في الشرق الارثوذكسي ليس من عقيدة تتعلق بمريم. فاذا سميت والدة الله في المجمع المسكوني الثالث، مجمع افسس 431، فهذا ليس قولا فيها مباشرا. انه قول في ما نسميه تبادل الخواص اللاهوتية والخواص الناسوتية في شخص المسيح. واذا نعتها بالدائمة البتولية نعتا في سياق حديث عنها في المجمع الخامس 553 فان هذا الا من باب تأكيد ما كان فيه التقليد متواترا. الشرقيون لاهوتيون اي يتكلمون على الله وحده ولا يأتون بكلام عقدي عن القديسين مهما سما أمرهم. لكن بهاء الله يسطع عليهم او انت تضمهم الى هذا البهاء في تقواك باعتبار ان كلمة الله يحويهم او يمتد اليهم او هم ملصقون به وليس لهم وجود مستقل قد يدفع مشاعر التقوى فيك الى ان تعتبرهم انصاف آلهة مع كونهم بشرا سويا.
المسيحي الذي يأتي من التراث الشرقي وحده لا يحس انه “يتعبد” لمريم اذا كان الفعل الثلاثي عبد، يعبد. انه يكرم ويأخذ القديسين في دربه الى المسيح وذلك في عبارات من العبادات مركزها الوحيد الله او مسيحه. لذلك لا خطر في الطقوسيات البيزنطية ان ترى مريم منعزلة عن سيدها ومحصورة فيها فضائلها. لا معنى عندنا لعبارات شعبية تجعلك تستعطي مريم في كل حين ناسيا انها مضمومة الى ابنها في مجده اذ ليس لها مجد من ذاتها ولا يسوغ لك ان تنظر اليها على انها تدوس بقوتها الحية. فالمرأة التي تحمل الطفل في البرية ويطاردها التنين ليست هي مريم. انها الكنيسة التي صورها كاتب سفر الرؤيا (الاصحاح 12) بصورة مريمية اذ العذراء الدائمة امامنا هي كنيسة الله.
في تتبعي لكل تراثنا الطقوسي يدفعك التعبير الى ان تظن اننا نخلص بواسطة القديسين. هذا غلط. نقولها ولكن قصدنا ان الذين ارتفعوا الى الملكوت واعلنا قداستهم انما هم شركاؤنا في الدعاء. في هذه الشركة كل منا يصلي للآخر. رجاؤنا فقط ان قوة الصلاة التي يرفعها القديسون مرتبطة بانهم تحرروا من وطأة الجسد ومن الاهواء لان “صلاة البار سماويا كان ام ارضيا قادرة كثيرا في فعلها” (يعقوب 5: 16). المسيح وحده هو المركز ولكن في كونيته واصطفافنا حوله يجعل هو كلا منا يحمل الآخر. سمّ هذا – اذا شئت – توسلات عند الذين هم فوق او شفاعات او ما الى ذلك. لكن القربى بين اهل الارض في الصلاة هي قربى من السيد لا تختلف بطبيعتها عن قربى بالروح سكان السماء. لا نعني اكثر من هذا اذا قلنا: “بشفاعة والدة الاله يا مخلص خلصنا”.
ما يجري حقيقة في قلب الله ان كل اهل السماء يتضمنهم المسيح في ذاته وهم في صحبته عندما يستجيب لنا بمعنى ان احدا منهم ليس جسرا بيننا وبينه فانه الصق بنا من رأسنا اذ قد يقطع رأسنا وهو لا ينقطع من اللصوق. لذلك لا محل لاعتراض القائلين انا ادعو المسيح مباشرة اذ الجواب اني اذا ارتفع دعائي الى قديس فاني لا ازال مع المسيح مباشرة ولكنه هو ليس وحده اذا لبى دعائي لان اصحابه السماويين هم معه ويبقى حاويهم وهم لا يضافون اليه اذ لا تفريق بينك وبين الملتصق بك. هنا الكثرة تغنى في الوحدة والوحدة تبدو بالتعدد. نحن دائما في الشركة.
كل ما في الامر اننا لا ننسى الذين ذهبوا الى المجد وهم لا ينسوننا اذ يجدوننا مثل رجاء او وجود متوقع في هذا المسيح الذي يشملهم جميعا.
