تقرأ الكنيسة الأرثوذكسية غدا نسب يسوع كما ورد في إنجيل متى ثم تذكر ميلاده. النسب قراءة لاهوتية غاية الإنجيلي فيها ان يبين ان المسيح ابن ابرهيم وابن داود ولم يهتم كثيرا بإيراد الأسماء الأخرى بدقة. عندنا شجرة عائلة لا نعرف ارتباطها بمريم. ذلك ان الكتاب يؤكد انها أم المسيح ولكن لانعرف متى التصقت بهذه الشجرة اذ لا نسب للنساء. كذلك لوقا مضطر إلى ان يقيم ارتباطا قانونيا بيوسف بقوله عن يسوع: “وكان الناس يحسبونه بن يوسف بن عالي” (23:3) ما يدل على ان لوقا مؤمن ايضا بأن مولده من عذراء وان يوسف محشور باللائحة من أجل تأكيد النسب إلى ابرهيم وداود.

في كرازة الرسل وعند بولس تأكيد ان المسيح انما هو من داود. هذا يعني انه يستمد ملكه من السلالة الملوكية الشرعية وسجلت على صليبه. ورثها ليرفعها إلى ملوكية الروح والسيادة على التاريخ. يسوع متأصل بزمن، بشعب دعاه الله بابرهيم ولكنه تجاوز كل زمان وكل شعب وكل أرض. ولقد جاء جزء كبير من اللاهوت المسيحي للتكلم على العلاقة بين الزمان والابدية، بين الارض والملكوت، بين بشرية المسيح وألوهته.

اذا كان أمرنا مع المسيح غاية في حبنا له واذا عانقنا حبه بموته ونصره يأتي كل خلاف حول أصل كيانه الجسدي غير ذي فائدة. فالكتاب في كلامه على بني اسرائيل يقول: “ونمهم المسيح حسب الجسد” أو في الترجمة اليسوعية: “من حيت انه بشر” (رومية 4:9) ثم يكمل: “وهو فوق كل شيء إله مبارك أبد الدهور”.

الذين تهمهم الأعراق والأنسال والسلالات أذكرهم بما ورد في سفر تثنية الاشتراع 5:26 بأمر الله لكل انسان عبري: “ثم تتكلم فتقول له امام الرب إلهك: ان أبي كان آراميا تائها” ويريد بذلك ابرهيم الذي كان حسب الجنس آراميا. اما لماذا أظهر الله وحيده في الشعب العبري وليس في الصين؟ ان هذا مرتبط بختم النبوءة. يسوع الناصري كان ينبغي ان يأتي في خط الانبياء وفي بلد الأنبياء. كذلك هذا مرتبط بموته اذ كان لا بد ان يقتله اليهود تحقيقا للنبوءة. نحن بهذه الرؤية نخرج من الحديث عن الأعراق والدم.

***

لنقرأ ما قرأه الرسول بولس ان السيد “هو فوق كل شيء اله مبارك ابد الدهور”. واذا كانت الهوية شيئا من الارض فليس للمسيح ضيق الهويات. كان دائما جالسا فوق لما كانت قدماه تطأان ضفاف بحيرة طبرية. المسيح ليس من مكان.

ثم في اللاهوت نقول ان مركز شخصية المسيح في لاهوته. ان هذا الجسد “يتأقنم” اي يتبنى في الاقنوم الالهي فليس هو منفصلا عن الالوهية. هذا لا يعني اننا نبتر المسيح عن الخط النبوي لان هذا لا يكتمل الا به ولاننا مضطرون إلى ان نجعل المسيح من التاريخ ولو فاق التاريخ. فالمسيح ليس مفصولا عن الزمن ولو لم يستغرقه الزمن. نؤكد الامرين دائما معا.

***

قبل ان اتبسط قليلا بموضوع النسب ينغي ان اذكر ان نسب متى ينزل من ابرهيم إلى المسيح وان نسب لوقا يصعد منه ليس إلى ابرهيم فحسب ولكن إلى آدم اذ كان برنامج لوقا يدل على ان يسوع مخلص العالم وليس مخلص اسرائيل وحده. ولكن مع ان الاسماء التي يوردها واردة جميعا في العهد القديم الا ان الانتساب إلى آدم اشارة إلى الانتساب إلى كل من انحدر منه سواء اكانوا عبرانيين ام امما”.

