الهوية ان هي الشيء الذي تؤمن انك اليه تنتمي. ما اهمية هذا الهاجس ان عرفت ان الله يقرأك؟ في الكتاب العزيز يقول: “سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا” والمعنى اني سأنظر اليكم واذا رأيتكم تكونون، اي انكم لستم شيئا قبل هذه الرؤية. وتقرأكم محبتي لابيكم ابرهيم. وابرهيم اول من سار الى الله. وقيل انه ذهب الى ارض الموعد. ولكن كل ارض تافهة او ليس من ارض الا اذا صارت سماء. لقد ذهب الى موعد مع الهه واجلي شعبه المرة تلو المرة لكي يلقى ربه في ارض غريبة. الهجرة هي الطريق الى وجه البارئ – الفادي وكل الوجوه محطات وليس لها تكوين الا اذا ارتسم عليها نور وجهه.

واذا فهم القوم انهم شوهدوا عند ذاك يصيرون شعبا له لانهم قبل ذلك كانوا بعثرة اجساد. وعندما كان الشعب اجسادا قال الرب لهوشع:”سمه ليس بشعبي، فانكم لستم بشعبي وانا لا اكون لكم الها”. ثم يقول: “وسيكون في المكان الذي قيل لهم “لستم بشعبي” انه يقال فيه: “ابناء الله الحي”. فالقضية اولا ان يراك الله برحمته فتكون ثم ان تعرف انك مرحوم فيثبت كيانك. وخارج التقاء عينيه بعينيك لست بشيء.

الا ان اهل الارض اصطنعوا لانفسهم هويات ليعرفوا انفسهم من اهل الارض. ولكنهم ينسون انهم جبلوا من تراب واذا لم يتحركوا بروح الله الذي القي عليهم يظلون من تراب. انهم يحبون ان يلزموا الارض ولهم منها اشياء. اول ما فيها العائلة وتعني ان رجلا اتخذ امرأة بعقد او لا يكون لك نسب لان من انجبك لم يوقع كتاب العقد. واذا اعتبرنا انك ثمرة هذا التلقيح فقد تكون اعظم من ابيك ومن امك وقد تتجاوز كل التهيؤ الجيني الذي وضعاه فيك ويذهب عقلك الوضاء وقلبك المستنير الى ابعد من المجرات وما هو اعمق من التاريخ. بالله عليك لا تنتسب. غير ان ثمة دولة وهي في حاجة الى قيود من اجل موانع الزواج ومن اجل ضبط احواله ومن اجل الميراث وشروطه وربما من اجل الامن.

واذا نظرت الى الاخوال والاعمام ومن اليهم فقد لا تكون لك بهم صلة ولو نفعت الصلة لنمو عاطفتك في احايين. ولكن من هم اذا لم تقم بينك وبينهم رابطة قلوب؟ ولا مانع عندي ان تربي روحك على ذلك اذا رمت بعضا من انتعاش. غير انك في بعض من أحيان تكون اسيرا لهذه الروابط، حادا في التناصر حتى لتشعر انكم كيان ولا تريد ان تفهم ان منافع الدنيا وحدها تقضي بتلاحم يصنعه الخيال وما هو بقائم الا للغلبة او بسبب من الخوف والافتخار. وتجد في هذه العائلة الواسعة كيانا وليس من كيان ما لم يكن هناك نفوذ او مال او سلطة اي اشياء من هذه الترابية التي وصلت اليك من آدم قبل ان يفتديه ربه بالحب.

الى هذا انتماؤك الى جماعة دينية. طبعا هذا ليس من الارض. لذلك يستوقفنا. غير ان في الامر لبسا اذ قد تكون اصلا محبا لله وتكون، اذ ذاك، صعدت بقومك اليه فهذا انتماء اليه. لكن الجماعة الدينية تتحرك بالايمان وما فيه من طاعات او تجمد بجهلها وخطاياها. هل المولودون على المسيحية يحيون بالمسيح؟ هل كل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ لذلك لا يعني لي شيئا تناصر المسيحي والمسيحي في هذه الدنيا اذا تناصرا خارج المسيح. المسيحيون ليسوا قوما. انهم نوعية او لون او بهاء. غير ان هناك مقتضيات الانتخابات وما اليها وهذا كله ترابية آدم. لذلك كانت امة الله تلك التي الله عارفها وهي ليست مسجلة في دفاترنا. هذا ولست بقائل انه لا ينبغي عليك ان ترعى المعتبر انه اخوك وان ترده الى وجه ربه وان تنتظم الجماعة على قدر النعمة في العقل الالهي. غير ان الجماعة التي قيدها الله على اسمه مؤلفة من الذين عشقوه. الى هذه تحاول انت ان تنتمي وقيود دوائر النفوس ليست منسوخة في السماء.

انا ليس عندي اعتراض على سعيك الى اطمئنانات: الحي، المدينة، او القرية، غابة نخيل لهذا ولذاك غابة صنوبر، البحر وما يؤنس. وانا آخر من قال ان المدن متساوية السحر. غير ان هذه بعض من جسدك ولا ينمو ذوقك الا بها. وبها تنتمي الى نفسك واحيانا يأخذك الله بها اليه. ولكونها منك هي تنتمي اليك والى من ذاقها معك وهي حلاوة من حلاوات الوطن الذي جاءك اليه ذووك وارجو ان يكون موطن الله او يشتهيه بعض كذلك.