مريم لا تخرج عن هذه القاعدة. غير انها اسمى المخلوقات اذ قال الله ذلك بواسطة جبرائيل (او جبريل اقرأ كما تشاء) وفي تأملنا رقادها او موتها واستقبال ابنها لها رأيناها اعظم شأنا من الملائكة. وقد نحا بعض آبائنا الى القول ان الانسان اعظم شأنا من الملائكة. في المصطلح الطقوسي اردنا ان نقول انها حققت في ناسوتها ما لم يحققه آخر واهلها الله لذلك في اختيارها. كنيستنا تعتقد ان والدة الاله ساكنة المجد مع انه لن يكشف قبل اليوم الاخير. وهذا ما نعنيه في اقامتنا عيد الرقاد في الخامس عشر من آب. ولا نوغل ابعد من هذا الحد.
الى هذا، في دنيانا، عندي قولة تتفرع من امومة مريم ان المرأة، كل امرأة ما لم تلد كائنا شبيها بالاله، متخلقا باخلاقه، ناريا كالانبياء، حريصا على نقاوته مثل القديسين لم تلد شيئا. الناس لحم ودم ما لم يصيروا آلهة. الناس كلام ما لم يصبحوا مثل كلمة الله. همّ الله في كل التكوين البشري ان يصنع آلهة.
في قراءة بعض لانجيل يوحنا عندما كان يسوع مرفوعا على الخشبة كان الى جانبه امه وشاب يدعى التلميذ الحبيب. يقول التراث عندنا ان هذا الرجل كان يوحنا كاتب الانجيل الرابع ولكن ليس من اقرار في النص بانه كان يوحنا بن زبدى. هنا قال السيد لمريم: “هذا ابنك”. فهمي للنص وما رواء الظرف ان مريم جعلت اما لكل تلميذحبيب. ليس احد يعرف معنى بنوتنا لمريم. الكلام يتعدى مجرد التحرك الشعوري. ما يبدو انه يمكن القول اننا نولد من نقاوتها النموذجية لكل نقاوة. غير ان التراث يقول لنا ايضا ان من بث المسيح في العالم (بالتعليم والشهادة) يصبح هو ايضا مريميا?. هل هذه تسمية رمزية ام اكثر؟ ان لفي الامر سرا. ولكن ايا كان التأويل يبقى ان لنا مع هذه المرأة صلة حميمية لا معنى لها ان لم نصبح، بصورة ما، مريميين اي مولدين للمسيح في الدنيا.
يبقى ان الادبيات المسيحية في الشرق على الاقل لا تذكر السيدة العذراء من حيث هي امرأة. مقام النساء لا يبدو انك تستطيع ان تستخرجه مباشرة من مريم ولاسيما ان الرجال والنساء عندنا يلوذون بها لوذا واحدا. لا يبدو ان الجنس يلعب هنا اي دور. غير ان ابن الله ارتضى ان يسكن احشاء امرأة. لذا لا يمكن مسيحيا الا ان يكرم المرأة اكراما شديدا لكون رحم امرأة واحدة صار اشرف مكان في العالم. آسف طبعا للرؤية الدونية للمرأة كما ترد عند هذا وذاك من كبار المعلمين. ما اتيح لي ان ادقق في هذا الادب وقد لاح لي من قراءة سريعة ان الموقف لم يكن موقف انتقاص من كيانها ولكن موقف تخوف من الاغراء لان حواء تسيطر على عقل الرجل وعلى مشاعره الظاهرة او الباطنة. غير ان العبادات تلغي هذا التخوف اذا طالعت الشعر الطقوسي المتعلق بمريم. القصة ان ام يسوع كانت المرأة الوحيدة التي سحقت طغيان حواء فينا.
مريم مستمرة هدفا وشوقا حاملة راية العفة ولست اريد بها عفة الجسد وحدها ولكن العفة عن شهوة المال والسلطة. الدائمة البتولية تعني دائمة الانقطاع لله والاقلاع عن اي تركز على سواه. وانت في زواجك بتول ان كان الله لا امرأتك هدفك وتأتي زوجك، اذ ذاك، رفيقة لك في هذا التبتل.
ولكن لا يبدو ان لكلام كهذا مكانة في مجتمع يقوم على عبادة الجسد. ان فحش الازياء رمز لهذه العبادة. لا اعتراض عندنا كبيرا ان يعجب الانسان بقوامه او خلابة وجهه ولكن على ان يأتي هذا طريقا الى الكمال الروحي. الجسد مصلى، موضع سجود للرب ومكان لغة، لا تجعله مصبا لكائن آخر. اذ ذاك يبطل، حقيقة، تواصله. لا تقمه في الهشاشة. شدده بالروح الالهي الساكن فيه لتصير كائنا مريميا.
