ما معناه ان «للإنسان ثلاث مراتب: مرتبة الجسد ومرتبة العقل ومرتبة المحبة» وانا اواجه كل هذه المراتب باستقلالها وبتواصلها قبل موتي حتى تغلب الواحدة الأخرى ويقبضني الله بما يرضيه.

اما مرتبة الجسد ففيها هذا البدن مع جماله وضعفاته، مع ما يخبئ من تعقيدات وبما يعظم فيه ويهبط، بما يفرح ويولم الى ان يوارى الثرى على رجاء القيامة ان كنا مؤمنين. انه ركيزة، مجرد ركيزة لعقل يتوهج او يغيب. ويريد باسكال بكلمة جسد ما يملك في هذه الدنيا من منازلها، من ترهاتها ومسرات على مستواها وما في هاتين اليدين من فناء وحب فناء يبدو للأكثرين وجودا وما هو بوجود ولكن فيه سلوى وانبساط والبسط هو هذه الأشياء التي نتمدد فيها وتلهينا وتحجب عنا ما هو أعظم منها لأن الأعظم أصعب منالا اذ يتطلب جهدا كبيرا يبعد عنا شبح الموت. يذكرني هذا بما قاله بولس: «آخر عدو يبطل هو الموت». لا بد اذًا ان نتسلى. الكارثة اذا بقينا عند هذه التسليات ان نشاهد أنفسنا في فراغ مخيف يشبه اللاشيء حتى ندرك مرتبة العقل التي هي الإحاطة بالكون. الكون بالنسبة الينا معارف. هي حسرة الا تعرف كل شيء ولكن لا بد ان تجهل الكثير مما يفيدك في حياتك ولا سيما امور صحتك. وجد في الماضي من عرف كل شيء أمثال الغزالي وليوناردو دافينشي ولكن الموسوعية زالت في عصرنا. لذلك كان المتعلّم متعلما نسبيا والجهل عميم في بلدان كثيرة وشبه قارات هذه هو واقعنا ان العقل قوة للحياة العملية ولا يرشدك كثيرا الى الفكر الذي يعطيك الفرح. كيف لا يتحرك وجودك كله ان عرفت ان كاهنا مارونيا كان حافظا لمئة ألف بيت. كيف لا تشتهي ان تكون فيك كل الأحاسيس التي كانت تحيي هذا الرجل اذا كنت قادرا فقط على حفظ عشرة ابيات من الشعر. لا يعيش اذا في ذهنك الشعراء الذين كتبوا عندنا منذ امرئ القيس.

أليس ذهني مبتورا انا كاتب هذه الأسطر الذي غابت عنه كل العلوم الرياضية وكل العلوم الطبيعية وكان جاهلا بالكلية كل الثقافة الالكترونية وانتمي تاليا الى حضارة منقرضة. محتوى ذهني اذًا قليل.

العقل اذًا مجرد قدرة وليس فحوى. وليس عندك متسع من الوقت لتعرف كل شيء. الإنسان مجموعة فراغات.

كان معنا في أحد أديرتنا راهب روماني يتقن عدة لغات عصرية الى جانب اللغات القديمة منها السنسكريتية ويعرف كل العلوم العصرية ويستشهد بالشعر باللغات الأصلية كما يستشهد بالعهد الجديد باليونانية. وكنت أجلس عند قدميه ساعات في النهار الواحد لأتعلم ما أريد معرفته. لم أعرف احدا في ذكائه في كل العالم الأرثوذكسي. وهذا هو العقل.

#   #

#

عرفت القرون الوسطى اشكالية العلاقة بين الدين والعقل او بين النقل والعقل وذلك في الاسلام والكثلكة (توما الاكويني) واليهودية. ومن قرأ نصوص هذه الديانات الثلاث يلاحظ ان الاشكالية واحدة وهي التوفيق بين الوحي والعقل. كان ارسطو المعلم الأول غير المنازع في التيار الديني في هذه المذاهب.

