Category
هب أن سوريا خرجت فورا بسحر ساحر أو قدرة قادر -والقادر نعرفه- هل يتوب أولئك الحكام الذين عندهم مرتزقة لا يعرفون الدوائر التي عينهم فيها أربابهم؟ من أغرى من؟ نحن أم السوريون؟ طبعا لا إغراء بلا شهوة كائنا ما كان مجالها. ولكن لا بد من القول ان التقرب يحمل خطر المصانعة والمداهنة وان المداهنة كذب وإذا كان الكبير في دنياه يشدك إليه فلكونك راغبا في الانشداد ويجعلك في حالة الدلع والدلع كسب أو انتظار كسب.
وصداقة السوريين نافعة للكثيرين إذ التزلف يقتضي الاشتكاء محمولا دائما على شيء من نفاق فالزعيم اللبناني لا يقوى إلا بإلغاء سواه ولا إلغاء بلا نميمة وكثيرا ما قادت النميمة إلى الافتراء. والمقربون يتزاحمون استرضاء وهو إياه الفساد أو وجه من وجوهه. ولماذا تنتظر من السوري العفة إذا تملقته أو الحياد إذا دعوته أن ينصرك؟ ويبدو من جراء الأحداث أن الكثيرين من أهل المناصب لم يكتب لهم أن يكونوا فيها لو لم يستنصروا السوريين. ومن الواضح أن هؤلاء المدعومين يكونون بلا شيء لو لم يلتمسوا الدعم. يقول السوريون من وقت إلى آخر أنهم على مسافة واحدة من الزعماء اللبنانيين المتنافسين. غير أن الحاصلين على البركات يسعون إلى شد الأشقاء من الوسط إلى مواقعهم هم. وكل شيء يدل على أن القلة من النافذين في شعبنا لا تستعطف الأشقاء وان بعض الرافضين كلاميا للحضور السوري إنما هم “فاتحون” على السوريين. ولكنهم يحتاجون إلى تمثيل موقف الرفض ليجدوا لأنفسهم مكانا في الوسط اللبناني الرافض بحيث يرحب بهم سوريًا بلا تبريك فصيح ويرحب بهم عند ناخبيهم بآن معا.
في تصوري أن الحضور العسكري لا علاقة له بالاستراتيجية العامة في المنطقة. فلا نحن ولا السوريون القائمون على أرضنا قادرون على رد هجوم إسرائيلي حقيقي. فالسؤال الذي يبقى هو هل إن وظيفة العسكر السوري أن يكون قوى أمن داخلية عندنا شبحها (ولو لم تتدخل) داعم لجيشنا الذي لا يكون جيشا إلا إذا كان أداة لشعب موحد. لقد عشنا قرارا لعدم إنزال الجيش في الحرب. هل “تعلمن” جيشنا حقا بحيث ينفذ أوامر يحس أنها صادرة عن دولة لا تتصرف طائفيا؟ إذا كان الحكم عندنا ضامنا “علمانية” العسكر، هناك أسباب أخرى لا تخفى على أحد تشير إلى أن جيشنا ليس أداة كافية لبسط سلطان الدولة على المخيمات أو على قطاعات حزبية معسكرة ولعل هناك ما يشير إلى أن الدولة لا ترى ثنائية بينها وبين بعض الميليشيات المسلحة. ملف التعسكر اللبناني ملف متكامل على ضوئه يبحث في الحضور العسكري السوري.
ثم هب أن السوريين أعادوا انتشارهم وقد جاء منهم وفد ليتباحث وضباطنا في طريقة التنفيذ. هب أن هذا حصل فعلا وتقيد الجميع بمنطوق الطائف ماذا يتغير في الحياة السياسية عندنا؟ ليس السوريون في حاجة إلى جيشهم عندنا ليبقوا على النفوذ الذي اكتسبوه. عندما سأل بعض قادة الرأي العربي في الولايات المتحدة الرئيس فورد أن يتدخل في شأن لبنان لإنقاذه في بدايات الحرب رفض تدخل بلده بجيش وقال انه يرغب في “تدخل محدود للسوريين في لبنان”. ويشاع أن مثل هذا الالتماس عبّر عنه رجالات كبار من عندنا عُرفوا بتمسكهم بالكيان اللبناني. هل بقي هذا التدخل العسكري محدودا أم اتسع ليصبح تدخلا في القرار السياسي؟ سوريا لبت طلبا أوحي به إليها من اجل السلام في لبنان. ثم ظهرت مسألة القرار الداخلي عندنا.
