المسيحيون في لبنان اذا كانوا أكثرية كما في احصاء 1932 او باتوا أقلية كما يقال اليوم على غياب كل احصاء يعيشون في هياكلهم من جهة وفي الوطن من جهة ثانية وليس بين ما يأخذونه من كنائسهم وما يمارسونه من سياسة اية صلة. لا يستلهمون الانجيل لينقلوه الى دنياهم فاذا استمدت قلوبهم لنفسها لغة من انجيلهم لا تنحت قلوبهم دنياهم. هم من السماء لا ينزلون منها وهم من العالم لا يصعدون منه الى فوق. هذه هي ثنائيتهم القتالة اذ يقبلون فيهم هويتين لا تتداخلان. فيهم حلاوة الملكوت وفيهم ترابية هذه الارض. فلا ارضهم تستضيء بسمائيتهم، ولا ارضياتهم فيها نكهة الفردوس. انهم لا يعون هذا الانفصام المحطم لوحدتهم الكيانية.

فيهم فاجعية اقلوية تخيفهم غير مصغين الى قول المعلم: «لا تخف ايها القطيع الصغير. انك قد اعطيت الملكوت». يخشون صغر حجمهم ليقينهم ان لهم حجم الارض ولا يعرفون ان رأسهم ينطح عرش الله ولا يفهمون ان الارض موطئ لقدميه اذ الههم قابع فوق ينتظرون لقاءه بعد موتهم او في القيامة كما لا يفهمون ان قلوبهم هم قادرون بها على ان يحركوا الارض. وهم عالمون ان «ليس لنا مدينة ثابتة بل ننتظر الآتية».

«انهم يتقلبون على هذه المقولة» ان المسيحية تمتاز بالقيمة التي يولونها الارض وانا لم اجد في النصوص التأسيسية ما يؤكد ذلك. في الحقيقة الانجيلية ليس عندنا صوفية الارض لاننا قارون في الكلمة وهي خارجة عن كل محدود ولا نختلف في ذا عن المسلمين القائلين او مقرهم هو الكلام الالهي.

اجل ليس عندنا شرع يتحدث عن الطعام والشراب والمعاملات وفقه المعاملات وليس عندنا تفاصيل عن الحياة الزوجية ولا كلمة واحدة عن الحكم ولكن عندنا كلمة تنزل منها سلوكياتنا في الطعام والشراب والزواج والمعاملات. لنا من الكلمات ثمار وهي ليست في فاعلياتها اضعف ممن كان عندهم تفصيلات واضحة في هذه الامور. ولهذا ما كان صحيحا القول ان المسيحية روحانية بحتة كأننا غافلون عن دنيانا. ولكن عندنا اقبال على الدنيا بأسلوب يختلف عن اسلوب المسلمين ولكن لا يختلف عن عمق الالتقاء بين الدين والدنيا كما هي الحال في الاسلام.

نظهر للناس في الشرق على ان لنا وحيا ضبابيا في ما يتعلق بشأن الدنيا اذ ليس عندنا احكام شرعية. ولكن اذا كانت روحياتك عظيمة فلست في حاجة الى جزئيات تسوس دنياك او تقدر انت على ان تستنتج دنياك من روحيتك.

ترى في اوساط المتعاطين الشأن العام بين المسيحيين من كان عظيم التقوى ولكنه لا يأخذ شيئا من تقواه ليعالج امور الدنيا اذ قد يكون عسيرا ان تقبل قول المسيح: «انتم في هذا العالم ولكنكم لستم من هذا العالم» فيهرب ذوونا من معالجة العالم بنفحة روحية ويتخبطون في شؤون العالم كأنهم منه ومن منطقه وقواعد اللعبة فيه. اي ان المسيحيين جعلوا انفسهم جسما سوسيولوجيا وهم جسم روحي تتساقط تقواه على الكيان السوسيولوجي. هذه ثنائية لا تطاق.

ولعلها مشتقة من علمانية خفية عند المسيحيين بمعناها الضيق والتي تؤول الى فهم خاطئ لقول السيد: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وفي السياق الانجيلي هذا لا يفيد ثنائية بين ما هو للدين وما هو للآخرة لان «ملكوت الله في داخلكم» وهو ليس وجودا مرجأ الى ما بعد الموت او القيامة. الملكوتية سيادة الله على القلوب هنا واذا بدأت هنا تكتمل فوق. فاذا لم يسدك الرب هنا لن يسودك هناك. «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» تعني ان اعطوا لقيصر ما له بعد ان يكون قد خضع لله. العمل هنا ان تتقبل الله وتضعه في قلب قيصر.

واذا افترضنا – وبلا احصاء لا يجترئ احد عليه – اننا أقلية فماذا يعني هذا؟ لنحكم او لنسود الحكم؟ لماذا يجب ان نحكم بلا اله فينا؟ هذا يعني غلبة طائفتنا على طوائف اخرى. ماذا ينفع هذا ان كنا بلا اله؟

قد يكون بعض من هذا الموقف آتيا من شبلي الشميل وفرح انطون وامين الريحاني وامثالهم في ما سمي خطأ عصر النهضة ولكنه لم يكن عند جبران ولا عند نعيمة اللذين اوحيا الى العرب «انجيلية» ما واستنزلا الله على الارض. وبعض من الشعراء المسيحيين حملوا وثنية ظاهرة في شعرهم ولعل علمانية على الاسلوب الفرنسي كانت تختفي وراء ذلك او لعل بعضهم اغترب عن الكنيسة ولو لم يغترب كليا عن المسيح ولكنه كان مسيحا باهتا لا يجلجل صوته وسط دنيانا.

