Category

2002

2002, جريدة النهار, مقالات

علمانية وطوائف وبلد / السبت 5 تشرين الأول 2002

لم يرَ المثقفون اللبنانيون خروجا من أزمة الطائفية – كائنا ما كان مداها- إلا إلغاء الطائفية السياسية والسبب الذي يدلون به هو ان الطائفية بكل معانيها وامدائها هي العلة. إنها مسلّمة لم يناقشها احد. ما من شك في ان ثمة ذلا لمن كان غير ماروني ان يكتب عليه إلى الأبد أن رئاسة الجمهورية باب موصد أمامه ولمن كان غير سني انه لا يستطيع أن يتبوأ رئاسة الحكومة وهكذا دواليك إلى آخر وظيفة في الدولة. واللبنانيون تسحرهم الدولة وهي مركز همومهم ومكان العدل أو الظلم وهي عندهم ما يفسد المجتمع المدني أو يرقيه. وابتلاع الدولة للمجتمع ليس رؤية الشعوب التي بلغت في الحضارة مبلغا اكبر.

            في الحقيقة إن العلمانية تغطي عند أهل الغرب مفهوم فصل الدولة عن المؤسسة الدينية ولعل هذا الوصف غير ما يعبر عنه بكلمة فصل الدين عن الدولة لأن الشرقي لا يحتمل أن يوضع الإيمان في معزل عن الشأن العام. وما من شك أن عبارة “فصل الكنيسة عن الدولة” عبارة فرنسية من مطلع القرن العشرين ومعناها ألا تمنح الكنيسة الكاثوليكية مواقع في الشأن العام. المنطلق التاريخي للعلمانية الفرنسية لا علاقة له بتاريخنا. وتاريخنا السياسي العربي-الإسلامي لا يرى هذه الإشكالية.

            غير ان الفكر الغربي، بعامة، تجاوز مجرد الـ laïcité بمعنى الحكم المدني البحت ليقول بالـ sécularisme التي أُعرّبها الدهرية واللفظة قائمة في تاريخ الفكر الإسلامي وفي المنطوق الأوربي وفي شيء من التبسيط المفردة تعني ألا يكون الله وشؤونه مرجعا للفكر ولا للسياسة. وهذا ما رفضه الدستور اللبناني المتحدث عن الإجلال لله. وما من شك أن هذه الدهرية صائرة الآن دين الغرب الأوربي بالتوازي مع استمرار الكنائس والأديان الأخرى التي تتوغل في الغرب. ولكن بعضا من المفكرين يأخذون الآن على هذه الدهرية (بمعنى أن كل شيء هو من هذا الدهر الذي نعيش فيه بلا إله)، يأخذون عليها انها صائرة دينا بحد نفسها وانها آخذة بالاهتزاز ككل عقيدة.          ويبدو لي انه ليس عندنا دراسة استعرضت كل التيارات العلمانية القائمة في البلد. ولكن مما لا شك فيه ان ثمة تيارا ولو غير منتشر لا يحصر نفسه في فصل الدين عن الدولة حسب تعبير انطون سعادة ولكنه ينحو النحو الغربي العام في عزل الروحانيات عن كل عمل مجتمعي أو عن بنية الدولة. بكلام ابسط يتمنطق هؤلاء المثقفون وكأنه لا اعتبار لوجود اديان بمعنى انهم يحبون وضعها في الخزانة أو على الرف وهذا – في الظاهرة النفسية – إلغاء. الصحيح ان بعض اللبنانيين لا يؤمنون الا بهذا الدهر ولا يهمهم شأن الدهر الآتي. استبعدوا السماء فلا يختلفون عليها في حين ان كل الموضوع هو اذا ما كانت تبقى الأرض سمأوية كما يريدها المؤمنون ام تبقى ارضا على كثافة ماديتها.

***

            هذه أمور لا يمكن هندستها ما لم نشبعها درسا ونعرف ماذا نريد في الحقيقة من أفهومة العلمنة. انا لا اعتقد انه بسبب من التأزم الحالي ينبغي ان نكتفي بالقول ان الأزمات الطائفية تضطرنا إلى إرجاء الموضوع. ففي الأزمات نجبه امور الحياة ولو اختلفنا.

            غير ان التدرج قد يتم باتباعنا الطائف فيكون عندنا مجلس نواب غير طائفي ومجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف وبعض الهيئات الأخرى. ولكني لا اذكر ان الشارع حدد العلاقة بين المجلسين. في دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة – وقد عايشته – كان مجلس الشيوخ يعيد النظر في القوانين. لنتخذ الطائف مختبر فكر ونشرّع. لماذا لا نحاول الخروج من الأزمة – في البنية القانونية للبلد – بالإسراع في إنشاء مجلس الشيوخ بحيث تحس الطوائف انها متقابلة ومتلاقية على مستوى راقٍ ولا تشعر بأنها شطبت من الوجود السياسي بمجلس نواب وطني التركيبة؟