الكنيسة الشرقية البيزنطية لم تعرف هذه الاشكالية ربما لعدم سيادة ارسطو عليها ومن جهة اخرى علم باسيليوس الكبير ان الطبيعة تعرفها بالعقل وان الإيمان يأتينا بالوحي وكأن باسيليوس يؤكد مصدرين للمعرفة وتاليا لا يرى مشكلة العلاقة بين العقل والوحي.

الى هذا ترى الكنيسة الأرثوذكسية ان العقل وقع ككل مكونات الإنسان في المعطوبية التي نتجت عما نسميه الخطيئة الجدية (أي خطيئة الجدين الأولين آدم وحواء) فلم يلغَ العقل ولكنه اهتز. الى هذا ايضا تقيم هذه الكنيسة علاقة بين العقل والقلب فنقول ان العقل ينزل الى القلب ثم يصعد متطهرا. العقل اذًا اداة لمعرفة هذا العالم.

ليس من خفض في الشرق المسيحي لمنزلة العقل ولكن سكر فيه ومحوه يعني عاطفية لا يراقبها شيء. والله معروف بالايمان الناتج عن لقاء العقل والقلب متلاقين بالنعمة الإلهية.

#   #

#

بدأ باسكال حياته الفكرية منذ طفولته ومر بعد هذا بالتكنولوجية وكان كاتبا مسيحيا كبيرا ولا سيما في كتابه «الأفكار» قبل ان يتوفى في التاسعة والثلاثين من العمر. و«الأفكار» مركز على معرفته للمسيح. فكان لا مفر له ان يجعل المحبة اعلى مرتبة في الكيان البشري. قال احد آبائنا ان يوحنا الإنجيلي عندما قال في رسالته الأولى الجامعة «الله محبة» لم يرد بها صفة من صفات الله ولكن الله في ذاته.

لعله من المفيد ان اروي لكم حديثا جمعني والمغفور له المفتي نديم الجسر في مجلس عزاء. بادرني بالقول انتم موحدون فشكرته ثم أردف ولكنكم فلاسفة. ولما أحسست بأنه يلمح الى ايماننا بالثالوث الأقدس اجبته: لا، لسنا فلاسفة. نحن عشاق الله ثم فسرت ان في الثالوث وحدانية تجمع بين الآب والابن والروح القدس وهذه الوحدانية هي المحبة.

نحن لا نفرق بين المحبة التي هي الله وتلك النازلة علينا اي انها ساكنة فينا. اظن ان هذا ما قصده باسكال لما قال ان المرتبة العليا في الوجود هي المحبة. وهذه تذهب بك الى الموت في سبيل الآخر ولا تأتي من مرتبة الجسد ولا من مرتبة العقل انت فيها تبقى ذاتك ولكنك تصبح مسكوبا حتى اماتة الأنا المنغلقة تصير واحدا مع الآخر بلا حلولية.

هذه المحبة هي لنا منه منذ الأزل وتبقى الى الأبد اذ يأخذنا الله اليه او فيه سرمدا. نصبحها وتصبحنا ولا تبقى الا وحدها في الملكوت.

غير انها لا تحل فينا الا بعد تطهر كبير ونسك شديد وعند ذاك، تتصور فينا وفي اهل السماء وجميعهم وحدة كاملة. انها لا تقوم مقام العقل ولكنها ترفعه اليها. لا تفنيه في ما له من ذاتية ولكنها تسموه وتنقيه بحيث يخسر كل اعوجاج له وكل اهتزاز ويصير بدوره أداة لرؤية الله.

