في المصطلح المسيحي ليس من فرق بين الدعاء (الفردي) وصلاة الجماعة (القداس وما يقام مما نسميه خِدما إلهية) التي تقوم بها “الأمة المقدسة” معاً. في الكنائس التي لم يعبرها الإصلاح البروتستنتي هي متشابهة مثل صلاة السحر وصلاة الغروب وهي سبع في الكنيسة البيزنطية وكثيراً ما جمعت الواحدة إلى الأخرى عندما تكون متقاربة في الزمن. صلاة الجماعة تسمى خِدما وفي اليونانية ليتورجية وكانت تطلق في اللغة اليونانية القديمة على خدمة الضرائب أو العمل الرياضي المشترك. ففي الليتورجية يكون الإنسان في خدمة الله. ولكن في الفلسفة المسيحية ليس من فرد منعزل عن الأمة بسبب من المشاركة الروحية بيننا وكون هذا الشعب المنتمي إلى الله هو ما نسميه جسد المسيح. فسواء أدعوت ربك في بيتك وفي الشارع أم في قيادتك سيارتك أنت مع الإخوة. أنت من الكنيسة أي من هذه المعية التي يؤلفها المسيح وأحباؤه.
فإذا انتصبت مصليا وجهك هو إلى الله وكلماته فيك هي التي تنشيء وجهك الروحي، هذا الذي ينتقل من مجد إلى مجد بقدر ما يتنزل عليك النور الإلهي.
فلسفة ذلك أولاً إدراكك انك تجيء من الله ومعرفة الشعب الإلهي إن الله جمعه وأعطاه كيانا، كيان الذي ينظر إلى الله إذ يتكون برؤية الله إياه. من هذه الزاوية تكون الكنيسة لا طائفة مجتمعية ولكنها حركة الذين قال الله لهم: “سأكون لكم إلها وستكونون لي شعبا” (ارميا 23:7 وحزقيال 28:36). لم يقل الرب للنبي: أنا إلهكم ولكن سأكون لكم إلها فاني أنا هكذا لكوني راحمكم كل حين. الله لم يحدد نفسه بطبيعته في كلامه لموسى في العليقة ولكنه حدد حركته. مقابل ذلك انتم لستم شعبي ولكنكم ستصيرون كذلك إن عرفتم أني أراكم وإنكم تطلعون من رؤيتي. لذلك عندما تكلم الله على بني إسرائيل في كتاب هوشع إنهم شعب زانٍ (أي عابد للأوثان) قال “إنكم لستم شعبي وأنا لا أكون لكم إلها” ثم بعد هذا يقول: وسيكون في المكان الذي قيل فيه “لستم شعبي” انه يقال لهم فيه “أبناء الله الحي”.
العلاقة علاقة حركة تأتي من نعمته علينا ومن إيماننا به فإذا نظرنا إليه نكون عائدين إليه وان لم ننظر إليه لا نكون شيئا. هو يتحرك فنتحرك.
العودة إلى الله جزء أساسي من خطبة الوداع، هذه التي ألقاها المسيح على تلاميذه بعد العشاء السري عشية الآلام. جوهر الكلام أني ذاهب إلى الأب. وعلى الصليب “يا أبتاه في يديك استودع روحي”. وفي الرؤية الأخيرة للتاريخ يقول: “ثم يكون المنتهى حين يسلم (أي المسيح) الملك إلى الله الآب” (1 كورنثوس 24:15). الآب هو نقطة المنتهى وقلوبنا إليه.