والوطن صنيعة التاريخ وليس هو سجلا في عقل الله وليس الله ضامنه الى الابد غير انه فوض اليك الحفاظ عليه من أجل خيرك وخيرك في الارض ينبت بين حدوده وينشىء الساكنين بينها اذا سعوا بالجد بعضهم الى بعض، والوطن فرصتك المباشرة والاولى للخير. وانت تنتمي اليه بالخدمة ثم بما يعطيك وتتواصل وكل أبنائه في سبيل هناءة عيشهم وذلك في المشاركة. هويتك الوطنية ليست تلك التي تتقبلها بقدر ما هي انتباهك الى شعبك ومحبته أي انها في حال النمو.

غير ان في الاوطان خرافة كثيرة هي صنع الشعراء الذين يصنعون صورة البلد وهي ليست حقيقية ويدخلوننا في الغرور وهذا ما يصنع الايديولوجية التي ينتفخ بها الناس ليعوضوا بصورة الماضي المصنوع ما فاتهم من تحصيل الحاضر. أجل الشعوب المتخلفة في حاجة الى شعر قومي. تضعه لانها جائعة. انا لا أمنع عن أحد العواطف ولا ان يتغنى قليلا بجمالات لبنان على ان يصنع لبنان في الواقع الساحق. أنا لا أعرف شعبا يمدح بلده مثل شعبنا. نحن ننتمي اذا الى الصورة الشعرية التي ورثناها من شعراء الفصحى اومن شعراء الزجل. فالى اي شيء ننتمي؟ هل الى لبنان الحقيقي أم الى لبنان المصنوع؟ وافرضوا اننا انشأنا يوما بلدا عظيما. أنا متأكد عند ذاك من ان اهتمامنا بهويتنا يضعف وان التغني يتضاءل. انت تشتهي ما لست حاصلا عليه. ولكوننا بلدا صغيرا ومشتهى وضعيف الزخم في الانتاج يتضخم شعورنا بالانتساب.

الهوية اللبنانية تعني في أدنى حد الاخلاص للوطن والعمل من أجله. والاخلاص هنا حصري بمعنى ان ليس لك ولا لبلد آخر. وهذا لا يناقض شعورك بالانتماء الثقافي الى العالم العربي وارادة التعاون الكبير مع الشعوب العربية على ان تعتبر لبنان وطنا نهائيا. عندك تاليا هويتان ليستا على مستوى واحد ولا مضمونهما واحد. فكما لا يتناقض انتماؤك الى العائلة وانتماؤك الى مدينتك والى الوطن من حيث هو كل لا يتناقض من حيث المبدأ هويتك اللبنانية وهويتك العربية بمقدار ما يقبل العرب هذه الثنائية.

الا ان اللبنانية نفسها تفسح في المجال لرومنسية تاريخية تدعو الى القول بفرادة لبنان وانه سليل ستة آلاف سنة من الحضارة كما تفسح في المجال لرؤية أكثر واقعية وأمتن عملا. وفي هذا تختلف الشعوب. فالفرنسيون والروس واليونانيون والالمان يعيشون في غنائية كبيرة ويتشدقون كل بتاريخه وحضارته الخاصة في حين ان الاميركيين ليس عندهم شيء من هذه الرومنسية وليست عندهم قومية واحدة فمنهم الى هذا اليوم الايرلنديون والايطاليون والانكلوسكسون وولاؤهم لوحدة لهم مشتهاة وللدولة.

أما نحن فعلينا ان نصنع هويتنا من العمل، من النشاط الاقتصادي والمجتمعي والثقافي وان نزدهر على كل صعيد. واذا بلغنا مستوى من الازدهار عاليا تأتي هويتنا معبرة عن هذا الازدهار. ولذا كان البحث في الهوية ثانويا للعمل يلهينا عن النشاط الحقيقي.

والشعور بالانتماء يقوى على قدر التخلف او المقهورية. فلماذا لا تجد جدلا حول الهوية في انكلترا وتجد تأكيدها في بعض من بلدان اوروبا الوسطى والشرقية. ذلك لأن هذه البلدان تحررت حديثا بعد سقوط الشيوعية وهي تسعى الى تثبيت ذاتها، وفي وضعنا الاقليمي المتدهور انت لا تثبت انتماءك اللبناني ما لم تقو هذا الوطن الان بصورة لم يسبق لها مثيل.

أنا واثق من ان الجدل في قومية لبنان القائم من نهاية الحرب العالمية الاولى والذي تشدد بظهور ايديولوجيات قومية منذ مطلع ثلاثينات القرن الماضي كان هدرا من الوقت والطاقات. من نحن وما هي جذورنا التاريخية لم يطعمنا من جوع ولم يدفعنا الى الانتاج. الانتاج وحده من شأنه ان يجعل المبحث في الهوية غير ذي نفع او غير ذي نفع كبير. من انا بالنسبة الى التاريخ والى حضاراتنا السابقة نقاش يضمحل اذا أكد شعبي نفسه بالعطاء الكبير. انا عطائي.

العائلية في المدن بعامة وفي القرى بخاصة هدمتنا تهديما كبيرا?. التفاخر بالطائفة وماضيها وانجازاتها الحاضرة وتاليا وقوفها ازاء الطوائف الاخرى كان ولا يزال فيه تبديد طاقات كبيرة. الرؤية الى واقع البلد من اجل التغيير والنهوض هذا هو الموقف المنقذ.
ليس الخلاص في القول بأن لكل منا هويات متكاملة إذا تصادمت تصير قتالة. انا أقول ان هاجس الهوية لا يطعمك خبزا ولا يهبك حيرة ولا يشجع مساهمتك في بناء الحياة الجديدة. كن ما يجب ان تكون وعمّر البلد واحفظ عائلتك واطرح عنك العائلية. ولا تهتم لطائفتك وحدها سياسيا بل اهتم بالطوائف كلها في الوحدة الوطنية. عند ذلك ينبلج في نفسك وبين يديك نور الصباح.