ما لا ينبغي نسيانه ان آباء الكنيسة سعوا إلى وجه المسيح في الحضارات السابقة لظهوره فتحدث اقليمس الاسكندري عن ان الفلسفة اليونانية كانت “عهدا” اي انه استعمل اللفظة نفسها التي تطلق على التوراة والانجيل. ورأى الآباء مقاربات بين العقيدة المسيحية وما قيل قبلها حتى ان الفيلسوف الروسي نيقولاي برديايف قال لا شيء يمنع ان نرى في اساطير الشعوب القديمة تلمسا لحقيقة الانجيل. ليس ان المسيح قرأ الديانات الوثنية او فلسفة الاغريق. هو ما كان يتكلم الا الآرامية ويقرأ التوراة في لغة الاصل. ما اراده آباؤنا ليس ان المسيح وريث الماضي بمعنى انه اطلع عليه ولكن بمعنى ان شيئاً مما سبق يمكن تنقيته واستيعابه. نحن لا نقول ان النص الانجيلي بدء مطلق فان الانجيل لا ينقض الشريعة في جوهر غرضها ولكنه لا ينقض ايضا ما كان صحيحا في الماضي غير اليهودي. انه يعمده تعميدا اي يميت ما كان فيه مغلوطا ويحيي ما كان قابلا للحياة.

موقفنا مما سبق المسيح جدلي اي اننا نرمي اشياء ونحفظ اشياء وهذا الذي نحفظ نجلعه – فكريا – يمر بالمعمودية اي نميته ثم نحييه. قد لا يقال هذا عن كل الحضارات الدينية. شخصيا احس ان لا شيء يجمعنا بديانات الهند المختلفة ذلك انك لا تجد أي اثر للفكر الهندوقي في العهد الجديد. كانت محاولات من قبل النساطرة الذين بشروا الهند في القرن الثامن الميلادي ان يسكبوا المسيحية بمقولات هندوقية وبدت محاولات شبيهة عند اليسوعيين في ما بعد. ويحاول بعض المرسلين ان يتلمسوا الشبه ولكني لست اراه. كلما اوغلت في قراءة النصوص الهندوسية والبوذية ارى نفسي غريبا.

في اعتقادي ان ما يدعم حقيقة سكب هذا التراث او ذاك في المسيح ما قاله الكتاب نفسه عن ملكيصادق. ملكيصادق هذا “كاهن الله تعإلى… وتفسير اسمه اولا” ملك البر، ثم ملك شليم، اي ملك السلام. وليس له اب ولا ام ولا نسب، وليس لايامه بداية ولا لحياته نهاية، وهو على مثال ابن الله… ويبقى كاهنا ابد الدهور” (عبرانيين، الاصحاح 7). فأية كانت جزئيات هذا الكلام عندنا هنا كاهن كنعاني هو ليس المسيح ولكنه كان ايقونة المسيح.

هذا يعني على الاقل ان السيد كما بدا لنا جعل لنفسه صورا بالكلمات او بالوجوه او بالرموز في الحضارات القديمة. وهذا يعني تاليا انها كانت مهيأة لاستقباله اذا قبلت ان تموت بسببه وان تحيا به في معمودية فكر.

***

يبقى التجسد. غير ان القديس مكسيموس المعترف قال ان الكلمة تجسد في كلمات العهد القديم. يمكنني ان امد فكره حتى القول ان “الكلمات المزروعة” هنا وهناك (وهذه عبارة لآبائنا) كانت نوعا من التجسد. غير ان ما هو حقيقي في هذا التراث او ذاك لا ينبغي ان يبقى مستقلا بحيث نتمسك به لجاذبيته ونحيد عن المسيح. هناك قولات كثيرة اغرت بعض قراء الفلسفات والحضارات عن السيد. ما يهمني هنا قوله ان المسيحية ليست انظومة فكرية تقارنها بأنظومة  اخرى فتستغني انت بما يبدو مغنيك او تمزج بين الانجيل وغير الانجيل مزجا في ما نسميه التلفيق. ذلك اننا لسنا مدرسة فلسفية وقد لا نكون نظاما دينيا او عمارة دينية متنوعة الاجزاء.

نحن لسنا فلاسفة اي لا نبني بيتا عقليا متماسكا. نحن فقط للمسيح. نحن لسنا فلاسفة. نحن عشاقه ويغنينا بشخصه. هو حب ولو احتجت إلى العقل لتفسير لماذا هو حب. وعندنا ان المحبة هي المعرفة فاذا اكملت التلاقي الكينوني بينك وبين السيد تعرف كل شيء اي كل ما يجعلك انسانا سويا فاعلا الحق ومستنيرا بالنور الذي تدفق مرة وإلى الابد. وبعد هذا تقلب بذهنك ويديك العلوم والثقافة والسياسة. ولكنك، انسانا، وليد يسوع وكلمته وتواضعه ولطفه في الانكساء والرحمة التي يكشف.

وكل ما ساعدك في دنياك وثقافتك ونضالك ان ترى المسيح شفافا وان تراه حاضنا اياك فأنت ترحب به لانه لا يخرجك عن عشق المعلم وتقدر ان ترى كيف ينبسط في هذه الاشياء وكيف تعود اليه في هدأة الانسانية العالمة او الانسانية المناضلة. واذا كانت في رؤيتك لا تعود فيكون قد شوهها شيء او مسخها قائلوها او صانعوها.