الأحوال الشخصية لدى الارثوذكس / السبت في 25 تشرين الأول 2003
وضع المجمع المقدس للروم الارثوذكس ضمن دورته العادية (تشرين الاول) قانونا جديدا للاحوال الشخصية واصول المحاكمات وجاء اقرب الى التراث والى احساس الانسان المعاصر بآن وتضمن في نطاق الاحوال الشخصية وهو القسم الاول من القانون ثمانية ابواب1) الخطبة، 2) الزواج، 3) البائنة (الدوطة)4،) الهجر5،) انفكاك الزواج، 6) البنوة، 7) التبني، 8) احكام القاصر وتناول في الفصل الثاني موضوع تشكيل المحاكم واصول المحاكمات.
لن اتناول في هذه العجالة كل شيء ولكن ما قد يكون لافتا من الناحية اللاهوتية او ما قد يكون جديدا بالنسبة الى النص الاقدم. لم تستعمل كلمة عقد لتعريف الزواج لانها قليلة الاستعمال عند علمائنا اذ نعتبر هذه الافهومة مأخوذة بمفهوم السر فقلنا الزواج سر.
في باب موانع الزواج استقر على منع الدرجة الرابعة (اولاد العم والخال والخالة) وكذلك على منع زواج الكاهن لو انفك زواجه او ترمل وفي الحالتين ورد ما يسمى عندنا التدبير اي قبول راعي الابرشية بمخالفة القاعدة. بقي ان الزواج بشخص من طرف غير مسيحي ممنوع مطلقا ولا يستطيع اسقف ان يجيزه.
ما يلفت في باب الانفاق ان «المرأة الموسرة تلتزم اعانة زوجها المعسر والانفاق عليه». هذا مرتبط بمفهوم السر القائم على ان الكرامة واحدة لكل من الزوجين ونتيجة ذلك المساواة في الواجب. وكما تجب نفقة الزوجة الموسرة لزوجها هكذا تتعاون وزوجها للانفاق على البنين. وتبقى تفاصيل تتعلق بنفقة الاولاد عند اليتم. وفي المادة :27 «عند انحلال الروابط الزوجية تراعى اولا وآخرا مصلحة الاولاد في تحديد من يولى تربيتهم». ليس الولد ملحقا آليا بهذا او ذاك من والديه. وهنا امكن القول ان القانون ابرز اهمية الولد اذ اقر في مادته الـ57 حضانة الام حتى السنة الرابعة عشرة للذكر والخامسة عشرة للانثى (في القانون السابق كان الوالد يستعيد الصبي بعد اكماله السابعة والابنة بعد اكمالها التاسعة). هذا مع القول بالسلطان الابوي (لم يأخذ المجمع بالفكر العلماني الحديث القائل بسلطة الوالد والوالدة معا علي الاولاد). بقي القانون قائما في المبدأ السلطان الابوي. على ذلك لم يظل «بطريركيا» حتى النهاية اذ يقول ان سلطان الوالد يزول اذا انتفت اهليته للتربية. ان تطبيق هذا يتطلب قضاة يقتنعون بزوال الاهلية التربوية عند الرجل.
على رغم خطر الظلم للاولاد لاحظ القانون ان حق الحضانة او الحراسة يسقط 1) عند العجز او التقصير الفادح للحاضن او الحارس في التربية والرعاية، 2) عند زواج الحاضن او الحارس اذا الحق ضررا بالقاصر، 3) عند اعتناق الحاضن او الحارس دينا آخر، 4) اذا كان سلوك الحاضن او الحارس يسيء خلقيا او نفسيا الى القاصر.
&&&
الى هذا ادخل المجمع المقدس مفهوما جديدا في الحياة الزوجية عند الارثوذكس وهو مفهوم الابطال. منه اذا جرى في حال ارتباط احد الزوجين بزواج آخر او اذا شاب الزواج عيب من عيوب الرضا او اذا اقيم بالاكراه والتغرير او اذا تبين ان احد الزوجين كان في تاريخ اقامة الزواج غير اهل لممارسة الحياة الزوجية.
في ما اعتبره المفهوم الارثوذكسي للزواج لا يعتد بالاسباب السابقة للزواج اي ليس هناك مقولة الإبطال. المقولة غير الملفوظ بها ان الزواج العائب (ما يعوزه الرضى) لم يحصل. هو زواج غير موجود حسب مفهوم قانون نابوليون. يبقى ان غموضا كاملا يكتنف القول بأن زوجا من الزوجين كان غير اهل لممارسة الحياة الزوجية (هذا غير العجز الذي له احكامه). متى يعتبر احدهما غير ناضج بما فيه الكفاية؟ من يثبت ذلك بعد انقضاء سنين على الاكليل؟ هل القاضي الروحي يستطيع ان يلم بما فيه الكفاية بأن احد الزوجين كان غير اهل للحياة الزوجية؟ ما اخشاه ان يفتح القول بأن احد الزوجين كان غير اهل للزواج عند حصوله بابا لاجتهادات لا تحد وللتقدير المزاجي او النزوي عند القاضي.