فقط في هذه الرؤية يسيطر العقل على اشياء الدنيا كما تسيطر هي عليه. واذا صار الناس واحدا بالمحبة في اليوم الأخير يصير الله الكل في الكل اذ ينكشف الله فيهم محبة في طبيعته وعمله. بمعنى انه لا يبقى فيهم سواه فيعرفون انه مخلصهم لا أثر فيهم الا تنازله الكامل اليه ويجعلهم كالمسيح جالسين عن يمينه على العرش. المحبة لا تصير اكليلا لنا الا بعد ان كانت هي فحوانا.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

المرأة / السبت في 27 آب 2011

موضوع المرأة وارد في اللاهوت الذي تعنى فيه هذه الزاوية ولكنه في معظم جوانبه موضوع إناسي (انثروبولوجي بلغات الغرب) ولكني أحببت ان أتطرق اليه بسبب المغالطات الكثيرة والأخطاء التي يقع فيها المفكرون في الحديث عنه. المشكلة كامنة في ان الرجال يتحدثون عن النساء وهم قوامون عليهن بسبب من دين او بسبب من الأثر الذي تتركه المخالطة فيما بينهم ولكني احببت ان أخوض المغامرة علي اسهم في شيء من التقويم.

مرة قال القديس غريغوريوس اللاهوتي الذي تثقف عندنا في مدرسة الحقوق البيروتية في القرن الرابع: الرجال غير منصفين في حق المرأة لأنهم هم يشرعون وكأن هذا الكلام يعني انه لا بد من المنافسة بين الجنسين. هل الخلاف في طبيعتيهما أصيل ويتأزم في الحياة الزوجية فيظهر عنف أسري من هذا الطرف او ذاك ام ان الخطيئة تستثير القوة البدنية او قوة الإغراء لتسود؟ يدل هذا التساؤل على انك لا تقدر ان تعالج شأن المرأة الا بنسبتها الى الرجل. اذا كان الأمر كذلك يبطل عنوان هذا المقال.

اما اذا أحببنا ان نعود الى البدايات لنتفهم شيئا نقرأ: «خلق الله الانسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وانثى خلقهم» (تكوين 1: 27). قال: خلق الانسان على صورته ولم يقل خلق الرجل. لذلك يبدو لي ان الصورة الإلهية ليست في الذكر والأنثى مجتمعين، ليست في الزوج الذي يقول له الفرنسيون Couple. في الرواية الثانية للخلق: «فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وامه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا» (تكوين 2: 23-24). يتضح من هذا انها على تكونها منه صارت انسانًا آخر ولا يصيران واحدا الا بإرادة الوحدة الزوجية، بالعقد يقول الكل بطريقة او بأخرى وبالعهد كما يقول المسيحيون ولا سيما الأرثوذكسيون منهم. الوحدة موقف روحي واستمرار روحي بين كائنين مستقلين. الشوق لا يخرج الانسان عن وحدته. القربى مسعى او تدرج واشتهاء وحدة. فلو كانت انصهارا يقرب من الذوبان لا يكون احدهما وحده على صورة الله. الحب بينهما ان يكون هناك محب ومحبوب.

استقلال المرأة عمقه في ما كتبه بولس في رسالته الى أهل غلاطية اذ يقول: «ليس عبد ولا حر ليس ذكر وانثى» (3: 28). ليس ذكر وانثى تعني انه لا يعطف الواحد على الآخر من حيث ان واحدا منهما لا يحددها الآخر ولا تحدده العلاقة الثنائية وان كلا من الرجل والمرأة كامل في المسيح يسوع وغير المتزوج ليس دون المتزوج لأن كلا منهما على صورة الله. الزواج ينشئ علاقة لا تغير صورة الله عند احدهما. وهنا يأتي الرسول في ما كتبه الى اهل أفسس ليبين طبيعة العلاقة.

