Category

1999

1999, جريدة النهار, مقالات

الرهبانية البارة / السبت 16 كانون الثاني 1999

فيما يتناهى رمضان وفيما يعيد المسيحيون للقديس انطونيوس الكبير اليوم شعرت انه قد يكون عليّ ان القي جسرا بين المسيحية والاسلام في اقتضاب كتابة صحافية. لعل ايضاحي بعض نقاط يسعفنا في تأمل مشترك.

أولا: نحن لا نحث أحدا على الرهبانية ولا ندعو شخصا معينا اليها. وفي طقس الترهب في الكنيسة البيزنطية ويتضمن قص الشعر يسلم الاسقف مقصا الى المريد ويقول له: “خذ هذا المقص وادفعه اليّ”. يقولها ثلاثا ليكشف ان الامر طوعي.

الامر الثاني: ان البتولية (أو العذرية المنذورة) لا تلازم الكاهن الشرقي وهو في الرعايا متزوج دائما ما خلا حالات استثنائية جداً. أما الاسقفية فما لازمتها البتولية عندنا الاّ أواخر القرن السابع. وهذا اتخذناه بقرار اداري لا علاقه له بالعقيدة ولنا ان نعدّله بالطريقة نفسها. وفي الكنيسة الغربية نفسها حيث الكهنة متبتلون هذا عندهم من باب ما يفهمونه منفعة رعائية لا ارتباط لها بالعقيدة.

الامر الثالث: ليس عندنا كلام في الرهبانية في العهد الجديد من قريب أو بعيد ولو أبدى بولس رغبة شخصية في التبتل لمن ليس في حال تُحرق. في حال كهذه يوصي بالزواج (1 كورنثوس 7). اما من كلام يسوع التاريخي فلا يمكن استخراج الرهبانية.

لقد حلت تاريخيا في القرن الثالث الميلادي في مصر وسوريا في فترة واحدة في اعتقادي. طبعا لم تخرج من العدم. كان هناك نساك متبعثرون وارتبط ارامل بعدم الزواج تقربا والتزام صلاة. غير ان الحركة القوية التي ظهرت مع انطونيوس الكبير كانت نشأتها في هذا الالحاح الشديد عنده على اداء الانجيل اداء شهادة يطهّر به نفسه ويكون للآخرين نداء. كان انطونيوس حزينا على كنيسة الاسكندرية وهو فيها، حزينا على سقوط الامة في البذخ والتبرجز والابتعاد عن جدية العهد الجديد. كان يمكنه مثل الدعاة السطحيين ان يذهب الى الجماعة ويلومها ويوبخها على وثنية تجددت فيها. ما فعله انطونيوس انه اراد اصلاح نفسه عسى يتجدد بها الآخرون. كان عنده ما نسميه روح النبوءة. اعرض عن التوبيخ الكلامي في سلوكه القداسة.

#   #

#

قال انا أفرض الشدة على نفسي. انا آخذ هذه العظة على الجبل كما وردت في الخامس والسادس والسابع من الفصول عند متى وانفذها في تمامها اذا هبطت علي نعمة في الصحراء جنوب القاهرة. وقد يلتحق بي من اشتهى هذا الكمال من غير ان ننشىء ديرا للرهابين (هذا جاء في ما بعد) نرتبط بحماستنا ولا نتقيد بنذور قانونية. هذا جاء في ما بعد ايضا لما تحولت الحركة مؤسسة.

هذا لم يكن هربا من العالم. هذه كانت قراءة من ذمّ الرهبانية في الازمنة اللاحقة. المهم ما كان في صدور تلك الشبيبة التي عاشت في هذه القداسة المذهلة هناك وفي الشمال السوري بين حلب وانطاكية.