لم نفهم ان الاكثرية لا تخيف لأن لها تحركا آخر. نحن لسنا في مقابلة مع المسلمين لان لهم منظارهم ولنا منظارنا. نحن لسنا نقابل منطق الديانتين. نأتي من انفسنا او من ذلك الذي كوننا شهودا له في هذا العالم وكان هو فيه مواجها وموبخا للقلوب وما كان في المسيح ثنائية.

#  #

#

ليس هناك اصلا سياسة مسيحيين لهم مصالحهم وحساباتهم. هناك سياسة وطنية فقط يقوم بها الجميع من اجل الجميع. فان تمتع الكل بالحرية يكون وطننا لا وطأة فيه لأحد على احد.

واذا لم يكن ثمة سياسة مسيحيين الا انه لا بد من رعاية المسيحيين لبقائهم في البلد وسعي الكنيسة الى انمائهم الثقافي والاقتصادي وان كان هذا في اتساعه وجديته من عمل الدولة. ان القيادة الكنسية تضطر احيانا الى لعب دور الدولة اذا قصرت هذه بحق الوطن. الدور البديل الذي تقوم به الكنيسة هي مكرهة عليه وهو يأخذ من الطاقة التي تبذلها في المجال الروحي المحض. ليست الكنيسة حكومة ظل ولا ينبغي ان تكون وهي ليست مؤهلة لدراسة الملفات في كل وزارة ويكفيها الدفاع عن المظلومين الى اية جهة انتموا والى الدفاع عن الوطن اذا هُدد. الكنيسة تكون طائفية اذا حرصت فقط على حقوق ابنائها ولن تكون كذلك اذا حرصت فقط على الجميع.

وفي الزمان الذي نعيشه كلنا مقهور ومعظمنا فقير. والمسيح مسيح المقهورين والفقراء جميعا. ليس عندنا في الاصل اذا سياسة مسيحيين ولكن عندنا سياسة مسيحية لخير الناس جميعا. من هنا ان واجب المسيحيين ان يأتوا من الانجيل الى خدمة الناس في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتربية. وعلى قدر نمو البلد في كل اطيافه ينمو المسيحيون ايضا. والجميع مشمولون بمحبة المسيح الواحد وتاليا يستحقون العناية الواحدة من قبلنا. لذلك لا يكون اتباع يسوع على شيء اذا لم يجيئوا منه الى سياستهم البلد. فالسؤال الانجيلي ليس حول الشروط في السياسة الوضعية ليبقى المسيحيون على ازدهار وحرية ولكنه كيف تقاد السياسة ليبقوا هم والمسلمون معا على ازدهار واحد وحرية واحدة. نرجو ان يأتي يوم لا يطرح سؤال التوازن بين مجموعة دينية ومجموعة اخرى ولكن يطرح سؤال الحرية والعيش الكريم لنا جميعا.

عجبي بأولئك المسيحيين الذين يبحثون عن انفسهم فقط ويسعون الى وجود لهم خاص يقوم ازاء الوجودات الاخرى وكأنهم اسلموا الى منطق القائلين ان المسيحية دين ودنيا معا. ربما نشأت جماعة مسيحية تاريخيا على انها كنيسة وامة معا. واذا بقي لهذا اي اثر في النفوس فلا بد من سلخ الكنيسة عن رؤية نفسها امة. فبعدما قبلنا لبنان وطنا نهائيا لنا بتنا امة واحدة. والمسلمون لا يسعهم ان ينظروا الى انفسهم وحدهم امة بالمعنى المدني بعدما قبلوا دستور المدينة الذي وضعه الرسول العربي واعتبر فيه ان كل سكان يثرب امة واحدة. ودستور المدينة وثيقة لا شك في صحتها وتاليا لا شك في استمرارها في تعامل المسلمين واهل الكتاب. نحن على هذا الصعيد وتأسيسا على النصوص لا نرى خلافا بيننا. غير ان النفوس عندنا في حاجة الى تطهر دائم لنلازم روحية المسيحية من جهة وقبول دستور المدينة من جهة اخرى.

ومن الواضح اننا نجيء معا من التشريع الوضعي الذي تضعه الدولة ومندوبو الامة ونقرأه على خلفية الروحية التي تجمعنا على هذا الصعيد. ويرحب المسلمون ترحيبا كبيرا اذا باستمداد المسيحيين سياستهم من المسيحية ولا يرحبون بسياسة منفعية للمسيحيين تقوم على نوستالجيا الاستعادة لسيطرة كانت لهم في الماضي. المسيحي في جوهره وفهمه ليس على احد بمسيطر كما ان نبي الاسلام قال له كتابه انه ليس على احد بمسيطر.

نجيء من الله او نجيء من شهواتنا. وان لم نجعل الله سائسا لحياتنا الوطنية نقول كلمات لنا عابرة او فاسدة ونحكم بتشهينا للارض. نحن نريد -في حدود ضعفنا– ان نجعل الارض سماء. هذا نستطيع ان نقوم به معا.