#   #

#

يبدأ بالخضوع المتبادل بين الانسان والانسان قبل الخوض في المسألة الزوجية وعلى وضح هذه الآية 21 في الاصحاح الخامس ينبغي ان نفهم ما سيأتي. يقرأ الكثيرون نصف الآية الذي يوافقهم «ايها النساء اخضعن لرجالكن» يتبعها لأن الرجل رأس المرأة التي لا تُفهم الا بما يتبعها «كما ان المسيح رأس الكنيسة وهو مخلّص الجسد». المسيح مات من اجل الكنيسة. على هذه الشاكلة يموت الزوج من اجل زوجته وانت تطيع من يموت من أجلك. ويؤكد هذا قوله: «ايها الرجال احبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها». ثم يقول: من يحب امرأته يحب نفسه. من اجل هذا يصيران واياها كيانا واحدا كما ان المسيح والكنيسة كيان واحد. خارج سر علاقة الموت والقيامة ليس من زواج مسيحي.

هذا كله مستند الى الفرق الشاسع بين العشق eros والمحبة. فالعشق من الطبيعة والكنيسة تقدسه في حفلة الإكليل. اما المحبة فهي نازلة من الله على العروسين وهي دعوة الى ان يموت كل من الاثنين عن الآخر فاذا هي لم تنسكب او لا يريدانها يصير العشق معرضا الى الزوال والى البغض ويهدم الوحدة الزوجية. لذلك كان غير المؤمنين معرضين للانفصال بعد زواج ابتدأ فقط باللهب ولم يبدأ بالإيمان.

العهد الجديد لا يتكلم عن المرأة منفردة ولكنه يتحدث عن علاقتها بالرجل في الحياة الزوجية اذ يتقدس بها وتتقدس به. ما هو من الحياة المجتمعية ان الرجل يرى نفسه اهم من المرأة وسيدها لمجرد كونه ذكرا. هذا تفشى في حياتنا الشرقية وربما في العالم كله اذ يرى ان الاغراء يأتي منها والحقيقة ان الاغراء ليس حصرا على جنس من الجنسين وما من شك انه قامعها لأنه يرى نفسه في آن معا عظيما ويسعى الى تأكيد عظمته بلا مبرر ويضربها لكونه يرى نفسه مؤدبا لها. وكلما استمر هذا يحدث الخلل في الحياة الزوجية.

الواقع انها أقوى منه على مستوى الصحة وتعيش حول سبع سنوات أكثر منه في العالم كله. ولكنها تتكل عليه وتتوكأ عليه ربما لأنه هو المنتج الا اذا كانت تعمل فتصير متكلة على إنتاجها وترى انها تستقل عنه بالمال الذي تجني. بسبب هذا التساوي الذي صارت اليه بالعمل اخذت تتحرر من وطأته. ربما عقده هذا الوضع الجديد تعقيدا كبيرا. فقط الحياة الروحية عندها وعنده يجعلانهما على صعيد واحد من الكرامة. والى ان يتم استقلالها بسبب انتاجهما معا يمارس عبوديتها وبالمقابل تمارس عبوديته الى ان يعتقدا انهما بشر وان البشرية الصالحة لا دخل لها بالمال.

متى تتحرر من استعبادها له؟ هذا لن يحصل قبل فهمها انها ليست جسدا محضا وان الجمال الذي تتمتع به ليس شيئا بحد نفسه وانه فقط هبة من الله في النوع البشري.

غير ان الحياة الزوجية من أصعب الأوضاع. والحل ان يفهما معا ان الزواج ليس مجرد لقاء جسدين وان الروح عند كل منهما ينبغي ان تسمو ليتشاركا بالروح. لا مشاركة الا اذا ادركا ان الحياة الزوجية عطاء كل منهما للآخر.

#   #

#

هذا يفترض ان الفتاة يجب ان تعي نفسها كاملة قبل دخولها الحياة الزوجية وبالاستقلال عنها وان كان في الزوجية تكامل اذ لها مواهب خاصة بها وللرجل مواهب خاصة به. واذا ترمل كل منهما يبقى كاملا ولو كان في ذلك عذاب. فالأمومة مصلحة لها كما ان الأبوة مصلحة له.