انا ما جئت هنا مزكيا الرهبانية بما انتجته من حضارة. ما جئت لاقول ان معظم ما عندنا من عبادات شرقا وغربا نحن مدينون به لها بما في ذلك من شعر ولحن. لست أريد ان أقول ان الكثير من الحضارة البيزنطية يأتي من الرهبانية وكل حضارة الكرج (الجيورجيين) والارمن والسريان انحدرت منها وكذلك التمدين الاول لروسيا واوروبا الغربية. هذا كله ثمار. انا ما يهمني النسغ ويبقى على سقوط بعض وتفه بعض. تهمني الحرارة الروحية المبدعة المتطلبة كثيراً.

نحن المسيحيين العرب على تقصير كبير عندما لا ننشر كل ما عندنا من تراث. ولست أسعى الى مقارنة الميراثات الروحية العظيمة هنا وثمة ولكن من عني بقراءة الادب النسكي عندنا أأخذ به ام لم يأخذ يجد جدية رهيبة في وسائل الترويض لرفض الرذائل واكتساب الفضائل. يلمس كم اهرق الرهبان من دم -اذا صح التعبير- ليأخذوا روحا. يعرف البذل الرهيب الذي بذلوه لتتنقى انفسهم من الحسد والبغض وكل لون من الوان الاستهتار الخلقي ليتمكنوا من محبة الناس ويخدموهم بتواضع ووداعة مذهلين. ما من شك أن أعدادا غفيرة دخلت بلا وعي كاف أو سقطت من بعد دخول. ولكن ما كل هذا ازاء الطراوة العيسوية في سلوك الكبار؟ ما كل العيوب ازاء الاثيرية المقرونة بمعرفة النفس البشرية وانقاذها من ظلمات الخطيئة.

#  #

#

أقف عند هذا الحد لاصل الى الاسلام الذي ديره رمضان. في سورة الحديد يذكر القرآن عيسى بن مريم فيقول: “وأتيناه الانجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الا ابتغاء رضوان الله” (الآية 27). المعنى اللغوي واضح. الله هو واضع في القلوب الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة. أما قوله ابتدعوها فهذا عينه ما قلته في مستهل هذه الكلمة بمعنى ان النفحة الالهية هذه لم تنزل في الانجيل لكن البشر من بعد نفحة الهية اتخذوها ابتدعوا هذا الشكل ابتغاء للرضاء الالهي. واما قول الآية: “فما رعوها حق رعايتها” فهو ايجابي من حيث المؤسسة بمعنى انه كان يمكن ان ترعى حق رعايتها لكن البشر افسدوها. القرآن ليس اذاً ضد استلهام الرهبان للرهبانية لكنه ضد تلويث البشر لها.

ازاء ذلك عندنا موقف ايجابي في التنزيل القرآني من الرهبان انفسهم وليس فقط من الرهبانية اذ يقول: “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون” (سورة المائدة، الآية 83). عن هؤلاء انفسهم يقول في الآية اللاحقة: “واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع”. اما الحديث الشريف: “لا رهبانية في الاسلام” فيقول بعضهم انه حديث ضعيف انا لست مؤهلا لنقاش ذلك. ولكن مهما يكن من أمر ثبوت الحديث فهو لا ينفي عن المسيحيين حقهم في الرهبانية.

إلى جانب ذلك تكلم القرآن عن الاستعفاف وذلك في قوله: “من كان غنيا فليستعفف” (النساء 6) وكذلك: “ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا” (النور 33). وعن النساء القواعد يقول: “وان يستعففن خير لهن” (النور 60). بالاقل يعرف الاسلام حالات استعفاف بمعنى انه لا يكره العزوبة في كل الاحوال.

هذا لاخلص الى القول ان الاستعفاف في المسيحية والاسلام حال ممكنة وانه ليس في الحقيقة بيننا في هذه النقطة اختلاف يبرر سجال المتساجلين. نحن في الرهبانية لا نقول غير ما جاء في القرآن: “وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور” (آل عمران 185) ومتاع الحياة الدنيا في الاسلام هو الى حين. لا نقول في المسيحية غير هذا.