            غير ان ما جاء في الدستور الجديد يجعلنا أمام تساؤلات عدة لا بد من الإجابة عنها بقوانين سياسية أهمها قانون الانتخاب لأن هذا هو الذي يعطي المواطنين طمأنينة. فإذا قلنا على سبيل المثال أننا نريد لبنان دائرة واحدة لن يعتقد لبناني واحد انه من الإمكان ان يأتي النواب مناصفة في وثيقة الوفاق الوطني. هل تلغى ورقة الناخب إن لم يضع أسماء المرشحين على هذا الأساس؟ هناك حيتان سياسية – وأقولها بالمعنى المهذب والمحب – قد يتحكمون بهذه الدائرة الواحدة فيأتي معظم النواب من لون ديني واحد وينفرط البلد. وليس ما يضمن لي ان هذه الحماقة لا ترتكب.            ليس المجال هنا لأدافع عن الدائرة الصغرى وأريد بذلك اصغر دائرة ممكنة لأن النائب المنبثق عن هذه الدائرة هو وحده الذي يمثل تمثيلا حقيقيا ناخبيه. يجب ان نخلص من هذا القول الهزلي القائل بأن هذا النظام يقوي الطائفية كأن الطائفية لا تنتهي عندنا الا يوم الانتخاب اذا وجد نواب من مختلف الطوائف على لائحة واحدة. النائب ينبثق من مكان راهن، محسوس يحمل شعور ناخبين يعرفون من ينتخبون. واذا اجتمع هؤلاء في الندوة البرلمانية يعرفون انهم يمثلون كل الشعب اللبناني ويعملون له دون إهمالهم المنطقة الصغيرة التي أتت بهم إلى المجلس. عكس ذلك إذا أحس سكان الدائرة الصغرى ان نائبهم يشعر بشعورهم ويهتم لمعضلاتهم المحلية يكونون اكثر اندفاعا نحو المجلس كله. اما ان يلحظ اللبنانيون بأن الشيعي يأتي بالمسيحي والماروني بالأرثوذكسي وان المسيحي يأتي بالدرزي على نظام المحافظة أو ما كان اكبر منها فهذا عينا ما يفرق.

***

            بكلام بسيط ما من ضربة ممكنة للطائفية الا اذا درس معا مسألة مجلس الشيوخ وقانون الانتخاب الذي لا يشعر فيه احد انه مقصي. لن نهرب من هذا المشهد ان هناك عقدة في الطوائف مرتبطة بقانون الانتخاب وعقدة اخرى مرتبطة بالوظائف الحكومية. هنا اقولها صارما: الإدارة يجب فصلها الكامل عن الأديان ولكن هذا يتطلب إحياء المؤسسات التي تختار اهل الكفاءة بناء على مسابقات على ان تبتر يد النائب أو الوزير الذي يتدخل بالإدارة.

            لو وصلنا إلى اعظم توازن ممكن بين الطوائف على صعيد الدولة لا يعني هذا اننا ادركنا وحدة وطنية لأن ما ينبغي ان نتوخاه هو ان نزيل الخوف بيننا اي ان نحب لغيرنا ما نحبه لأنفسنا وان نفرح لنمو الغير وقوته. هل يمكن ان ننقل الصراع على الحكم بين الطوائف الكبيرة النافذة ونجعله في فئات سياسية كالأحزاب والقوى الضاغطة؟ حتى الآن لم نستطع على مستوى العيش الحضاري الواحد بعد إقرار اللاطائفية. جميل ان نرى انفسنا جماعات دينية متقاربة ثقافيا حتى التوحد أو شبه التوحد ومنصهرة في العيش ولا سيما في الاقتصاد. ليس من التخلف ان نشعر اننا نتكامل عيشا من حيث اننا مجموعات دينية مختلفة، تتكامل مواهبها وتراثاتها وتتناضح وتتمايز. ما نسميه تعددا كلمة فارغة اذا عنينا بها التراكم أو التلامس المجتمعي. ما نبتغيه هو التداخل الصميمي بحيث يحافظ كا منا على خصوصيته المشروعة ويلقى الآخر من حيث انه آخر. الآخرية شرط التلاقي.

            الإمبراطورية العثمانية شاءتنا مللا بمعنى انها اعترفت روحيا وقانونيا بذاتية كل ملة. هذا لم يكن خطأ من حيث المبدأ. وفي منتصف القرن التاسع عشر اعترفت بنا مواطنين متساوين. هي لم تكن على غرار أوربا دولة-امة Etat-nation ولم يكن للسلطنة قومية. وبعد ان اخترع مسيحيو لبنان فكرة العروبة صارت كل ملة دويلة ذات حلم عربي اي قوميتها منتشرة خارج الحدود التي وضعها الحلفاء بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. لم ننشئ إمبراطورية عربية ولا أنشأنا في الحقيقة الدولة-الأمة أو امة في حدود الدولة. كانت السلطنة تحتضن الطوائف وتغطيها. ثم نشأت دولة لبنان الكبير فلم تكن إمبراطورية ولم تصبح الدولة قوية بحيث تعمل كجسم إمبراطوري يحمي المجموعات الدينية حقا. أخذت كل ملة تحاول الحفاظ على نفسها ولم تستطع وظنت ان الدولة قادرة ان تحضن الجميع بالتساوي ولكنها لم تقدر ان تفعل. السؤال الآن هو هل ان دولة لبنان الكبير راغبة في ان تتكون من طوائف تتلامس وتتداخل ولكنها راغبة في تكوين دولة مضمونها الحقيقي علماني لتتمكن من عدم تسليط طائفة على أخرى؟ امة طوائف متعاونة في ظل كفاءة الأشخاص ضمن دولة يأتي بها المواطنون المؤلفون مجتمعا مدنيا لا يتنكر للخصوصيات الدينية.