***
ليس لنا حرية القرار، يقولون. الرد على هذا من قبل أصدقاء سوريا أو الملتزمين بتوجيهاتها لا يكون بالقول أن لها فضلا علينا بإيقاف الحرب أو بمنع الفلسطينيين من إكمال مسيرتهم في حرب الجبل. فمن ينكر فضل الإخوة في ذلك ولكن الإنسان لا يعيش في التسبيح للماضي ورفض التأمل الموضوعي في حاضره. ولكن خطأ التابعين في تغنيهم بحسنات التدخل في الماضي أن يرغبوا اليوم في استمرار تدخل لم يبق له معنى ولم يبق له مبرر. هذا الإصرار على مدح الحكم السوري في الماضي القريب سبب مباشر للفتنة الطائفية لأنه يتضمن اتهاما للفريق الآخر على انه ناكر جميل أو انه مبغض لسوريا.
الحل ليس باستجداء حرية القرار ولكن بفرض حرية القرار. وإذا همسوا في الأوساط أن الضغط شديد جدا فلا يمكن رفضه ماذا يمنع قابليه أن يستقيلوا؟ لماذا يستميتون ليصيروا نوابا ووزراء؟ شهوة المجد هي التي تدفع المسؤولين اللبنانيين أن يقبلوا فرض القرار عليهم. في تصوري أن الحضور العسكري الذي لا تطلب حكومتنا زواله ولا جدولته الزمنية لا يغير شيئا في الانصياع لأن الانصياع هو من طبائع الزبانية ومن شهوتها والزبانية هم أكثر مما تتصورون لأن الشطارة اللبنانية ترفض قول المسيح: “ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا”. أو كما يفسر بولس هذا الكلام: “اعنوا النعم إذا قلتم نعم واعنوا اللا إذا قلتم لا”. نحن في حاجة إلى تحديد المصطلحات وان نسلك حسب التحديد. وإذا أردنا النعم أو اللا فليقل كل واحد من المسؤولين ما يعنيه. ليس احد يرفض الحرية. وليس من خلاف بيننا على الحرية. وهي ليست حكرا على طائفة. ولكن هناك قوما لا يجترئون على اللا ولو قصدوها وهناك من يجترئ عليها وقد لا يقصدها حتى النهاية. وان كان ثمة من حجج مقنعة ولم يكن هناك باطنية فلتتوسع الحلقة لتشمل غير انتماء طائفي واحد. وإذا لم نستطع هذا يكون الخصام الطائفي أوسع مما نتصور أو
يكون التردد بين اللا والنعم فيه منافع طائفية أي فيه إرادة إخضاع جماعة لجماعة. يخفي، إذ ذاك، الاختلاف في القول تشنجات لبنانية.
كل موضوع علاقاتنا مع السوريين تنتابه أزمة ثقة. هل تعالج؟ إذا تركنا جانبا كل الأسباب التاريخية المتعلقة بذاكرة العلاقات وذلك من قبل وصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم نرى أنها في حاجة إلى تطهير وان هناك قراءة سورية للبنان وقراءة لبنانية لسوريا وان هاتين القراءتين في حاجة إلى تدقيق وإعادة نظر. هناك إحساس أن سوريا ترى نفسها الأخت الكبرى وإحساس آخر عندها أن لبنان ولد غير شرعي لاتفاقات سايكس-بيكو ما يعطي سوريا شعورا بأن عليها واجب الحضن لهذا الوليد الصغير الذي تدفعه تعدديته إلى أن يعوض عن صغر حجمه بتطلعات حضارية كان تأويلها في الماضي على أنها عروبة ناقصة. هناك تململ باطن في البلدين يتجاوز الحضور العسكري والمداخلات ذات الطابع السياسي.