اما وقد أوشك رمضان ان ينصرم وهو رهبانية المسلمين وحان اوان الفطر فابتهالي الى الله ان يكون كل يوم من أيام المسلمين عيداً يهبهم ربهم فيه كل عز ويمن ويجعل فيهم رأفاته ومراحمه وان يكون لهم في ارضهم والجنات من بعدها مساكن طيبة وألا يضرب عليهم الذلة ويصير موئل قلوبهم يتطهرون به وان يجعلهم في دروبهم اليه أعزة مقيمين في حنانه ولهم منه رضوان كبير.

وفرحنا نحن في الفطر ان نطلب لنا ولهم ولديارنا الواحدة السلام وان ينزع عنا وعنهم في هذه الدنيا شقاء البؤس والاستضعاف حتى ندعو لنا ولهم دعاء عيسى بن مريم: “اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وأية منك وارزقنا وانت خير الرازقين” (المائدة، الآية 114). اللهم اجعل في عيد الفطر المطل مائدة لجميع المؤمنين بك وللجائعين حتى لا يموت أحد قهراً ولينعموا بك يا من بيده ملكوت كل شيء.

فيما يفرح اليوم بعض ويفرح غداً أو بعد غد بعض ردنا ربنا الى وجهك الكريم.

Continue reading
1999, جريدة النهار, مقالات

القديسون / السبت 9 كانون الثاني 1999

اذا تصرفت قليلا بكلمة من بسكال بسبب قدم تعبيرها لاجعلها أكثر وضوحًا لقلت ان الناس على ثلاث مراتب: أهل الدنيا وأهل الفكر وأهل المحبة.

أفهم ان يكون أهل الدنيا ذائقين لدنياهم. متاعها جذاب ولذائذها مغرية وكبرياؤها ممتعة. انها موضع الاغراء والسحر لكن السوء فيها انها في النهاية ملهاة فانها ضياع الوجه في ما ينظر اليه وفقدان التوازن بين الشخص وما يملك ونسيان ان الدهر اذا تقلب قد ينزع عنا الملك واننا، اذ ذاك، نغنى بغنى ما بين أيدينا من متعة. الفراغ من هذه الاشياء نحسبه فناء الذات لان الذات كانت تتكون من خارجها.

المال في وفرته ما كان الا موضعا للسلطة، تلك التي اذا قادتنا الى الغطرسة نلغي بها الآخرين. الألغاء الغاء العين والفكر. أهل الدنيا ما هم في حاجة الى الآخرين ليعترفوا بهم. سلطانهم أوجدهم وبه يكتفون حتى اذا ذهب عنهم مالهم يلغيهم. هذا الخوف يفسر الجشع ويفسر الاستبداد والانتحار احيانا. من شعر بوجوده قائما من مصدر آخر لا يقتل نفسه.

غير ان أهل الفكر ليسوا دون المستكبرين بمالهم اغترارًا أو اعتزازًا. لقد أحسوا ان المعرفة وجود كبير لانهم وضعوا العالم في دماغهم. اذًا لقد استوعبوا العالم. صاروا العالم. متعة الكتاب والفن على صوره تجعل هؤلاء يحسون بأنهم في سيرورة دائما الى اقتحام المجهول وتحقيق انفسهم. لذلك اعتقدوا انهم قادرون على تغيير العالم. الشعراء بخاصة يحلمون بهذا التغيير. من يقرأ القصائد؟ المثقفون وواجبات المثقفين لازمة تبدو لي عقيمة. أهل العلم طينتهم من طينة أهل الارض. أجل عندهم كياسة وتوثب وتفتح وتبدو هذه كلها عتبات لرؤى ممكنة لكن الرؤية ان لم تنزل من فوق كانت من الهوى.

اما أهل المحبة فهم الاعلون. بلا قياس. انها ليس فقط تستغني عن الدنيا لكنها تحتقر الكثير فيها ولا تستعلي على الاشخاص. وتستغني عن العلم فانها تدرك ما لا يدرك. هذا لا يعني ان بعضا من المحبين ليسوا عظماء دنياهم وقد يكونون من الاغنياء وكبار ثقافة لكن المال والسلطة والمعرفة لا تعنيهم في العمق لكونهم على عمق آخر لا يدانيه شيء. هذه مراتب ثلاث الاعلى منها لا تبلغها انت من ارتقاء. فلا يسعك ان تصعد من المال والسلطة الى الفكر. السلطة لا تصير فكرا. وقوة الفكر لا تصير قداسة.