لما قال بولس ان هذا السر عظيم اراد ان الحياة المشتركة طوال الحياة سر كما ان علاقة المسيح بكنيسته سر.

سوء الرجل ان يحس ان زوجته تريد السيطرة عليه بما وهبتها الطبيعة من جاذب. ربما كان هذا صحيحا في حالات كثيرة. فالحقيقة انها تستعمل الجمال لحمايتها وتمتعها بالاحترام الكامل. ويجب على الرجل ان يفهم ان فيها حماية لذاتها وانه هو في خدمتها كما هي في خدمته. الحياة الزوجية تبادل بين متساويين ونمو مشترك نحو الله من جهة وتربية الاولاد من جهة. فاذا نظر كلاهما لبنيهما وبناتهما كهدف لهما واحد لا يبقيان كديكين متصارعين. يترهبان من اجل الذرية لأن الذرية لله وهما لا يملكانها.

الاولاد لله في طهارتهم ومنفتحون على المعرفة والتقدم والحياة البارة. لا يمكن ان يتقدس الرجل ان لم يفهم ان المرأة ليست دونه كرامة واخلاقا ومحبة. والله لا الاشتياق هو الموحد بينهما طيلة العمر بما فيه الشيخوخة الصالحة وهو الذي جعلهما جسدا واحدا وقلبا واحدا على صورة قلبه.

Continue reading
2011, جريدة النهار, مقالات

القانون / السبت 20 آب 2011

لم أعثر على كلمة قانون في لسان العرب ولكن اللفظة واردة في اليونانية وتعني القاعدة غير ان ثمّة احتمالا على انها من قناة وهي كل عصا مستوية وفي اللاتينية تدلّ على القصبة. فمن اي مصدر لغوي اشتقت تدل على مفهوم الاستقامة. منشئو اللغات وضعوا المفهوم ضد الاعوجاج المطبوع الإنسان عليه منذ سقوط آدم. فاذا قلت بالقانون تقبل ان ثمة اعوجاجا وتدعو الى الا يبقى مضمنا ان التقويم ممكن ولهذا كان القانون.

هذا عرف بالشريعة في العهد القديم وعرفها بأنها «الشهادات والضرائب والأحكان التي كلّم بها موسى بني اسرائيل عند خروجهم من مصر» (تثنية الاشتراع 4: 45). والمعنى ان هذه الشريعة اعطاها الله وهذا في الإسلام ايضا.

الفكرة في هذا السياق ان هناك كلمة فوق الانسان يحقق نفسه بها اي ان الكلمة تجعله مستقيما. لا اتطرق هنا الى الشريعة او الشرع ولكن الى القانون الذي تضعه الأمة بمعناها المدني لكل من أعضائها لأنها حريصة على سلامتها وسلامته وتقدمها وتقدمه اذ نفترض في الشارع حرصا على المواطنين. نأخذ هنا القانون الوضعي الذي يستلهم في بعض البلدان الشرع. والشرع في تطبيقه تصير له حوانب وضعية.

المهم ان هناك قانونا فوق رأس الجميع ليس فقط لأن سلطة شرعية وضعته ولكن لكون هذه السلطة -ان كانت غير مستبدة- تعمل لصالح الجماعة. غير ان هذا الكلام يعني ان الناس يومنون بأنهم جماعة اي قوم يؤمنون بأنهم يعيشون بالمشاركة فيما بينهم وانهم ليسوا شرذمة مؤلفة من أفراد غير مترابطين.

هل شعبنا يؤمن بأنه شعب، مجتمع متراص او يسعى الى ان يكون ويبقى متراصا خاضعا لسلطة منبثقة عنه ومفوضة بأن تسعى الى خيره؟ قد يكون قبلي العقلية والقبيلة الواحدة متآلفة ومتجانسة ولها رئيس. المشكلة هي اننا قبائل متعددة او شعوب كما يحلو لسركيس نعوم ان يسمينا. وبين القبائل تنافس او خصومة. المشكلة في الذهنية اللبنانية ان كلا منا يؤمن بنفسه فقط واننا لم نصل بعد الى القبلية.