أنا لا أنكر وجود مشكلة قديمة ومتجددة ودائمة. ولكنها تحل أولا عندنا. هناك مرض فينا لا نشفى منه بمجرد قولنا نريد الكرامة لنا ولجيراننا. الكرامة لا تقوم فقط على الصعيد التعبيري والحقوقي. أنت قبل تصحيح العلاقة يجب أن تكون أي أن تكون أخلاقيا. مهما كانت النيات السورية ماذا يمنع أن نكافح الفساد عندنا؟ هل نحن في حاجة كيانية إلى بركة سورية لنحاول النهوض وإقامة دولة حضارية؟ كيف يتنقى رجال الدولة من خطاياهم؟ عندما تنخرط الدولة في مسؤولياتها ووعيها على أنها التعبير التاريخي والمتحرك عن لبنان نكون قد أدركنا العفة التي تؤهلنا وحدها لعلاقة سليمة مع أي كيان آخر.
لا احد يستطيع أن يسلبك حرية القرار إن كنت أنت حرا في أعماق كيانك. كن حرا ومت عند الحاجة. هل كنا نعيش في كرامتنا الإنسانية قبل بسط “الهيمنة” السورية؟ وهل نريد الكرامة حقا لكل مواطن أم نحن طوابير متراكمة كانت تشرى وتباع على مر العصور وبلا استثناء عصر لكوننا تجارا صغارا نعيش على حقارة النفس ويسحرنا المال والشهرة واستعباد بعضنا بعضا؟ على هذا نتمرد لنصير كبارا. وإذا صار الكبر ميزتنا لا احد يستطيع أن يسلب منا استقلال الذات الداخلية التي هي كل الإنسان وكل الوطن.
Continue readingيقضي تواضع المعرفة ألا ينصّب أحد نفسه ديّانا فالله وحده يدين القلوب. غير ان الكثيرين يحسبون أنهم وكلاء على هذا السر العظيم بدل ان يهتموا بخلاص أنفسهم هم. شرائح كثيرة تدعي انها تعرف الفرقة الناجية والفرقة الهالكة. وهذا أخذ حيزا من الفكر في غير ديانة. ولعل الضلالة الكبرى في الاوساط المسيحية مصدرها هذا القديس العظيم أوغسطينس الذي قال: «خارج الكنيسة ليس من خلاص». ولكن ما يشفع به انه وضع هذه القولة ضد هراطقة ظهروا في افريقيا في عصره وكان حلمه ان يردهم إلى الايمان القويم. والاصح من كلمته السلبية هذه ان نأتي بالتأكيد الايجابي: «الخلاص هو في الكنيسة» بمعنى انه عطاء المسيح.
ما يشوّش هذا البحث ان معظم المسيحيين الذين يطرحون هذا السؤال يطرحونه على هذه الصورة: هل يصعد غير المسيحي إلى السماء؟ السؤال الذي يرد عليهم هو ما السماء؟ في التصور الشعبي ان السماء هي فوق الفضاء وتظهر بعد فناء العالم. ولكن ليس في كتبنا ما يؤكد ان هذا العالم يفنى واننا تاليا سنسكن حيزا فوق الفضاء إذ ليس بعده الا الفضاء. ليس الله واقعا في المدى وإذا صرت أنت معه فلا يحدك مدى. والله ليس فوق ولا تحت أي ليس في مكان. والقضية كلها نوعية وجود وان يكون وجهك القائم من بين الاموات أمام وجه الله الذي ليس له وجه مادي.
إلى هذا فالإسلام لا يستعمل كلمة سماء للتحدث عن حالة البشر بعد بعثهم ولكنه يستعمل كلمة جنة ومفهومها آخر وهي حسية الا عند نفر قليل من المفسرين ولا سيما المتصوفة. وعلى المقلب الآخر الهنود والصينيون لا يؤمنون بالسماء واليهود ما آمنوا بها الا من بعد ظهور التلمود اي بعد المسيح بقرون. مبحث السماء بات إذا مبحثا مسيحيا صرفا. فالسؤال يصير إذا: هل في سماء المسيحيين غير المسيحيين؟ جوابي الفوري ان انجيل الدينونة لا يتكلم على المسيحيين اذ يقول فيه السيد: «كنت جائعا فأطعمتموني… رثوا الملك المعد لكم قبل انشاء العالم». ولا يدور اطلاقا فيه حديث عن المؤمنين بيسوع او غير المؤمنين. ولكنه يدور حول العمل الصالح.
