بعد أن راقبت حرائق سد البوشرية على الشاشة لم أستطع أن أنام توًا. لماذا كل هذا البغض؟ لا أجد كلمة أخرى لأعبر عن هذه الحادثة وما سبقها. كل هذا لدعم أطروحة متميزة أن جيشنا لا يستطيع أن يضبط الأمن. قد تكون الأطروحة صحيحة لو كان مصمم التخريب لبنانيا. ولكن الخراب مرتبط بالافتراض أننا وحدنا غير قادرين على سلامتنا وانه يجب أن نتكل باستمرار على آخر، الأمر الذي يفرض أن استقلالنا محكوم عليه أن يبقى مبتورًا، مضروبًا. من يعتقد ذلك لماذا يريد لبنان؟

طبعا لا يستقلّ بلد بلا إجماع بنيه على قدرته وهي لا تنفي بطبيعتها التحالف مع من يحبك ويوآزرك ويدعمك وتدعمه بالقدر الذي تستطيع عليه. أن يحالفك هو ان يعتقد انه قادر على إعطائك ما يقدر عليه وانك قادر ان تعطيه من بعض ما عندك وهذا على كل مستويات الوجود ضده الزبائنية. أنا افهم قول بعض ان هذا البلد قام على تسوية. أما اليوم فقد تجاوزها الذين يقولون ان عيشنا توافقي ولو احتاجت هذه الصفة إلى إيضاح وترتيب البيت الداخلي على قواعد المشاركة الشريفة حيث الشريك يؤمن بإخلاص الشريك. والإخلاص اتخذه هنا من صورة الزوجية وهي العهد ألا تخون الآخر وان تراقب نفسك على الدوام لئلا يغريك الشرك بالرفيق.

دائما كنا عرضة للطمع. وحدتنا وحدها ترد الطامعين بالوسائل الممكنة. وهذا يحتاج إلى ديبلوماسية عاقلة وقبل كل شيء إلى تماسك يأتينا من أنفسنا يرد على المشتهي شهوته. ما نشهده الآن ان شبيبة بلدنا أبدت انها تريد ان تعيش واحدة لكونها فهمت بعاطفة وعقل ان الآخر في الدين هو أخ في الوطنية وان فئة من الفئات أو شريحة من الشرائح لا تضع وحدها البلد وان البلد في ارتقاء إنسانيته يحفظ الجميع معا. لقد تعبنا كثيرا ومتنا كثيرين حتى لا نعود إلى جنون الطائفية وإلى إغراء الغريب الذي كان يغذيها وعرفنا ان هذه الطائفية الكثير منها مصنوع وانها ليست من أعماقنا التي تصبو إلى تعاضد الجميع وقيامهم معا ببناء الوطن. ورجاؤنا إلى الله ان يثبت فينا هذا الفهم ويذكي هذه الحماسة.

هناك إمارات) أي علامات) تبشر وسط المحنة إننا قائمون منها آجلا وهذا ليس بفضل أسطول رابض على ما يقال قريبا من مياهنا أو بفضل تصميم سياسي دولي كبير مهيأ لابتلاعنا. فمن الدول ما نصدق ومنها ما لا نصدق. فمنها من يرعى إسرائيل ومشروعا إقليميا نذوب فيه. نحن في رعاية العالم مجتمعا شأننا في ذلك شأن الأمم كلها كبيرها وصغيرها. نحن رفضنا الاستعمار القديم والانتداب وما كان على صورته وتمكنا من ذلك ولو أبطأنا. ومرضنا المزمن البطء. وما ابتغينا في كل أطوار التاريخ استكبارا ولا طلبا للكرامة وحدها وان كانت هذه تحرك كثيرا ولكنا أردنا الحرية لتعزيز إنسانية الإنسان ودفعه إلى تفعيل طاقاته وإخصاب البلد في كل المجالات ولا أحد ينفعنا في خدمته كما نفعل نحن لأن الغريب لا يحبه كما نحن نحبه. يزين لي أن أكثرنا فهم ذلك وعلى هذا نحن قائمون حتى يزول زمن التخريب وننصرف إلى البناء في كل وجوهه.

وكما أعدنا البلد من بعد الحرب التي جرت على أرضنا سنعيد بناء كل ما أنهدم مؤخرا بعد ان أعدنا اللحمة بين مواطنينا وبزغت نضارة هذا الشباب وإرادة تعايشه على اسس السلام والخير والمعرفة.

إلى الشباب أود ان اقول اننا نريد بلدا جديدا لا يتنكر الا إلى للسيئين من الأجيال السابقة فهذا البلد مليء بالصالحين الذين قد يكون لهم تأثير سياسي كبير. اعرفوهم. ولست أنكر أن ثمة خيرين بين المسؤولين. اعرفوهم أيضا واقنعوا الإنسان الجيد ان يحمل مسؤولياته ويدخل في الفاعلية السياسية إن أمكنه ذلك. ولكني اقول لكم اتكلوا على جهادكم وتهيؤا إلى المسؤولية العامة بما أنتم تتآزرون. أنا لست أقول أن كل شاب مواطن طاهر فاذا عف وحب حتى الآن فهو الشاهد على انه يريد وطنا عظيما وانه مهيأ له.