انه لأمر عظيم لو آمنا اننا «كلنا للوطن». ايماننا ان كلا منا لنفسه وربما كان لعائلته اي ان كلا منا يحس بفرديته، بانفراده وهذا ما يسمى باللغة الفلسفية فردانية. ليس لأحد لحمة مع الآخر. لا يقول اثنان في المعاملة انهما اثنان. يقول كل منهما انا واحد والى جانبي شخص آخر. كل منا يتقابل بمصلحته ويسعى اليها في الأنا الجامدة، المنغلقة على ذاتها، الراغبة في توسعها على حساب الآخر. وشعورنا ان السلطة السياسية او الادارية قائمة للعقاب اي انها تحديدا عدوتنا. السلطة في احساسنا قائمة لإقصاء الشخص لأن لها في ذلك منافع وكأن السياسة لأهل السياسة وليست راعية للجماعة والمجتمع بقرة حلوب عند اهل السلطة وتحلبه بتجديد قوتها في الانتخاب على اي صعيد كانت.

هل السلطة تشعر انها فوق وان الشعب كله تحت وقد يدعو هذا الشعب ان يشعر ان السلطة تستغله لمنفعتها هي. اذ كان وضعنا ان ثمة ناسا فوق وناسا تحت لا مجال للخضوع للقانون. اما اذا كان هناك حد أدنى من الإخلاص عند الحكام فالسؤال الشرعي المطروح على الناس هو لماذا تخالفون القانون؟

#   #

#

قد تكون الحالة اللبنانية اليوم ان شعبنا لا يثق بالسلطة وهذا لا ييسر حل المشكلات وهذا يتطلب تداول السلطة. غير ان هذا عندنا ليس بالأمر السهل. مثل على ذلك في كنيستي عندنا من يناط بهم المحافظة على الأوقاف. اننا نسميهم وكلاء الكنائس ونسميهم اليوم مجالس رعية وقد أقررنا مبدأ تغييرهم بعد انتهاء ولايتهم وبعض منهم متمسكون بالمقام الذي وضعوا فيه. يحسون ببعض المجد اذا بقوا في منزلتهم وهذا المجد لا ينبغي ان يخسروه او ينقلوه الى اولادهم. السلطة، السلطة هي المشكلة في اي مقام بلغته. وتتحول الى سلطة مطلقة احيانا. وتحتاج انت الى صدام لتغيير الواقع.

التلميذ الزعيم بين أقرانه لا يقبل ظهور وجه آخر لأن المجد لا ينتقل ولا ينبغي ان ينتقل. وفي العائلة الأولية للرجل ولا يسمح ان تأخذ امرأة شيئا منها ولو كانت أذكى او أحكم او أطهر. الفردانية هي ذلك النظام العقلي والنفساني الذي لا يقبل التلاقي لأن الآخر تحديدا غير موجود وينال من الآخر نعمة او هدية او عطفا ولكن لا ينال حقا. شيء من هذا يفسر الصدام او الكراهية بين لاعبي كرة القدم. الآخر مطلوب ان ينكسر لأنه ان لم ينكسر فهو موجود. في هذا الجو الاعتراف بالآخر تنازل عن وحدانية الطرف الذي يشعر بأنه وحيد. ترى شيئا من هذا في لعب النرد او الورق. الآخر لا ينبغي ان يربح لأن الربح وجود.

من مظاهر الفردانية عندنا ان الكثيرين عندهم سجلات للمحاسبة احدهما مزور يظهرونه لمفتش المحاسبة ليسرقوا الدولة اي ليعطلوا الشراكة بينهم وبين المواطنين الآخرين، ليبقى الفقير مدوسا في الوطن مع ان بين هؤلاء من يحسن الى المحتاج ولكنه يريد ان يحسن هو لا ان يحسن الوطن ممثلا بالدولة. والإحسان ان كان في طبيعته شركة يكون احسانه هو اي عطاء من خير كان له. وما كان شركويا يصبح عملا فردانيا يحمل متعة العطاء لا فرح العطاء الى الله بواسطة المعوز حبيب الله.