            هذا الجمع بين الطوائف لا تريد احداها ان تكون دويلة وبنية حكم عصري لا يبدو لي شيئا مصطنعا ويبدو قادرا على النفاذ. ولكن ذلك يقتضي منا حركة وجدانية عامة اسمها اهتداء احدنا إلى الآخر. اجل دولة مؤسسات ولكن المؤسسة بحد نفسها ليست الخلاص. نحن في حاجة إلى توبة تاريخية، توبة الواحد إلى وجه الآخر. مؤسسات يحميها القانون ولكن تنعشها المحبة بآن.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

شهوة المال / السبت 28 أيلول 2002

لا بد ان يستهجن الأثرياء مقالي لأني لا اعرف الكثيرين يندمون على شهوة نافعة كانت أو ضارة. ويستغرب الفقراء – لو قرأوا – هذا الكلام وكأني اقطع عنهم رزقهم. وقد لا يكونون دون الأغنياء اشتهاء للمال. العفة عن رغبة المال لا علاقة لها بما تحوز ولكن بميل القلب. وهذا ينطبق على كل حيازة. فقد يكون الملك حرا من سلطان ملكه عليه. وقد يكون الأجير راغبا في التسلط. كيف تتحرر من سيطرة الوجود كله عليك؟

استهل شهادتي بأن الخلق صالح وإننا أحسنا لما اخترعنا العملة إذ سهلت بذلك التجارة وكبرت وشاءت القوة، على اختلاف ألوانها ودرجاتها، أن يتوزع الرزق بين الناس. ومن القوة السرقة والاغتصاب والتعدي على الأجراء والاستيلاء على حصص ليست لك في الميراث. ومن التعدي الربا بحيث بات البشر من العصور الغابرة متفاوتي الكسب. فاللامساواة هي القاعدة التاريخية واني لأذكر في طفولتي ان من “الاتقياء” من كان يقول: “الفقير الحق عليه” ناسين او متناسين ان ثمة وساوس من الشيطان تجعل الانسان يحصل على ما ليس بشرعي او عادل أكان من كبار الأثرياء ام من صغار الفقراء. لا ينعم الله الا على من ابتغى من تحصيله إحسانا لأن الإحسان لا المال هو النعمة.

يقول العارفون بالله لا يحق لك ان تفرح باقتناء الا عندما تروم تبديده على المحتاجين او لكون بنيك في حاجة اليه حقا. اما السرور بالمقتنى وهو شعور بالقوة فهذا ليس شعورا إلهيا. وبعامة، كل تعلق بالزائل يستبعدك عن “الباقيات الصالحات”. انت قائم بها وهي التي تصورك روحيا على البهاء. اما اذا تشهيت الزائلات فتصبح مثلها كائنا هشا، قلقا على فقدانها، جزعا لعدم تكاثرها. وتكون نقلت مركزك وهو الله الى ما لا يركز عمقك على شيء.

الإنسان يأتي من رغبته. فاذا رغبت في الباقي اعني الفضيلة فأنت باقٍ بها وان رغبت في العابر فكيانك الداخلي مهتز. المال لا ينتمي الى عالم القيم. انت من عالم القيم اذا عرفت استعماله للخير. عندما يقول الناس: هذا انسان مادي فكلامهم فلسفي اكثر مما يتصورون. اجل هذا الانسان عنده روح ولا يمكن ان تكون تركيبته البشرية مادة محضة. ولكن عند الرؤية الروحية يكون هذا الانسان قد اصبح وكأنه كله مادة لكون عاشقا لها. انت دائما من جنس ما تعشق. انت تصير من جديد كائنا انسانيا عندما تنتقل عن هذا العشق الى رؤية الأبدي فيك. القضية جدية كثيرا، خطيرة كثيرا لأنها تدخل الذات كلها. ما يحدث لنا في الخطيئة اننا بدل ان نرغب في الله نصير راغبين في المخلوق الذي من طبيعته ان يعبر فيزول. عندما يقول بولس ان “الطمع عبادة وثن” كان يعلم ان ليس من عبادتين تلتقيان في النفس الواحدة. احداهما تصبح عبودية.

هناك وثنية اذا اتكلت اتكالا عميقا او محضا على ما بين يديك وان احسست ان مالك يوفر لك مستقبلا وايماننا نحن انك بين يدي الله. “لا تهتموا بالغد” قولة المسيح هذه لا تحول دون سهرنا على اولادنا وتعليمهم والطبابة. انها فقط دعوة الا يصبح هذا الاهتمام انشغالا. اجل في الاقتصاد الحالي لا بد من توفير وتاليا من بعض القوة. قصد الكلمة الإلهية ان تجعل الله متكلك وان تسعى في الاتكال وان تطلب العضد الإلهي ولا تستسلم الى التوهم انك قادر بالسعي وحده ان تضبط الوجود اذ تكون آنذاك قد أنكرت مجانية العطاء الإلهي وان الرب معيلك. وفي هذا يقول القديس كاسيانوس: “لا تستطيع في آن واحد ان تحب روحك والمال”. وذلك مصداقا لقول الإنجيل: “حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك ايضا” (متى 6:12). ما يخشاه اهل المعرفة الروحية انك اذا انكببت على ملذات الدنيا لا يبقى لك صبر على اللذات الروحية لأن ترف الدنيا يحجب عنك فرح الملكوت الآتي عليك كل يوم.

