هذا رأيي ولست أعبر عن رأي سواي لأن كنيستي لا تتعاطى الشأن السياسي الا عند مظلومية الإنسانية، وسأحاول ان اقترب من العدالة وليس من نظام إلاّ فسدت فيه رؤية أو فسد فيه مراس. غير ان الديموقراطية لانعدام وحي إلهي يحكم الأرض تقول بسيادة الشعب. ولكن ما سيادة الشعب الا اقتراب من إحساس الفرد انه غير مهمش بتراكم المنافع وتلاقيها وتلاعبها في ديموقراطية اسمية تدعي حقوق الأفراد ولكنها تجيرهم إلى كتل متحكمة، إلى أوليغارخية مستترة تحت ثوب طغيان.

والأمثل في التمثيل اذ لا بد منه ان يحس المرء ان له مندوبا ينطق باسمه أي له به صلة وجدان ووحدة تطلعات ومشاركة ألم. وبهذه المشاركة يصير النائب في حصافة فكره وحماسته للوطن نائب الأمة كلها. هناك آلية انتداب في الأنظمة القائمة على حزبين وأكثر أو إذا كان المواطن منحزبًا، إذا كان الحزب ذا عقيدة أو برنامج معلن فلا يضطر الناخب، اذذاك، إلى ان يعرف مندوبه بعد ان يكون تبنى العقيدة أو البرنامج. ان تجريدية العقيدة والبرنامج خير من الصلة الشخصية. لكن هذا غير حاصل عندنا الآن أو قليله حاصل. فنعوض النقصان بالثقة فنعرف ان نائبنا منا واننا منه. لذلك كان الأمثل ان نصوت لشخص واحد يكون فكره السياسي أقرب إلى فكرنا وأخلاقه على صورة ما نراها في الإنسان السوي.

أما إذا كثر المندوبون ويكثرون في المحافظة نفترض ان مرافقي مندوبنا في المعركة يشبهونه فكرًا ومناقب وهذا يستحيل ان يقوم الدليل عليه. هذا نظام لائحة هي تدعي التجانس ولا شيء يثبته وتقوم على ان هذا يأتي بعدد من الأصوات وذاك بعدد وما تشاور الناخبون وليس من آلية شورى بينهم. انها لعملية استرضاء الموفد للموفد وعملية وعود بين الموفدين إذا ما وصلوا لا يعرف أحد أسبابها ولا يؤكد أحد تحقيقها فمّر القوم الجالسون على الأرائك وانقطع الجسر بينهم وبين ناخبيهم وما من مسائل اذ انت تسائل من تريده أن يجلس تحت قبة البرلمان وما أردت فعلاً زملاءه ان يجالسوه.

لما قال الطائف بتقسيمات جديدة تكثر فيها المحافظات اعتبر ان تضييق الدائرة يقرب المواطن ممن يرسل إلى المجلس، ورأى إلى شيء من التعارف بين الفئتين ولو نسبيًا. اما الآن فلا يتيح ضيق الوقت القيام بهذا والتقسيم يقام به في حال الهدوء لا عند اقتراب الاستحقاق. اما وان الأمر عاجل فلا يسوغ لنا ان نختبئ وراء نص الطائف لأن النص جعل المحافظة وتقسيم المحافظات القائمة آنذاك امرين متلازمين. عند هذا لا يحق للقائلين اليوم بالمحافظة ان يدعوا انهم يستندون إلى النص. ليس هذا هو النص.

أعرف النسبية نظريا. ولكنها لم تمارس. ويفصلنا اسبوعان أو أكثر بقليل عن إصدار قانون لها وتفسير تطبيقه ومعرفة الآلية لتنظيم الحصص الطائفية. لكن كل فلسفة النسبية قائمة على توازن الأحزاب وضرورة التلاقي للتيارات السياسية المختلفة والإفادة من التنوع الفكري. وفي أحسن حال عندنا توازن أشخاص وأهواء وانخفضت احزان الأقلية.

وليس الوقت للمعمعة ولا للتأجيل بسبب الدرس والتدريس اذ ينبغي افتداء الوقت لأن الوقت رديء. وسرعة القيام بهذا الواجب الوطني هي الإنجاز لأننا اليوم في حال تربية لأنفسنا وتقوية لعزائمنا قد تجعلنا في مجال السياسة شيئًا من خلق جديد أو هداية مذهلة.

وعندنا مشروع القضاء تقدمت به الحكومة السابقة ونص عليه قانون قديم. وتبدو مساحاته الجغرافية أدنى إلى المحافظات التي وعد الطائف باستحداثها أي يكون أقرب إلى الطائف نصًا وروحًا. وليس هذا حديثا عندي. فقد ناديت به منذ سنوات المرة تلو المرة في هذه الزاوية.

وبين السنة 1960 والسنة 1972 اعتمد القضاء وأنتج استقرارًا سياسيًا. ثم بعد 1972 تمت أربعة انتخابات على أساس القانون ذاته. وهذا كشف تماسكًا في المجلس نتج منه اتفاق الطائف.

في القضاء، أو المحافظة ممكن تبني مشروع النسبية الذي لا يعرفه بخاصة الا علماء الحقوق الدستورية وفيه حسنات في البلدان الخارجة من ازمات أهلية ولكن ليس لنا فيه مراس. وهو يفرض على العموم ان تصوت للائحة كاملة فلا يحق لك فيها التشطيب واللائحة الثانية المعتبرة خاسرة في نظام الاكثرية ينجح فيها اثنان أو ثلاثة أو أكثر بحسب عدد ناخبيها. ولكن من تختار من اللائحة الثانية أو الثالثة وكيف تعامل المرشح المنفرد؟ يسهل الأمر عندما تكون اللائحة حزبية فلا يكون فيها تفضيل اذ يأتي رئيس الحزب أو من يعينه الحزب. وعندنا نحن تعقيد آخر هو المحاصصة الطائفية. انه ميكانيزم صعب ضبطه الآن وصعب تعليمه لموظفي وزارة الداخلية. أما ما قيل عن ان العراق اعتمد أخيرًا هذا النظام فالعراق كان موزعًا على أحزاب أو حركات دينية وليس فيه نظام طائفي ولو ظهرت ميول طائفية.