# # #
غير ان ثمة في العهد الجديد حديثا آخر عن الدينونة. والقول الفصل هنا هو هذا: «من أخطأ بدون الناموس (أي شريعة موسى) فبدون الناموس يهلك. وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان… الأمم (أي الوثنيون) الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم (رومية 2: 13-15). ومن المنطق ان ينقل هذا إلى الذين جاؤوا بعد المسيح فيقال ان الذين تبعوه يدانون بإنجيله ومن لم يتبعوه يدانون حسب ضمائرهم.
يبقى طبعا الكلام الشديد الوارد في مرقس: «من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدَن» (16: 16). غير ان هذا الكلام على اطلاقه يجب ان يفهم في إطار الجدل الذي قام بين السيد ويهود عصره الذين كان يفرض فيهم ان يؤمنوا بالسيد انطلاقا من كتبهم وأبوا التسليم للحق الظاهر في يسوع الناصري. إلى ذلك يؤكد الكتاب ان «الايمان بالخبر والخبر بكلمة الله» (رومية 11: 17) أو «كيف يؤمنون ان لم يُبشروا». فما من ايمان لم تسبقه بشارة. وما من مسؤولية نكران لمسيح بلا اخبار عنه. والواقع في الماضي ان الكثيرين لم يبلغهم الانجيل وان أربعة مليارات من الناس اليوم لم يسمع معظمهم بالمسيح. وغير صحيح ان هذه المليارات اقتنعت به ورفضته عمدا. ثم ما قوة المبشر وقدرته على الاقناع؟ وإذا كان اليقين من نعمة ربك ولم تنزل – وهذا في سر الله وحده – فكيف تدان هذه الجحافل من البشر؟
إلى هذا من يقنعني ان ألوفا مؤلفة من المدعوين مسيحيين هم أطهر من السيدة رابعة العدوية والحلاج أو المهاتما غاندي الذين دانوا بما دانوا به وان هؤلاء الأبرار الذين كانوا من خارج الكنيسة المنظورة معذبون في النار بما لم يخطئوا به؟ فالسؤال الأعمق هو من هو الإنسان العضو في الكنيسة»؟ هل الكنيسة هي مجموعة المعمدين حصرا أم هي جسد المسيح بمعنى امتداد المسيح إلى حيث يريد ان يمتد؟ لقد قال القديس البيزنطي نيقولاس كابازيلاس: «من لم تعمده الكنيسة (بالماء) يعمده عريس الكنيسة أي المسيح (بلا ماء)». التنظيم الكنسي يربط المسيحيين ولكنه لا يقيد المسيح نفسه الذي يعمل بلا وسيلة محسوسة.
# # #
ان اللغط الدائر حول موضوع الخلاص اعتقاد العامة انه نيل السماء والحقيقة ان الخلاص يكتسبه المرء نهائيا في الملكوت ولكنه يبدأ هنا بمعرفة المسيح المخلص. انه رؤية وحب ومراس. فاذا قلنا ان الخلاص بالمسيح لا نفكر أولا بالذهاب إلى السماء ولكن نفكر بالحياة في المسيح هنا. كل تأكيدات الكتاب ان يسوع يخلص البشر من خطاياهم وان هذا يتم بمعرفتهم الانجيل. «لا أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي» (يوحنا 14: 6). كذلك: «ان الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح» (1تسالونيكي 5: 9).
المسيحيون يعتقدون بوضوح ان الكمال الروحي يقتنى بالمسيح وان ما أعلنه الله به هو اعلان نهائي عن الله أي انهم لا يرون المسيحية كشفاً مرحلياً عن الألوهة أو كشفاً قابلاً للنسخ أو الزيادة أو النقصان أو التنقيح. وفي هذا المنطق يذهبون إلى ان الكلمة الإلهية قائمة بين سفر التكوين وسفر الرؤيا بحيث انهم يقيسون حقيقة كل كلام آخر على الكتاب الذي بين أيديهم. وهذا ورد عندهم صراحة في مطلع الرسالة إلى العبرانيين: «الله بعدما كلم الآباء والأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه» (1: 1).
لذلك لا يرون أنفسهم مضطرين إلى ان يصدروا حكما في ما يقال خارجا عنهم. هذه هي المسيحية كما يراها اصحابها. غير ان هذا لا يحول دون تعظيمهم لكل حق وخير وجلال يقرأونه في الفكر الديني أو الفلسفي. واما ان يقال ان الرسالة المسيحية نسبية وان الأديان متساوية في العمق وفي الجوهر فما من شك في ان هذا يناقض التراث المسيحي المعروف.