هذه الصعوبة لا تنحل على طريقة الوعظ التافه الذي أخذ يستعبدنا منذ قرون والذي يدعو الى شيء من الإحسان تكفيرا عن الذنوب او طمعا بالجنة بحيث تعطي ما لا يتناسب وثروتك وترضي ضميرك القلق. معلمنا الكبير يوحنا الذهبي الفم يعلن ان “الأغنياء (اي الذين يظلون على غناهم بلا عطاء كبير) والبخلاء هم سراق من نوع خاص”. الفكرة الأساسية عند المعلمين القدامى – وهم المرجعية – ان الله وهب خيرات هذا العالم ليشترك فيها الناس جميعا بلا استثناء وليتمتعوا بها على التساوي. واما ان يحصل بعض اكثر من الآخرين فهذا يناقض المساواة التي ارادها الله في توزيع الثروة وهذه الحال لم تكن في البدء. هذا نشأ مع الأهواء. ان اشياء هذه الدنيا والتمتع بها هو للجميع. انها ليست “لأحد من حيث الملك” كمل يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث. وكلام باسيليوس الكبير قاطع: “انت كوكيل وليس كمستمتع تستعمل الغنى”.

الكلمة-المفتاح في هذا المجال ان المال وكالة من الله. انه يأتمنك عليه لمنفعة الناس جميعا بدءا من عائلتك ما في ذلك ريب ولكن امتدادا الى كل محتاج. ليس عندنا نحن المؤمنين بالتراث المسيحي القديم فكرة الملك. اجل هذا لا ينبغي ان يقود احدا الى السرقة لأنها طمع الا اذا تعرض اولادك الى الفاقة الحقيقية او الى الجوع. تنتفي عند ذاك السرقة. اجل قال الله في الوصايا العشر لا تسرق. كان هذا في الحضارة العبرية حيث كان الناس بداة او مزارعين متساوين في الفقر. اما في الاقتصاد الرأسمالي حيث التفاوت الرهيب فيمكن ان يتعرض المصاب بالفقر المدقع الى الجوع الحقيقي. هذا لا يبرر اختلاسا يقوم على خوف من جوع غير قائم بعد. غير ان اساءة الاستعمال للتعليم الذي أطرحه – وهو مؤسس في تراثنا – لا يلغي القناعة ان ليس هناك من ملك وان الأمر الذي يريده الله هو الكرامة الواحدة لكل مخلوق.

قال الذهبي الفم “ان في الثروة سببا لأحزان وانقسامات ومشاجرات وأفخاخ واحقاد ومخاوف”. وعلى المستوى العالمي ان التفاوت المادي بين الشعوب مصدر للحروب. ان المال اذا لم تعط منه شيئا يمكن ان يجعلك بلا إحساس. ويقول القديس غريغوريوس النيصصي ان ناسا كهؤلاء يفقدون كل ملامح جنسهم ليصيروا مسوخا.

ما يرعب في شهوة كهذه انها تمسي مرضا لا شفاء منه اذ النزعة عند الثري الكبير انه لا يكتفي بما عنده. كل شهوة من طبيعتها ان تغذي نفسها بنفسها. الشراهة والزنا وحب السلطة لا تقف عند حد. ويدخل في تشهي المال المجد الباطل الذي يدفعك الى ان تصبح اقوى من غني آخر. هناك قلق ناتج من المقارنة. ان التخمة تقلق كالفقر الشديد. تتوجع لأنك لست الغني الاول في البلد وتضطرب اذا لم تستطع ان تحافظ على كل ما كسبت. انت بسبب من ذلك في حالة إحباط دائم اهم ما فيه الإحباط على انك سعيت ولم تصل كما صممت. هناك حزن شديد لعدم بلوغ المأرب الذي هو ازدياد الثروة.

ويسيطر على هذه الشهوة ان صاحبها مدفوع الى ان ينظر الى الإنسان الآخر من ناحية المنفعة المادية. الآخر قيمته بما يملك اي بالعلاقات المادية التي تقيمها معه. وفي هذا يقول الذهبي الفم: “ان الآخرين ليسوا بشرا. انهم ادوات للكسب”. الهذيان الآخر ان للمال قيمة مطلقة وانه هو الحياة.

كل شيء عند هذا الرجل ذهب. انه في هلوسة دائمة. وفي كلمة موجزة ليوحنا الذهبي الفم: “ارادتك في ان تفوق سواك في امتلاك الأشياء الجسدية ليس لها مصدر الا برودة المحبة فيك”.

مع ذلك العجائب ممكنة. اما الشفاء الأعجوبة ففي قوله تعالى: “بدد، اعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد”. قال لي صديق كان غنيا كبيرا: “كلما ربحت مبلغا كبير اوزع منه كمية كبيرة لئلا اقع في اشتهائه”. غير ان المعجزة لا يمكن ان تتم الا باهتداء والاهتداء ان تؤمن انك لست مالكا لشيء او انك فقط مؤتمن. لقد شاءت ظروف الدنيا، شرعية كانت ام غير شرعية، ان تجتمع في يديك ثروة. سؤالك نفسك هو كيف اشتري نفسي من وطأة هذا الذي تجمع عندي. الإنقاذ الوحيد ان تعطي بقدر كبير حتى تصل الى الحرية. كيف تعطي، من تعطي ليس هذا هو الموضوع. الموضوع ان تتحرر داخليا من العبودية. قد توزع قليلا اذا ملكت قليلا. اذ ذاك انت حر. تعطي كثيرا جدا ان ملكت كثيرا. اذ ذاك، انت حر. المهم ان تتجرد من كبرياء التملك. اذا أزلت هذه العاطفة عنك تصبح فقيرا الى الله. اذ ذاك فقط تنوجد.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