أما قول بعض ان القضاء يعني نظامًا طوائفيًا فقول يفترض ان كل قضاء هو من لون طائفي أو مذهبي واحد. فالقاء نظرة سريعة على كتاب كمال فغالي عن انتخابات السنة الـ2000 يبين مثلاً ان في دائرة جبل لبنان الأولى عندنا 88,9 في المئة من المسيحيين و10,3 في المئة من المسلمين. المسيحيون من كل المذاهب والمسلمون شيعة وسنة. وفي دائرة جبل لبنان الثانية عندنا 94,1 في المئة من المسيحيين والبقية مسلمة. والدائرة الثالثة مناصفة تقريبًا وعندنا فيها دروز وسنة. وفي الدائرة الرابعة حول 60 في المئة مسلمون وحول 40 في المئة مسيحيون.

في دائرة الشمال الأولى 56,2 مسلمون والباقي مسيحيون. في دائرة الشمال الثانية مناصفة. في دائرة الجنوب الأولى 85,8 في المئة مسلمون و14 في المئة مسيحيون. في دائرة الجنوب الثانية 74,9 في المئة مسلمون والباقي مسيحيون. لا نجد دائرة واحدة – وقد قرأت كل الاحصاءات – هي من لون واحد وان كثرت جدًا هذه الشريحة أو تلك في أقضية قليلة جدًا.

غير ان القضية الحقيقية أمامنا الآن هي اننا في حاجة ماسة إلى ان نمارس الانتخابات في مواعيدها وليس عندنا وقت أو هدوء فكر لنفتش عن أحسن نظام ممكن في دساتير العالم. هذا يستغرق دراسات من شأنها ان تؤخر الانتخابات مع ما في ذلك من محاذير. العمل الانقاذي في الوضع الحاضر هو استعجال العملية الانتخابية بما لديك من نصوص أثبتت صحتها وقوتها.

ردي الأساسي على من يخشى التشددّ الطائفي من اعتماد القضاء هو ان هذا التشدّد يخف بالضبط إذا أحس الناس بالعدل وان طائفتهم غير ذائبة في قوة الزعماء لطائفة أخرى. ايهما أقرب إلى اللاطائفية ان ترى نفسك مذيلاً إلى طوائف أخرى أو ان تحس نفسك محضون طائفتك؟ هذا إذا اعتبرنا ان ثمة اكتساحًا طائفيًا في هذا القضاء أو ذلك. أين التشدد الطائفي في قضاء كسروان الكثير العلم والرقي إذا أتى بنواب موارنة فقط؟ هل إذا اختلط أهل هذه المنطقة بدروز الشوف وأرثوذكس قضاء عاليه والمتن انتخابيًا يضعف تمسكهم بمارونيتهم أو تقوى وطنيتهم؟

إلى هذا فالبلد طوائفي في كل تركيبته حتى يأتي المجلس الجديد وتتشكل الهيئة المكلفة رسم الطريق إلى اللاطائفية السياسية. فيتحرر اللبنانيون خلال عشرات من السنين من الانتساب الطائفي بمعناه السياسي. أنت لا تنشئ المواطنية في الممارسة بمعنى القفز فوق كائنات تاريخية دينية بسرعة.

نحن قوم لم نبلغ هذه التجريدية الغربية التي تجعلنا نتعامل عبر هيكليات عقلية فيها بعض من جفاف. وربما كانت الدولة لا تسير بلا هذه الهيكليات. نحن حضارة مودات وعلاقات وجدانية وعاطفية. ولم ينشئنا ديكارت ولا الشرع الروماني. ويعيش النواب الحاليون هذه العلاقات الشعورية (حضور مآتم واعراس، الخ…). وليس عندي في هذا تخلف عن بلدان العالم الأول. الحياة تعارف وتبادل والناس عندنا يحبون ان يحمل النائب قضاياهم إلى الدولة وليس هذا كله خدمات بل أمور تتعلق بالمجتمعات اليومية.

أنت ترفع إلى مرتبة عليا من تعرفه وفي الدوائر الكبرى تصوت لحليف من تعرفه وحتى الآن لم نسمع ببرنامج انتخابي صريح ومفصل في كل مرافق حياتنا الاقتصادية أو الثقافية. ما العيب في ان “تشخصن” العلاقة إذا كان نائبك موثوقا به ومقدامًا ووطنيًا؟

خارج هذه الرؤية ليس عندك في الدائرة الكبرى الاّ ناس يستقوي بعضهم ببعض آخر ويتبادلون المنافع لدعم رجوعهم إلى السلطة بحيث تصبح الانتخابات وعدًا بدورات انتخابية أخرى لقيام كتل تصبح أحيانًا رمزًا، في حين ان النائب الظاهر من القضاء ليس له الاّ قوة ناخبيه وتعلقهم بما أنجز ويعود ما أنجز. يجب ان ننتهي من آلة قائمة لتجدد لنفسها وتصير غاية لنفسها وتلتف حول الأغنى بين المرشحين. هذا نظام ينتج طفيليين.

ان المجيء بنواب جدد فهماء وصالحين قد يكون خطوة كبيرة على طريق انشاء الدولة الحديثة وظهور مجتمع راقٍ.