لا يدخل الله ولا يخرج في حياة اللبناني الا في الطقوس الدينية التي تحمل فرحا فينا. في ترتيل النصوص المقدسة يتقدس او لا يتقدس، يسمو او لا يسمو هذا ما يعرفه ربك وحده. ان هذا الانسان لا يبتهج لسرمديّة الجماعة. ينظر الى تأثره الداخلي اي انه لا يزال على فردانيته ولو أقام صلاة الجماعة. لذلك يقول لك المسيحي انا آصلي في بيتي يوم الأحد. انا لا أنكر عليه علاقته بالله ولكنها علاقته هو لا علاقته بإخوته مجتمعين. اظن ان كل المسيحيين الذين يقولون انهم يصلون في منازلهم في الآحاد منعزلون عن الإخوة. المفروض ان القامة هي الى القامة في حضرة الله ليرى ان هؤلاء ابناؤه مجتمعين لطاعته.

#   #

#

غير ان أبلغ ما في الشعور الفرداني الانعزالي تصرفنا في قيادة السيارات. انت ترى من سيارتك انها معرضة للصدمة لأن سائقا آخر يهجم عليك بسرعة جنونية ولولا هذا الجنون لما مات عدد رهيب من الناس كل سنة.

سؤالي البسيط ان كل هؤلاء الذين يقدمون امتحانا لنيلهم شهادة السواقة اعترفوا ضمنا او صراحة انهم سوف يتمسكون القانون وهم يعرفون كيف ان التمسك ينجيهم من الكارثة تقع عليهم وعلى سواهم ويعرفون ان السرعة المعتدلة توصلهم الى الهدف الذي يقصدون ولو تأخروا على موعدهم دقائق قليلة.

انا بت واثقا بأن خلاص عقليتنا من الفردانية يبدأ بتطبيقنا قانون السواقة لأن تطبيقه يدل اننا آمنا بجانب من القانون. لعل اول اصلاح تقوم به الدولة هو حرصها الشديد على سلامة السير لأن الدولةمربية. وما لا بد لنا من علمه اننا نحن والدولة مهما طغى الفساء على بعض من دوائرها عائلة واحدة وما من احد فوق او احد تحت اي لنا ان نعتقد ان الدولة تحبنا وان بعضا من الحب القانون. المسلم يعرف ان دولته تطبق الشرع الإلهي او تستلهمه. والمسيحي مفروض ان يؤمن ان «كل السلاطين قائمون من الله» مدوارة بالديموقراطية.

مرة كنت في احدى دول الإمارات وكان في يدي ورقة رميتها على الأرض وكان كل رفقائي لبنانيين فانحنى احدهم على الأرض ورفع عنها هذه الورقة. لم افهم لماذا لا يعمل مثل هذا في بلدنا. لماذا يتقيد بقوانين البلد الذي يقيم فيه في الاغتراب ولا يتقيد بقوانين لبنان؟ هل الإصلاح يأتينا من ان نرى الحكم عندنا يستقيم ليؤمن به الشعب ام اننا نحن والدولة نسعى الى خيرنا مجتمعين؟

ما من شك عندي ان القانون يصلح المساوئ الكثيرة التي ورثناها من عهد المماليك الى آخر عهد الانتداب. ما من شك عندي اننا قادرون ان نصير حضاريين مثل اوربا التي كانت مثلنا قبلية قبل ثلاثة او اربعة قرون. اما آن الاوان ان نصلح قلوبنا وعقولنا لنبني وطنا على الشراكة بين كل شرائحه وهذا يكفي بمعانقتنا الشرائع وبها يتجلى الله فينا.

Continue reading