الشراهة / السبت في 31 آب

في أواسط الستينات كنت قد دعوت لاهوتيا يونانيا للعشاء في احد مطاعم الروشة وقدموا لنا 26 طبقًا من المازة. وبعد نصف ساعة مر الخادم بنا وسألنا ماذا نريد ان نأكل. ترجمت هذا الى رفيقي فأجابني متعجبا: “ماذا كنا فاعلين؟”. هذا الشعب اللبناني يحب المطعم والمشرب. وأتأكد ذلك ما عبرت الليل ضيعتي برمانا ورأيت الناس مستلقين على الموائد الوفا.           مقابل ذلك أقرأ في كتب النسك عندنا ان في هذا ضررا. هنا يبدو لي الصوم احتجاجا على هذا الإفراط. لماذا كانت الانسانية هكذا؟ بولس في مكافحته الأمر يقول ان لسان حال الشعوب هو “لنأكل ونشرب لأننا غدا نموت”. خشية الموت هي اذًا مفتاح الشهوة. والموت هو المشكلة الوحيدة في الحياة. ووهم البقاء ان نحشو البطن في ما ينفع وفي ما يزيد على النفع.  أجل هناك تغذية من أجل الطبيعة وهناك ما تطلبه الطبيعة المنفسدة وهو الاستلذاذ وهذا افتك روحيا اذ الانكباب على اللذات يظنه صاحبه دفعا للألم. ويبدو ان حياتنا على هذه الأرض متأرجحة بين اللذة والألم الى ان نقبل هذا الأخير طوعًا لنتقبل تلك المصلوبية التي هي وعد بالقيامة.     ليس عندي مشكلة مع الجسد في ما تطلبه الطبيعة السليمة منه. مشكلتنا مع النفس الطامعة التي تسخر الجسد في انتفاخها. انها هي التي تستعبد ذاتها للزائل لعدم قناعتها بالباقيات. انها تقاوم -على ما تحسب- الموت الآتي باللذة الآنية ولا تريد ان تواجه معضلاتها بصدق وشجاعة باستنزال روح الرب.          ان ضعفنا يصوّر لنا ان الجمالات الروحية بعيدة لأننا نحن بعيدون عن اعماقنا، لأننا لم نستدخل الله هذه الأعماق فلا بد من “تسليات” واللفظة بمعناها العامي تعني الشرود عن الأصلي اي عن المواجهة. الطعام في كمه وفي نوعيته يجعلنا في هذا التيه عن هدف كياننا. والتيه يصير هو الطريق والوسيلة للعيش تصبح غاية العيش.      ولعل الأخطر من الطعام هو الخمر التي تبلغ فيها لذة اللسان شأوا كبيرا. والرسول ينبه الا “تشربوا الخمر التي فيها الدعارة” ولو سمح الكتاب بالاعتدال فيها باعتبارها جزءا من الطعام مألوفا. غير ان الكلمة صريحة: “السكيرون لا يرثون ملكوت الله”. الإفراط في الشرب يقود طبيعيا الى احتجاب العقل والى خسارة لإنسانية الانسان واضحة. ü           ü ü الفساد اعمق مما يزين لنا. فالاستخفاف بفداحة هذه الشراهة ناتج من تصورنا اياها مجرد غلو. في الحقيقة ان لذة اللسان مرتبطة ارتباطا وثيقًا بلذة الجنس كما أبان ذلك فرويد. والسكارى اشد التصاقا بالجنس. الفداحة في ان ليس من رذيلة لا تخفي وراءها فلسفتها. عندما تستعبدنا المعدة نصبح لها عبيدا وعابدين. هناك مركزية للبطن في الوجود. وكل مركزية في وضعنا البيولوجي او النفساني تأليه. القضية ليست في التفه الذي يُرى عليها الشرهون. ولعل ما يزيد الخطر شدة ان البطن إله محسوس والرب غير محسوس. كل خطيئة ابدال الله بصنم.      ويتعاظم الصنم اذا اهمل الشرِه كل اهتمام آخر. وهذا هو ميكانزم الخطيئة عادة. انها استقطاب وفي هذا تحولنا عن كونها قائمة لشكر الله. كم منا يشكر له الطعام؟ كم من عائلة مسيحية تقف لدعاء قبل تناول الطعام وبعده؟ الراهب في كنيستي يصلّب وجهه قبل ان يشرب كوبا من الماء واذا كان الأسقف حاضرا يقول له بارك فيستعمل عبارات البركة فيشرب المرء. هذا كله رياضة غايتها ان نعرف انفسنا بالطعام وغير الطعام متجهين الى الرب. ولهذا قال الرسول: “فإذا أكلتم او شربتم او مهما فعلتم، فافعلوا كل شيء لمجد الله” (1 كورنثوس 01:13). معنى الكلام ان بولس ينقل المؤمنين من الاهتمام بالطعام -ولو اكلوا- الى الاهتمام بالمجد الالهي. انه يزعزع المركز الذي كانوا جعلوه لأنفسهم لكي يركزهم في الله. بولس يدعو مؤمني كورنثوس هكذا الى زهد يمارسونه بسبب اتحادهم  بالله واستقلالهم عن المخلوق بما فيه المطعم والمشرب. فاذا رفعوا مادة هذا الكون الى الرب يكونون شبيهين بمن يقرب القربان. كل وجبة -ان كنا في الشكر- تكون مثل سر الشكر الذي نرفع فيه الخبز والخمر الى الله الآب.             