# # #
يبقى السؤال هل يصعد أحد إلى السماء، هل يخلص نهائيا دون ان يمر بالمسيح؟ الجواب الأكيد في المنظور المسيحي انه لا بد ان تمر به بطريقة ما. لقد قال المسيح: «أنا الطريق والحق والحياة». هذا يوجب البشارة فانها أمر إلهي في العهد الجديد. ولكنا رأينا ان المسيح له ان ينقذ من يشاء بمعمودية وبغير معمودية. بتعبير آخر عمل المسيح يتم بالكنيسة لمن رآها وانضم اليها وقد يتم مباشرة بانعطاف المسيح على من يشاء. وفي هذا ليس يسوع في حاجة إلى الكنيسة – المؤسسة لينقذ من يشاء. أي ان هناك امكانا عنده ان يبث روحه ورؤيته ومحبته على الكائنات البشرية أكانت منتظمة في دين أم غير منتظمة.
في هذه القراءة قد تكون أنت للمسيح بعلم منه لا بعلم منك وتكون، إذ ذاك، قد أتيت به إلى الآب. وهذا لا يعرفه الا الآب. ولكن لا تخلص نفسك في اليوم الأخير ما لم تر الرؤية التي يكون المسيح قد سكبها في نفسك. وبتعبير أبسط تكون مسيحيا في السماء وغير مسيحي في الأرض.
هذا يلتقي ورأي القديس غريغوريوس النيصصي ان الشر لا يمكن ان يثبت أمام الله إلى الأبد وان الله سيزيل الجحيم. وهذا يلتقي والفكر الصريح عند القديس اسحق السرياني الذي صلى لخلاص الشيطان. ان الكنيسة لم تكفر هذين القديسين ولم ترفض رأيهما. هذا ليس عند المسيحيين عقيدة ولكنه موضوع رجاء. المسيحية لا تناقش الأديان الأخرى. تبحث في الأشخاص وتتمنى خلاصهم بالطريقة التي يعرفها الله وحده.
Continue readingالسياسة أمر غاية في الرصانة قبل أن يرث الله الأرض وما عليها. انه تعبير عن أن الله يتوسط البشر لرعاية بعضهم بعضا صورة عن حكمه لهذه الدنيا قبل أن تزول الدنيا. ومن هذا القبيل أنها اعتراف بملك الله بدل من أن يملك الإنسان الإنسان. وإذا أبينا أن يملك الله نكون قد حجبنا أنفسنا عنه. وفي هذا لا تختلف المسيحية عن الإسلام إلا بوسائل ملكه فلا فرق في الجوهر بين حاكمية الله كما يقول بعض الإسلاميين أي بالشرع والفقه وان يحكم بالروح التي تملي المواقف هنا والآن كما تقول المسيحية. وقد لا يكون جوهريا فرق بين المؤمنين ودعاة العلمانية إلا من حيث أن الإلهيين يقولون بمرجعية ربهم والإنسانيين يقولون بمرجعية الأخلاق التي يولونها قيمة مطلقة أو شبه مطلقة باعتبار جوهر إنساني ثابت أو باعتبار قيم هي في خطوطها العريضة شبيهة بالكلمة الإلهية أو هي تعبير عنها بلغة الإنسانيات المعلمنة.
في هذا كله لا تفصل السياسة عن الأخلاقيات إلا في كون الأخلاقيات غير قسرية والسياسة قسرية على صعيد التنفيذ. بتعبير آخر ليست السياسة براغماتية محضة تتوخى النجاح في كل ثمن إذ تكون، إذ ذاك، سلوك لطرق الشهوة وأهمها التسلط الذي لا قيد له ولا يقيم حسابا للآخر.