#   #

#

من ابتغى نقاوة القلب لا يتكلم عن اصله وفصله. هذا كله مائت عنده. هو لا يولي اية اهمية انتسابه الى بيت كريم وقد يكون كذلك. البيوتات عنده كلها تراب. لا يرى وجوده ممن قارب أو صاهر ولا يفتخر بمن عاشر ولا يحسب نفسه من عائلته لانه لم يأت من المنظور ذلك انه لا يحسب نفسه شيئا. هو لا يرصف نفسه لانه لا يرى نفسه.

من شعر انه ضعيف يعتضد. اما من حسب نفسه غير موجود فلا يعتضد. انا لست اقيم الفردية ازاء العائلية لان تلك تظن الفرد كل شيء وتلغي الجماعة. أما المحب فلا يرى نفسه فردًا لانه يراها متكونة بالمحبوب. هو يقيم من يحب. هو يأتي. انه دائما في حال الاتيان. واذا اقتبل حبا يحس بذلك نعمة. والمنعم عليه ليس بمالك. تعبره الجمالات ولا تقف. تعود النعمة الى واهبها ويبقى المستلمها عاريًا من كل شيء. ويخشى عريه اذا دقت ساعة الحساب. لا يفهم كيف يكافئه ربه وما كان بشيء. الله لا يستقبل الا الفقراء.

أما من انتصب في حضرة ربه ويداه مليئتان فماذا عساه يتقبل؟ ومن مثل في الحضرة و احس بأنه عظيم الفكر فماذا عساه يفهم فوق؟ ربما لا يبقى لنا غير الفقر مصعدًا.

كلك الحسناء. من يزيدها جمالا لو وقفت امام الخالق؟ من يرمي عليها حلة البهاء اذا أدركت العتبات وهي عليمة ببهائها؟ فاذا كان برنا كخرقة الطامث كما يقول اشعياء فماذا يكون جمالنا سوى قباحة في عيني الاله؟ فاذا مات اله القوة بعل بظهور الاله الحق وان ماتت الهة الجمال عشتروت عند بَدْو مريم فكل قوة قد اندثرت وتلاشى كل حس وهوت كل الاصنام.

كنت اعرف ان الالهة ارتميس تحولت خشبة لما ادركها أبولون وظننت ان اله الجمال هذا بقي على جمال لا يزول حتى فهمت أخيرًا من لوحة لتيابولو Tiepolo ان اله الجمال نفسه اندثر واننا ضحايا استيهامات تفتك بنا من دنيانا ومتاعنا وما قرأنا وما استقرأنا من حضارة اليوم وربما من كل الحضارات حتى نتسربل عراء المسيح.

#   #

#

لست أظن ان كنت غنيًا أميًا ان عليك ان تزداد علما لتخرج من تفه الدنيا. العلم قوة وليس نجاة. اخشى عليك من سلطة العلم ومن استعلائك على البسطاء. أنا لا ازدري الكتب وأريد الجهلة والعالمين ان ينكبوا عليها لانها قد تكون اداة للخدمة كما اني لا احتقر المال لانك قادر على ان تجعله وسيلة للتعزية. السلطة نفسها قد توضع في ايدي القديسين وقد تكون سبيلهم الى العطاء. دعوتي اليك ان ترى المال والسلطة لا شيء اذا قيسا بالمعرفة المتواضعة الحق ودعوتي اليك ان تشعر بأن كل تراث العالمين ليس بشيء امام اقتناء المحبة ساكنة القلوب.