يتقدس الانسان بالشكر. وفيما يحسب انه يستهلك الطعام يكون مغتذيا بالله ايضا. واذا تقدست هذه المواد بالدعاء الذي يسبق كل وجبة يتقدس الكون بها. نقول عند الظهر: “اعين الكل اياك تترجى وانت تعطيهم طعامهم في حينه…”. هذا اعتراف بأن إلهنا يعطينا كل شيء. وعند المساء نقول: “يأكل البائسون ويشبعون ويسبحون الرب…”. الجو خلال النهار كله تمجيد وتسبيح.                لا ننسين ان احدى التجارب التي واجه فيها السيد إبليس في البرية تجربة الطعام وردها المعلم بقوله: “ليس بالخبز وحده يحيا الانسان”. هو لم يقل ان الإنسان لا يحيا بالخبز ولكنه قال لا يحيا فقط من الخبز. فالمهم في هذا الصراع ان نتربى على ان الكلمة الإلهية فينا اهم من المادة التي نستهلكها. ü           ü ü هنا تحضرني قضية الحمية régime التي صارت شائعة خوفا من الأذى. كيف لا يعرف الانسان انه، كل يوم، يجب عليه ان يتقشف ليحمي صحته ويحمي عقله من الطيش والخيالات الضارة. لقد أدرك آباؤنا القديسون هذا الضرر لما تكلموا على جنونين: “جنون الفم” بالتلذذ “وجنون البطن” بالشره. اجل قال احدهم وهو يوحنا السلمي ما مفاده ان احدا “لا يتحرر من نير معدته قبل ان يسكن القبر”.      لقد رأى الآباء -قبل فرويد- ان الشره والسكر منه يقود طبيعيا الى الزنا. ولهذا ربطوا العفة بالصوم. كان النساك الأوائل يأكلون طعاما بسيطا ليس فيه دسم ولا تعدد أطباق. ولاحظوا ان حجم المعدة والأمعاء يتقلص ان لم نشره وهذه احدى قواعد الحمية الحديثة.      ان اضطراب الأفكار وتراقص الخيالات الدنسة نتيجة لهذا الإقبال المفرط على الطعام. هذا اذا لم نذكر الميل الى النوم الكثير الذي هو مضيعة للوقت.      غير ان هذا الانبطاح على الموائد كان دائما متصلا بحبنا للولائم. كان آباؤنا يستقبلون ضيوفا ويوآكلونهم ببساطة ولا ينفقون كثيرا. الاوربيون يستضيفون على هذه الطريقة ولا تزيد أطباقهم ان اكل افراد العائلة معا او دعوا الآخرين الى موائدهم. عدد ألوان الطعام محدود. اما نحن فالضيافة عندنا مدعاة الى حب الظهور والتخمة. وانت بذلك تؤذي من تدعوه. واذا اخرت العشاء على الطريقة المستحدثة في لبنان يكون ضيفك قد جاع وأكثر ويكون منزعجا في ليله. وانت تظهر الكرم ولكنك في الواقع تسقط في حب الظهور وفي ان يمدحك الاصحاب الذين وفدوا اليك. ويتبارى القوم في هذا الموضوع ويتسابقون في الكمية والنوع. وكل هذا باطل الأباطيل.  ان يسود الانسان جسده على هذا الصعيد يساعده على سيادته على كل صعيد. لقد جاء يسوع ليحررنا من كل عبودية. فلنبدأ بضرب العبودية الاولى التي هي النهم. ان الفساد الاساسي في جنون البطن واللسان هو اننا نريد ان نعب الكون رمزيا في أجسامنا كأننا نجهل ان تراب الكون سوف يتأكل اجسامنا. فكرة الموت ينبغي الا تغادرنا لأن ذكراه بدء الحرية الداخلية.          انت يمكنك ان تمارس الصداقة بما فيها الضيافة بالبساطة. احيانا يبدو لي ان الولائم الفخمة انما يرافقها هربنا من المنادمة، من تبادل الفكر. ان الحياة التي لا فكر فيها لا مضمون لها. والهرب من التأمل تصحبه موسيقى صاخبة احيانا اذا استضفت صديقك في مطعم. هروب من الحديث تحقيقا للهروب من المواجهة الوجدانية.    هذا اذا لم نذكر الفقراء الذين يجب ان نتقشف لإطعامهم. الكثير من الموائد يرمى ما تبقى فيها من اللحوم والناس جياع. انت لا تستطيع ان تسلك طريق العفة في هذا المجال الا اذا أحببت الآخرين وتغذوا من قلبك المحب.              هكذا نرى ان الامساك شرط من شروط امتدادك الى الآخرين بالعطاء. لعلك بذاك تحس ان الله ابونا جميعا وانه يريدنا في سر المشاركة.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