***
وإذا كان الزمان ينتهي عند الآب فالبدء أيضاً منه. ولذلك هو يرسل إلينا روحه في بدء كل صلاة وبلا هذا الروح لا نستطيع أن ندعو. “فالروح هو الذي يشفع فينا بأنات لا توصف”. فحياتنا الجسدية وحياتنا الروحية كلتاهما مجيء منه وعودة إليه. أما ماذا نفعل نحن بهذا؟ الجواب عن هذا السؤال نابع من تمييزنا بين صلاة طلب أو سؤال وصلاة شكر وصلاة تسبيح. المشكلة في صلاة السؤال فالشكر لله واتجاهنا إليه والتسبيح هو الاتجاه المطلق. أما المشكلة فتأتينا من الطلب. عندما يلح يسوع على أن نطلب أولاً ملكوت الله وبره فلمعرفته أننا نغرى بالتماس شؤون الدنيا كالطعام والمال والصحة وما إليها. هو لم ينهنا عن طلبها ولكنه أصر على طلب الملكوت أي سيادة الله علينا بالفضائل ثم قال: “والباقي يزاد لكم”. ماذا يفعل، إزاء هذه الوصية، معظم الناس؟ هنا في لبنان “صحتك بالدني”. وكان المسيح تهمه عافية المرضى وشفاهم من حنانه. ولكن قد يشفيك الرب أو لا يشفيك إذ قد تكون في الأوجاع أقرب إليه. هو وحده العارف بذلك. التمس أنت العافية ولكن لا تعتبرها كل شيء ولا أغلى شيء. ولكن بالله عليك إن لم تكن واقعا في فقر مدقع وما كان أولادك جياعا فلا تطلب ان تزيد ثروتك لأن زيادتها قد تؤذيك. لا تطلب أجمل عروس في بلدك لأن جمالها قد يؤذيك. كن فقيراً إلى الله في كل شيء لأن الغنى على أي صعيد قد يسمرك على نفسه. قد يسكرك الجمال وتسكرك الثروة ما في ذلك ريب. وحتى تصحح صلاة السؤال لا تنس الشكر بعدها إذ به تعترف أن ما نلته إنما كان برضاء الله عليك وعلى رغباتك الصالحة. واعبر من السؤال والشكر إلى التسبيح لأن الله يتخذك فيه ويسحرك بوجهه.
خشيتي من الطلبات وهي في الكنيسة كثيرة أن تقف عندها بحيث تعتبر أن الله مسخر لك ولما تشتهي. أنا لست أقول: لا تطلب. ولكني أقول أن تطلب الصالحات وما ينفع خلاص نفسك. وإذا طلبت فتيقظ دائما حتى لا يصير شأن دنياك بما فيه شأن صحتك مشتهاك الأول. أخشى أن تحيد عن الله إلى هذا العالم، أن تصير أنت المرتكز وكأنك جعلت الله في حالة سخرة. أهل عهد القديم كانوا يحسون بأن الله راضٍ عنهم إذا اقتنوا بقراً وغنماً وما إلى ذلك أو أرضاً. نحن كل هذه لا نسميها بركات في العهد الجديد. ولذلك تجرحني إذا تكلمنا على غني هذه العبارة: “الله أنعم على فلان”. ما الدليل على ذلك؟ وإذا قال السيد إن دخول الغني ملكوت السموات عسير فهل يزيدك ربك من رزق الأرض ليجعل دخولك إلى السماء عسيراً؟
الله ينعم فقط على الذين يحسنون كثيراً لأن قلبهم مفعم بحب الفقراء. والباقي كله حذق في الأرض وفي تملكها. السؤال إذًا هو هذا: هل أنا مركز الصلاة أم إن الله مركزها. الرب يقودك إليه فلا تتصرف وكأنه ينقاد إليك. هو يستمتع بك ويفرح ولا مانع أن تفرح باستجابته أي سؤال منك على أن تذكر رحمته ولا تسر إلا لكون استجابته قد قربتك إليه. في حالة واحدة لك أن تفرح بكسب المال وهو انك تعده للفقراء أو لأولادك الجائعين أو بسبب من عوز شديد. لا تفرح باستعادة صحتك إلاّ لكونك رأيتها عطاء من فوق يمكنك من خدمة أوفر لمجتمعك. هذا ما يؤهلك ألا تبقى مركزاً لصلاتك. فإذا وقعت بمركزية الأنا تفسد صلاتك وتصبح معبوداً في عينيك.
فليكن رجاؤك إذًا أن يصبح الرب إلهك بالمعنى الذي شرحنا في البدء أي أن يكون دائما في حركة إليك إذ الخوف أن يغض طرفه عنك إن أنت أهملته فلا تستحق نظره. لذلك نصرخ مع داود النبي المرنم: “لا تصرف وجهك عني لئلا أشابه الهابطين في الجب”. أنت في الجب إن صرت منسي الله. أما إذا رفعت إليه عينيك ففي عينيك المصليتين سحر له. أنت قادر على أن تجلب الله، أن تستسلم إلى خطفه إياك. ولكن إن حولت وجهك إلى ذاتك وأهملت وجهه تصير عمود ملح كامرأة لوط. هي التفتت إلى الوراء أي إلى عدم السير. انه لانقطاع سير أن تنظر إلى جوفك (المال والصحة وما اليهما). ليس سيئاً أن تحلو لك الاستجابة ولو في أمور دنياك ولكن ما هو أحلى بكثير بعد الاستجابة أن تنساها وتشكر وتتهلل وان تبارك الله وتسجد. والسجود يعني شيئا واحداً انك اعترفت انك لست بشيء وانك راغب في أن تصير شيئا فقط في عينيه.