لا جديد في موضوع الطلاق اذ يبقى محصورا بعلة الزنى او ما هو بحكم الزنى. الجدير بالملاحظة ان هذا القانون – بخلاف ما يدعي المدافعون عن حقوق المرأة – لا يقيم اي فرق بين الرجل والمرأة. فالاسباب الدافعة الى طلاق المرأة هي اياها الدافعة الى طلاق الرجل. لم يبق اثر لمفهوم فسخ الزواج او لذكر عدم الانسجام بين الزوجين. من هذا المنظار جاء القانون الحالي اشد تضييقا. غير ان القانون تبنى فكرة الهجر وتوسع بها وكانت قائمة قضائيا على سبيل العرف ولكن ما من شك في ان القول بالهجر كان غير معروف في التراث البيزنطي. ولست اعلم مدى نجاحه عند الآخرين. ما من شك في انه افهومة مأخوذة من القانون الكاثوليكي الذي يقيم بالهجر طلاقا موقتا. افهم الهجر الموقت التدبيري لايام او بضعة اشهر طلبا للتهدئة. لكن الهجر الممكن مده الى ثلاث سنوات من شأنه ان يعرض طهارة الازواج لخطر. البت النهائي اصرح ويقع في منظومة التدبير الارثوذكسية.
&&&
اكثر ما هو لافت في هذا القانون ان اعضاء المحكمة الروحية يمكن اختيارهم من العلمانيين الذين يشترط فيهم ان يكونوا قد مارسوا القضاء او المحاماة وبحيث يسوغ ان يكون كل القضاة من العلمانيين. هذا يفصل بين الرعاية والقضاء. وهذا قد يحتم ضميريا على المطارنة ان يسعوا الى المصالحة قبل الاحتكام الى المحاكم. اذ ذاك يكون المتقاضيان قد اختارا الخصومة فتكون المحكمة المدعوة روحية بمثابة مجلس يقضي وفق احكام قانون وضعي.
الامر الآخر الذي اتى عليه القانون ان القضاة العلمانيين يمكن ان يكونوا من النساء. الثغرة الكبيرة في القانون ان يشترط ان يكون القاضي المدني حاملا اجازة حقوق ومارسها ولا يشترط في راعي الابرشية الجالس قاضيا او في من ينتدبه ان يكون قارئا الحقوق. وما من شك في ان بعض الاحكام يبدو ضعفها بسبب من النقص العلمي عند القضاة الاكليريكيين وكأن ما مورس سابقا يفترض ان معرفة الحقوق تنتقل الى الكاهن على البداهة.
لقد تحررنا من جهالة فهمنا لقولة من بولس: «الرجل رأس المرأة» ووردت في مسودة القانون. غير ان الآباء الاساقفة لاحظوا ان هذا قول يبتر الآية اذ القول الكريم هو: «الرجل رأس المرأة كما ان المسيح رأس الكنيسة» وان الذكورة لا تعني لله شيئا ولكن عطاء الزوج حتى الموت على صورة موت السيد عن كنيسته. لا سيادة للرجل على المرأة افضل تحقيق لهذا القانون. اجل هناك سلطة أبوية اذا قرأناها جيدا هي تكليف وواجب اذ تتكلم على التربية وادارة الاموال للقاصر. كذلك هناك حدود موضوعة للسلطة الابوية اذ تسقط بالدرجة الاولى بسوء السلوك عند الاب. في الحقيقة يمكن نعت القانون بأنه يغلب الابوة على الامومة ولكن ليس فيها غلو «شرقي». كان المنطق يتطلب الاعتراف بالسلطة نفسها للأم من اجل مساواة نظرية. غير ان وضع العمل للرجل الذي لا يزال سائدا في هذه المنطقة يمكن ان يبرر هذا السلطان الابوي اللين.
في المحصلة الاخيرة ارجو ان يأتي هذا القانون تربية للارثوذكسيين الذين كان بعض الناس يظن ان الطلاق سهل عند الروم. في النص الحاضر يخسر الطلاق سهولته كثيرا اذ نعود عمليا الى كنيسة الالفية الاولى التي كانت تقول بالطلاق الاستثنائي الصعب الاتيان بالادلة عليه. ما من شك في ان قدسية الزواج في النص الجديد واضحة وان النصوص تربي الناس. غير ان القانون لا يصنع القضاء آليا بسبب من عدم احتراف الكهنة عندنا مهنة القضاء. انهم يجيئون من ممارسة تطول احيانا وتقوى باحتكاكهم بأهل الشرائع غير ان هذا لا يكفي.
الشيء الآخر ان الرجل -ولو كاهنا- لا يزال اسير ذكوريته ويحتاج تاليا الى تربية حقوقية قوية اي الى موضوعية قصوى ليساوي بين الرجل والمرأة وحتى لا يقع فريسة حكم عقلي مستبق فيكون مقتنعا بطهارة جنس او عدم طهارته.
هل يغير انتظام قاضيات في المحكمة شيئا بحيث يعظم الانتباه الى الزوجة المتقاضية؟ اظن اننا نحتاج الى وقت طويل للاقتناع بضرورة اجلاس المرأة قاضيا. غير اننا نقدر ان نعطي للطبيب والمساعدة الاجتماعية والاب الروحي دورا في طور المصالحة بحيث تبطل المحاكمة او لا تسير بخصومة كبرى.
اظن اننا لا نزال في حاجة الى تحسين ولكنا خطونا خطوات كبيرة اكثر اتصالا بالعقيدة والعصر. هذا قانون بشري مع بعض إلهام. وهو قابل لملاحظات الاخوة. اتخذناه على رجاء فهم اشد وروحانية اعمق.
Continue reading