وقد يكون الشعب اللبناني جاهلا لهذا كله أو رافضا لأنه في وعيه أو لاوعيه براغماتي حتى حدود المكيافيلية لكونه يريد أن يعيش بمعنى انه يبغي تأمين ديمومته على الأرض كائنة ما كانت سبل الديمومة. فالسباب وارد والحقد وارد مثل الكذب والتوبة مرجأة أو كأن هذا الشعب لا يؤمن إلا بأخلاق التعامل الفردي ولا يهمه طهارة التعامل في الشأن العام. وكأن هناك فصاما في الشخصية اللبنانية بين العام والخاص. وإذا أردنا المبالغة القصوى فهو يكذب ويزور ويحتال على القانون أي انه يخطئ فيقيم العبادات وينتسب إلى أديان غير ممارس أو غير عارف بمقتضيات دينه في المسلك المجتمعي كأن هذه الدنيا تدبير على مقتضى الحال بلا تقيد بوازع وغير مبال بقبول الله حاكما في أمور الأرض. بكلام آخر يجعل اللبناني إلهه في السماء لا تماس له والبشر في سلوكهم سبل دنياهم. وهذا جحود والجحود ليس فقط أن تنكر الله في وجوده ولكن أن تنكره في تسيير هذا العالم. وإذا قال المسيحي أن الله ضابط الكل فلكي يضبط ما في السماء لا ليضبط ما على الأرض لأنه يريد الأرض له لا لربه.
***
من هنا أن اللبناني لا يؤمن بالدولة التي يزكي وجودها أن تحفظ الأمن والعيش الكريم والحياة ولاسيما حياة الفقراء فيكون لها وجود بقدر ما تحرس وجودنا. واللبناني المستقل في أعماقه عن الدولة لا يريدها أن تكون كيانا عاما فوق الأفراد ولكنه يريدها بلا سلطة إذ لا يعترف إلا بسلطة نفسه أي بسلطان مصالحه دون النظر إلى مصالح الكل أي دون إيمان بأن الفرد ينوجد بكرامته وكرامة الجميع متلاحمتين.
لست أعلم إذا كانت هذه الفلسفة العملية ناتجة، كما قيل كثيرا، عن إن العثمانيين ربونا على إقطاع الأراضي أي على التفريق بين أسياد أقاموهم ومسودين سخروهم وعلى معرفتنا مثلا أن والي بيروت كان السلطان يعينه إذا قبل كلاهما الرشوة. كذلك لا أعلم إذا كانت مشاعرنا هذه مشتقة من الانتداب الذي كان يسلك سلوك التفريق بين الطوائف. كذلك يزين لي أن حكم الإمارة كان متصلا بسؤدد العائلات “الكريمة” ثم الحكم الوطني بعد الاستقلال شديد التواطؤ والطوائف أو كبيراتها. المهم أننا نؤمن بأن الشعب اللبناني مجرد جمهور تسوده قوى مختلفة مالية أو طائفية وهي وحدها شريكة الحكم الذي تبقى سياسته الدائمة حفظ التوازن بين القوى أي استمرار الأوضاع القائمة وليس عنده هاجس التخطي لهذه التوازنات بغية شد الوطن إلى وضع ديناميكي ينشئ توازنات جديدة فيها الكثير من العقل والكثير من إرادة تكوين وطن اي مكان يعيش فيه الناس بكرامة اقل بؤسا مما كان وأقرب إلى الازدهار والإبداع في حرية النماء.
لا يبدو أن شعبنا خارج معلومات ضحلة نالها على مقاعد المدرسة اكتسب أية قناعة بوجوب دولة إلا ما يجعل أمنه قائما. دولته في أفضل حال أبوية أو بطريركية. ولكنه في الزمان اللاحق للطائف وفي الأزمة التي نعيش لا يرى أن الحكم قادر أن يتقصى الجرائم ذات الطابع السياسي وكأن لسانه معقود أو قلمه مكسور إن بلغ عتبة المعرفة. فهذا الحد الأدنى من الأبوية لا يمارس. فإذا كان الشعب صامتا فالدولة تلازم الصمت منهجيا. ما يراه الناس أن الحكم مليء بالخبراء وان العلم الذي يحيط به متوفر ولكن العلم لا تفعيل له وكأن الدولة قابلة عجزها هيكلية لا مضمون لها.
على هذا المنوال عندنا خطاب منهجي وعندنا تنظير سياسي واقتصادي. غير أن الأكاديميات شيء والحكم شيء آخر. ويذهلني أن اسمع على الشاشة الصغيرة أو اقرأ في الصحف آراء تبدو سديدة ولا أفهم لماذا لا يصل هذا إلى حيز التنفيذ.