حب الظهور / السبت 24 آب 2002

ر

في النسك عندنا هذا فصل من فصول المجد الباطل الذي نصفه بأنه هوى من أهواء النفس. غير اني سأحاول التأمل معكم في هذا الصنف الرهيب الذي هو حب الظهور الكاشف فراغ النفس. فالناس يعيشون متبرجين. والتبرج غايته الإغراء. والإغراء غايته التسلط. اتخذ هنا زينة النساء رمزا. حافز التزيين ان تبدو المرأة أجمل مما هي عليه. هذا شأن لا دخل لي فيه اليوم. ولكن التبرج يأخذ مئة صورة ليبدو الإنسان. ان يبدو هذا هو الهاجس اذ لا صورة له في حسبانه الا في أعين الناس. في حسّه انه ليس قائما في نفسه. وهذا محتوم عليه ان لم يرَ ان الله يسكنه يتسطح. انه لا يعلو في عيني الحق. لذلك هو مضطر ان يستعلي. في المجال الأدنى يفتخر بماله. والمال شيء لك وليس هو أنت. المفتخر بما يملك يحس بأنه قائم بما يملك. لذلك كنت أسمع في طفولتي: “هذا يساوي كذا من المال”. ولست أظن ان هذا الكلام كان من باب الغباء. انهم كانوا يعنون ما كانوا يقولون. هذا يذكرني بحديث تفوه به رجل ثري في حضوري وحضور ثالث وذلك قبل 45 سنة. قال: درست مع الأب جورج وتخرجت من الصف الثانوي الثاني وهو تخرج من جامعة وانا أملك مليون ليرة وهو لا يملك شيئا. أشياء كهذه هي في فكر الكثيرين اذ يقارنون ملكا بملك. ويستغربون ان طائفة قليلة من الناس لا تعير أهمية لذلك. فيسعون الى سماع مدح لهم وتعظيم. كنت اعرف رجلا ذا مقام يقول “امدحوني ولو كذبتم”. وهذا الرجل لم يكن عنده الكثير يلفتك به اليه.

            غير ان بعضا يملك ما كان أعظم من المال وهو الجمال على أصنافه المختلفة. اظن ان اكثر الحسناوات لا يرتبكن او يخجلن ان انت مدحتهن. يعتبرن هذا ملكا وان من واجبك ان تدهش امامه وان تقول انك في حالة الدهش. تزداد هذه السيدات وجودا باطرائك. لا يكفيهن وعيهن للحسن ولكن يهمهن الاعتراف. خفرك ازاء السحر غباء او انعدام ذوق. ويدخل في هذا الثياب والحلى وما الى ذلك الذي لا أسوغ لنفسي ذكره. ذلك ان ما ترتديه المرأة امتداد لشخصيتها كما ان الطعام الذي تقدمه لك تعبير عن شخصها. ويبدو ان اللياقات تقضي بأن تقول في دعوة الى عشاء ان الأطباق   تلذ لك لئلا تكون قد تجاهلت ربة المنزل التي شاءت ان تكرمك وعليك ان تشكر.

***

            الى ذلك اصحاب الأصوات الجميلة. ينتظرون منك مديحا بعد أغنية غنوها. انهم يشعرون ان صوتهم منهم في حين انه مجرد وضع فيزيولوجي للأوتار الصوتية وأوتارهم ورثوها وما فضلهم الا بالدراسة. انهم يختنقون قبل سماعهم مديحك.

            ثم تأتيك طبقة المثقفين او الذين يظنون أنفسهم كذلك. المتعلمون الكبار على شيء من العمق وما يعرفونه ثمرة جهاد طويل. صح ان الذكاء مسجل في المورثات ولكنا نصقله كثيرا ونربيه. غير ان قلة تعرف انه مشاركة في العقل الإلهي وان الفضل فيه هو للرب الذي يمنحنا كل عطاء كامل. المثقف يتدغدغ ان قلت له ان ما قاله او كتبه أحسن فيه. هو ايضا يفتش عن اعتراف. اجل هو نظم قصيدة او وضع كتابا ليقرأه الناس لأنه هكذا يشارك وهكذا يؤدي رسالة. ولكنه لا يكتفي بأن تبلغ رسالته العقل والقلب. يريد منك بالأقل تشجيعا. انه غير مهيأ للعزلة، غير مستعد لخدمة الحقيقة وحدها. تطرب أذنه للثناء.        المجد الباطل عند المثقف كثيرا ما دفعه الى ان يعرف ما لا تعرف لا ليتغذى بالعلم داخليا ولكن لكي يذهلك. لذلك يسعى الى تحصيل معارف نادرة او جديدة لم تسمع بها الا القلة فيسكر اذا قلت له ان علمه غزير وان تحصيله ليس له شبيه. ولعل الأمر ليس فيه سوى تقانة لا يعسر عليه بلوغها بعد ان يكون ادرك مستوى من المعرفة عاليا.

            ان المجد الباطل قد يكون حافزا الى عشق المال وهو عند الإشراقيين هوى قتّال كما ان الانكباب على الثروة حافز الى المجد الباطل. وفي هذا قال المعلم الكبير مكسيموس المعترف: “المجد الباطل وعشق الفضة يتوالدان أحدهما من الآخر. من أحبّ المجد الباطل يسعى الى المال والغني يتوق الى المجد الباطل”. ان اشتهاء البذخ والأبهة مرتبط بهذا الهوى وذاك.