أنا لست ادعو الحسناء الى ان تحلق شعرها وتقتلع اضراسها لتقبح نفسها كما فعلت جميلة فرنسية أحبها الكاتب الكبير ليون بلوا Bloy لما أحست انه اخذ يتعلق بها كما لا أدعو أصحاب القصور الى هجرها. ذلك ان التوبة ليست عن الجمال ولكن عن اعتبار الجمال وما كانت التوبة عن اقتناء المال ولكن عن تقديس المال وما يستتبع ذلك من حشمة ووقار وعطاء وتواضع في العطاء.

قلت ان القداسة نعمة. هذا هو الايمان. غير ان الذين بلغوا القداسة قالوا لنا انها قرار أي انها تعب شديد بعد يقظة وابقاء للجهد طوال الحياة. غير ان اللافت اليوم هو ما كان قبل التعب. الناس لا يؤمنون بكلمة الله. لا يصدقون انه على حق في ما نهانا عنه وفي ما يدعونا اليه. هم يقولون ولا يستحيون في قولهم ان ما يسميه المؤمن خطيئة ليس هو بخطيئة. المؤمن الهزيل – اذا صحت العبارة – تحلو له خطيئته بمقدار. في الماضي كان يرتكبها ويلعن الشيطان. اليوم يرتكب ويتباهى. انه لا يعتذر واذا كان عنده مقدار من الحياء لئلا يبرر معصيته فانه يفسرها بما يسميه حاجة في الجسد او وضعه المالي المتدني أو سخاء المائدة وبعامة يتكلم عن اغراء غير قابل المقاومة. ماتت الخطيئة لتصير حدثًا نفسيًا. من هنا التغاضي المتفشي عن الشذوذ الجنسي أو الرشوة أو التزوير. الانحراف الكبير ليس في الخطايا. هذه وجدت أبدا وانها لباقية. الانحراف الاكبر نكران فكرة الخطيئة. ما يهدد القداسة اليوم ليس الدنس بل الخلط بين الخير والشر، بين البياض والسواد.

#   #

#

انا واثق من ان ما يجذبني في المسيحية ليس اللاهوت ولكن القداسة. كل كتب اللاهوت لم يضعها الكبار الكبار الا لاعتقادهم ان استقامة الرأي جزء من طهارة القلب. كذلك عمارة العبادة ما غايتها الا دعمك في المسيرة الى البر. أنا أعرف أن كل الجهد المسيحي عبر الاجيال فكرًا وصلاة ورعاية وتنظيم بنية لم يكن له غاية اخرى الا ان يجعلنا إلهيين. ان جنون المسيحية هو في هذا ان تثبت لمن فيها وللآخرين ان الاله كله يمكن ان يحل على رغم كل الصعوبات في قلب بشري وان يجعله خلابًا. كل طرب المسيحية غير المعبر عنها بكلمة أو لحن انها قادرة على ان تحول بعض الوجوه ايقونات. الاعجوبة ان المسيحية قدرت عند عدد لا اعرف نسبته على ان تطفىء الشهوة في خلائق، ان تقيم حلاوة عيش ووداعة رهيفة واثيرية مسكرة في تفان كامل من اجل الآخرين، في نسيان كامل للأنا، للعشيرة، لمجد الطائفة الارضي.

هذا الذي صار ويمكنه ان يصير في كل يوم وكل بقعة من الارض له ان يريك كل أمجاد دنياك تفهة وان يكشف كل كتب الدنيا وفنونها شاحبة اذا قيست بفرح المتطهرين.

أنا لا أنكر شيئا من جمال هذا الكون ويشدني بهاء المعرفة اليه شدًا كبيرًا وأشعر أحيانًا باني اتحقق في هذا وذاك تحقيقا يبدو لي أخاذًا. لكن الذين يتعمدون بالبكاء ويحبون يسوع الناصري في عرائه وبلغوا مصلوبيته في صدقهم وبساطتهم اليومية هم أعظم في عيني من ضوء الشمس، من غنج الأزاهير. من كل مطربات الحس والعقل، من كل كتابة جميلة. هؤلاء الذين نحتهم الرب وحده باصبعه وتركهم في دار شقائنا شهودًا له هم ادلتي اليه. بسبب من بهائهم هم أغلقت كل الكتب.

Continue reading