الأمر الثاني في قول علماء الاجتماع ان الدولة هي العنصر التكويني لمجتمعات العالم الثالث. غير ان الدولة عندنا لم يصل اليها هذا الخبر. ولذلك لا بد من دولة جديدة بأناس جدد يؤمنون بالحرية ويؤمنون تاليًا ان ليس امامنا في العالم العربي من نظام نموذجي. نحن نصنع نظاما لنا لا يقلد اي وضع قائم في العالم العربي وتاليا يكون الداعون إلى الأنظمة العربية متخلفين عن ركب الإنسانية الحرة المتطورة.

من الأكيد ان نضالكم يجب ان يكون شرعيا مستمدا من الدستور والقوانين والمؤسسات. انتظموا في أحزابكم أو تشكيلاتكم السياسية ولكن تفحصوا كل توجيه فيها وكل قرار بروح المسؤولية وتحلوا بالروح النقدية. شاكسوا إذا وجبت المشاكسة ولا تنقادوا لما ترفضه ضمائركم. اما غير المنحزبين فليشكلوا مجموعات ضغط ولعل هذه افعل احيانا من الأحزاب لأنها تدعكم أحرارًا من الإيديولوجيات الجامدة. آتوا بأفكار تجدد البلد فالمجموعات الضاغطة الحرة تنتج عملا جديدا لا تقيده مسبقات عقائدية. “افحصوا كل شيء وتمسكوا بالأفضل “. وهكذا تهتز الهيكليات العتيقة التي كبلت البلد أو أسرته. فضلكم على الأجيال السابقة حركيتكم التي لها ان تذهب بناس وتأتي بناس. والسياسة ليست إخلاصًا لوجوه. انها إخلاص للبلد تريدونه قائما على الطهارة والتنكر للمنافع الخاصة التي يدعمها الاستزلام. وليكن عقلكم دائما واقفا امام كل زعيم اية كانت هيبته لأن الهيبة هي فقط للحق ولا تنسوا ان بعض الوجوه يجب الا تعود لئلا يبقى لبنان مقهور العتاقة والإفلاس العقلي.

***

إلى هذا فالشباب ولاسيما الحزبي منه يكون كامل التسيّس أي مستغرقًا في الفكر والعمل السياسيين استغراقا كليا أو شبه كلي بحيث لا يتنشق هواء آخر أو لا تبقى في نفسه متكئات لروح اشمل من الهاجس السياسي. هكذا كانت عندنا الأحزاب الشمولية يرجع فيها العضو إلى مسلمات عقائدية حجارتها غير قابلة للتفتيت. السياسة لا تستغرق كل حيوية البلد. وليس الإنسان مجرد حيوان سياسي (politikon) كما حدده أرسطو. كل منا كائن إلهي أي يحتوي الكون بكل أجزائه. انه كون صغير كما عرفته الفلسفة اليونانية وآباء الكنيسة.

ما نسميه المجتمع هو مجموعة المواهب التي عند كل امرئ أو هو تلاقي المواهب وتفاعلها وبناؤه غاية الدولة. وعندما نبلغ رقينا العظيم تصير الدولة اداة في خدمة المجتمع اي وسيلة لإنماء المواهب.

لذلك قال الفيلسوف قنط ان الإنسان غاية في نفسه. بذلك كان كل قمع ضد الإنسان من حيث هو غاية. ان غناكم الروحي والثقافي هو الذي يرشد الناس اليكم ويجعلكم في خدمة شعبكم. في الفراغ الثقافي وتفه القلب لا يستقيم إنسان ولا يجتمع بلد. فللتعبير الوطني وقت وللتحصيل وقت. ولا تجعلونا نندم على اننا نريدكم الأعلين لكونكم اعرضتم عن تسلق الدرجات العلى من المعرفة التي دونها اللهو والزينة والمجد الباطل.

***

قد لا يكون غريبًا عن هذه التأملات ان فكرت اليوم في سياق حديثنا هذا ان اذكر هذا الأحد الثالث من الصوم في بعض الكنائس. في كنيستي ذكرى للصليب يطاف به ويوضع في وسط الجماعة وبعد ان يقبله المؤمن يدفع إليه الكاهن بشيء من الرياحين أو الزهور ليوحي بذا ان الزهو الذي تحمله الزهرة إنما كان ثمنه الجهد والأتعاب.

ان الثقافة لجهد موصول لا ينتهي الا ساعة الاحتضار. انها امتصاص العالم في شخص، ابتلاع جل الفكر وجل التاريخ. وقد تظهر عند العباقرة في الدنيا كلها. ولكنها تظهر أولا في الوطن.

مع هذا كله ليست الثقافة وحدها كل الإنقاذ. ان الخلاص يأتي من القلب النقي، من البساطة والتواضع ولقاء الحب بالحب على طرق العمل. ان هذه الخصائل إذا لم تتوفر فيكم لا تكونون صرتم شبانا وصبايا جاذبين لعظيم التقدير. اما إذا توافرت فلكم القيادة ليس فقط للبلد ولكن لعقولنا.

على هذا سيروا حتى يفنى جيلنا ونحن على الرجاء. اجعلوا لبنان لكم بعد ان تكونوا صرتم للبنان بالعمق والحرارة والنقاوة إذ تذكرون في اللغة أن لبنان هو البياض.