***
وكأن الدولة في حاجة إلى بساطة والى تدابير عملية تدخل إلينا بعض التعزيات. خذوا لكم مثل الخصخصة. هنا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا. أفهم الاختلاف ولكن لست أفهم لماذا لا نختار فنوفق أو لا نوفق فالأفضل أن نخطئ من بعد قرار بدل أن نتقاعس عن أي قرار.
كذلك أفهم أن يقال إننا نسعى إلى تسديد خدمة الدين العام ونبقى مدينين. ولكني لم أقرأ حتى الآن أرقاما تثبت قدرتنا على إيفاء الفوائد وقدرتنا بعد عشر سنين او أكثر لإيفاء الدين. هذا الصمت المريع يذكرني بالنقاش الذي قام بين فاليري جيسكار دستان وفرنسوا ميتران عشية الانتخاب الأول الذي فاز به ميتران ودار بتهذيب كبير. لقد طرحا – على ما أذكر – ملفات وزارات كثيرة واختلفا فنيا بالحلول. واذكر في الجانب المالي والاقتصادي اختلافهما على أرقام وبعض الاختلاف كان على الأرقام الواردة بعد الفاصلة التي تلت الرقم الأساسي الذي أقرّاه. بكلام آخر بعض السياسة علم وهذا يبدو قليلا عندنا في مجال أو غير مجال.
ما العمل؟ قيل الأحزاب وأرى غير حزب متفرقًا في داخله أو متصادمًا وكأنه هو أيضا صورة عن هذا الشعب اللبناني في تبعثره. كذلك أرى أن ما يسود المشهد السياسي ولاء لشخص نافذ تفحص القلة ممارسته السياسية السابقة وأخلاقه فيها وكأن ما يربطنا سياسيا هو الإيمان بأفراد كما يأتي بهم واقعهم، أخطأوا قديما وسيخطئون وعليك ظاهريا أن تسلم أمرك إليهم وفي حقيقتهم هم إنهم ساعون إلى استمرار نفوذهم بتسخيرك ولك عليهم تفويضهم بتوظيف احد أبنائك أو دعمك بمخالفة القانون لكون القانون مقلقا للبناني ويحسه نيرا في رقبته.
***
إلى أين نحن سائرون؟ أظن أننا في هذا التفكك العام لدولة لا يؤمن بها احد لا بد من حلول جزئية في هذا المضمار أو ذاك نعرف فاعليتها بارتباطها بمجالات أخرى. قانون الانتخاب قد يكون له أولية بحيث يأتي النواب – في غياب الأحزاب – ممثلين حقيقيين لمن كان اقرب إليهم في منطقتهم فيشعر الناخب انه هو الذي أرسل من ينوب عنه. غير أن هذا يفترض نزاهة كبرى في عمليات الاقتراع ومراعاة للقانون ما أمكن كمالها. ولعل هذا الأمر منوط اليوم برئيس الجمهورية الحالي الذي يثق به المواطنون من هذه الجهة. فقد ينبثق عن هذا المجلس حكومة تأتي بتدابير عملية في مجال الاقتصاد وتكون على شجاعة كبرى بحيث لا يملى عليه شيء من فوق.
تعرفون أنفسكم براغماتيين. فليكن بعض من هذا، وعلى ضوء هذه الروح العاملة بإخلاص ينظر في الإنفاق بابا بابا وتولى لأهمية القصوى للثقافة والتربية. ربما إذا تثقف اللبناني روحيا ثم علميا، حقيقة، يستطيع أن يفهم حتى يبني المجتمع واحدا ويتبنى الديموقراطية تربية لا شكلا. ربما قدر أن ينتخب واعيا وان يرفض وصاية زعماء نصبوا أنفسهم قادة للأمة وليس عندهم قماشة القادة الحكماء. ما من ديموقراطية بلا وعي شخصي للإنسان الآخر.
إلى جانب هذا الفقراء الذين التقيهم كل يوم وهم الشريحة التي تحس أن الدولة ليست عندها وسائل ترقيتهم وضرب تهميشهم ويحسون بأنهم في أيدي الأثرياء الذين لا يثرون إلا أنفسهم.
إذا صح كل هذا لا تبقى الدولة حكواتية. متى تصير عظيمة حتى لا يستضعها الكبار، أجانب كانوا أم غرباء، فيرتفع صوتها عاليا فلا تبقى متغنية بجمال لبنان بل تجعله جميلاً حقًا.
Continue reading