            وتحقيقا لحب الظهور يشتهي المرء ان يبلغ مكانة في المجتمع مرموقة. فهذا يحس انه يصير شيئا اذا انتخبوه نائبا او عينوه وزيرا او عضوا في المجلس البلدي او مختارا او ما الى ذلك. واذا لم يصل الى ذلك يحس انه محجوب او انه في انزواء. وأدنى ما يرقى اليه ان يعاشر الأغنياء او يختلط بعلية القوم. يجب ان يتحرك في دائرة منظورة ولا يكفيه ان يتحرك في نفسه او مع المتواضعين.

ان حب الظهور يقود الى حب السلطة. عند بعض ان الذي لا سلطة له لا وجود له. فالسلطة حكم وقد تكون تحكما ولا يكفي هذا الانسان الحوار لأنه قائم على النديّة. من اشتهى الظهور همّه الأساسي ان يكون فريدا وان يشار الى فرادته، ولذلك يتمنى الاعجاب دائما والإعجاب يوطده في المكانة التي بلغ.

***             غير ان حب الظهور أخطر ما فيه انه قد يصيب الذين يريدون التقوى. كم من مرة تسمع تباهي الذين يتمجدون بأنهم ليسوا زناة ولا سراقين وغير طامعين بالمال ولا يأكلون أموال الأرامل والأيتام. هم تجاوزوا اشتهاء الثروة والجمال والفطنة ولكنهم يصرّون على ان تعترف بفضائلهم اي انهم يريدون مدحا من البشر وليس فقط من الله في داخل قلوبهم. فاذا ما انتصر المجاهد على الرذائل يبدو لنفسه متألقا بالجمالات الروحية ويريدك ان تعترف بها. مرة قالت لي امرأة تدّعي التقوى: نص واحد في الإنجيل لا أقبله. هو ذلك المثل الذي يساوي فيه المسيح عملة الكرم الذين عمل بعضهم منذ الساعة الأولى وبعضهم عند الساعة التاسعة وآخرون نحو الظهر وغيرهم نحو الثالثة بعد الظهر وسواهم نحو الخامسة بعد الظهر فساواهم رب العمل في الاجرة. فقالت لي “التقية”: انا التي لا شك في عفتي أيعاملني ربي كما يعامل تلك؟ أجبتها: قد تكونين أعف في الظاهر وتلك التي ترينها غير طاهرة قد تكون أقرب الى الله. ولكن التقوى قد تكون مدعاة للافتخار. ولذلك قال القديس كاسيانوس: “ان شيطان المجد الباطل يحس بفرح خاص اذا رأى الفضائل تتكاثر … لأنه كما ان النحلة تنتظر مجيء الحصاد وان ينضج القمح كذلك ينتظر المجد الباطل ان نكون قد جمعنا كل الخيرات الروحية”. وفي هذا يقول ايضا مكسيموس المعترف: “انك ان قضيت على الأهواء المشينة تنقض عليك افكار المجد الباطل”. الذي يمجد نفسه

يكون قد بلغ الهذيان.             اجل أعطى الله الانسان “في الطبيعة” (هذا تعبير مسيحي شرقي يعني الطبيعة الصالحة كما خرجت من يد الله) اعطاه ان يتوق ليس الى المجد الزائل ولكن الى تمجيد الله. وفي هذا قال بولس: “اما انا فمعاذ الله ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح” (غلاطية 6 :14). وفي المعنى نفسه قال: “من افتخر فليفتخر بالرب” (1 كورنثوس 1: 31).

            واذا تعب الانسان من التماس المجد الالهي يسعى الى الزيف. وعندنا هنا تحويل مرضي للمجد الالهي واساءة الى الطبيعة البشرية السليمة. واذ ذاك نفسد انفسنا وما حولنا ونقع في الوهم. والوهم ان تحس ان لله فيك او عندك بديلا. وفي هذا يقول السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبونه؟” (يوحنا 5 :44). ان الساعي الى مجد العالم ليس فقط ينتظر التملق ولكنه يثيره.

            المشكلة في هذا ان المجد الفارغ هو ذلك العدم تحوله الى وجود. كل هذا هش، تفه، سطحي ولكن يبدو ان الناس يستلذون الزائل والسطحي. وقد بلغ القديس يوحنا الذهبي الفم رؤية حادة بقوله: “المجد اسم وليس الا اسما … من هو الانسان الجاهل الذي يتمسك بأسماء لا حقيقة لها او أشباح يجب الهرب منها؟ “والوهم الا يرى الانسان عيوبه وان ينسب الى نفسه خصالا أتته من الله القائل: “الويل لكم اذا مدحكم جميع الناس” (لوقا 6 :26).

            لا يعني هذا كله انه يجب عليك ان تتوارى. فالحسناء لا تقدر ان تحجب جمالها ولا الذكي ذكاءه والموهوب طلب اليه الرب الا يخفي نوره. ويعرف العالم انه عالم. ولكن المهم ان تؤمن انك مجرد جسر يعبر الله منه الى الناس لكي ينتبهوا اليه لا الى الجسر الذي عليه عبر. كل ما عندنا، كل ما فينا آت من الله. ونحن مهما سما بهاؤنا لسنا سوى مطل للبهاء الإلهي. من أجل هذا البهاء وحده نحيا. عنذ ذاك يسقط منا التراب ويبقى الضياء.

Continue reading