العائلة ليست مؤسسة فقط، هي روح، واذا كنا نشاهد اليوم ضعفنا في التماسك العائلي يذهب في كثرة من البلدان الى حد انفراطها فهذا ناتج من ابتعاد الناس عن القيم التي كانت تجعل العائلة صامدة، ما يفسر لنا جزئيًا تلاشي العائلة هو ذلك التعظيم الرهيب لاستقلالية الحب عن تعبيره في الاسرة. ما يفسر ان عائلة من ثلاث عائلات في فرنسا تنتهي بالطلاق هو اعتقاد هؤلاء المطلقين ان ارتباطهم بعضهم ببعض مبني على الحب حصرًا. انهم معًا، يقولون، ما دام الحب قائمًا فاذا انتهى في احساسهم فإنهم ينهون ارتباطهم.
أنا لست عالم اجتماع لأحلل الاسباب الاخرى التي تضع حدًا للأسرة. اذا كان عندك تقديريًا عشرة بالمئة من المثليين في كثير من بلدان الغرب (لا اعرف النسبة عندنا) فمن الطبيعي ألا يقبل هؤلاء الزواج. لا أعرف اذا كان العامل الاقتصادي يساهم في انهاء الزوجية. سمعت في المحاكم الروحية عند المسيحيين ان البخل سبب من أسباب نفور المرأة من الزوج. ولكن ما من شك في ان ظاهرة المثلية من العناصر المؤثرة في تهديم العائلة وفي المثل العليا التي تقوم عليها.
غير أن الفلسفة السائدة في الغرب ان الحب مفهومًا هوى او غرامًا او هيامًا هو الذي تقوم عليه علاقة الجنس. فالجنس اذًا حر كالهوى فاذا بلغ المتزوجون مرحلة الفتور العاطفي او العلاقة الرتيبة فلماذا تبقى العلاقة؟ فتحويل الحب الى مؤسسة، يقول هؤلاء، يجعل المؤسسة بلا نفع.
في الواقع تبقى الألوف المؤلفة من الازواج مرتبطة بقانون لا تملأه عاطفة. وتتحول العلاقة الانسانية، الوجدانية، الشعورية التي بدأ بها الزواج الى علاقة شبق وتكرار فعل لا يتحرك فيه الشعور او قلما يتحرك وكأن الانسان مقهور بعلاقة كثيرًا ما ضعفت فيها اللذة نفسها اذ تكون قد فرغت من الفرح. والزوجية فرح او ليست بشيء. لذلك عند اخفاق هذه الوحدة الانسانية التي تقوم عليها الزوجية يرتفع السؤال من نفسه: لماذا كل هذا النظام؟ في الحقيقة ان الاحساس بالنظام يتكون من فقدان الحياة العاطفية أما اذا كنت لا تزال على علاقة حب فلا يخطر النظام على ذهنك.
مثل هذا التساؤل يخطر على عقل الانسان في اي وضع كان فيه. على سبيل المثال تشك احيانًا في الوطن اذا كانت دولته تقمعك أو لا تقدم لك شيئًا. من هنا انك تهاجر فإنك ما كنت قادرًا على ان تحب بلدك والقائمون عليه لا يحبونك. مثال آخر عشناه كثيرًا في هذه البلاد: اذا احسست ان الرئيس الروحي في كنيستك لا يسهر عليك ولا يرعاك تفتش عن كنيسة تظن انك تجد فيها انتعاشًا لنفسك او حرارة لقلبك. لا تفهم ان وجود الوطن حياة لك ولو أهمله أولو الأمر. لا تفهم ان كنيستك عظيمة في تعليمها وتغذيتها لك كائنًا ما كان سلوك الكاهن او الاسقف. في المثل الاول تكون حولت الاول الى وجود مشروط وفي المثل الثاني تكون حولت الكنيسة الى البشر القيمين عليها في حين ان الوطن روح والكنيسة روح وانت لا تعلم او لا تريد ان تعلم.
# # #
قلت: العائلة روح وانت تقتل الروح بالفتور او تحييه اذا ايقنت ان العائلة لا تلغى بخطايا الزوج او الزوجة واذا ادركت ان الحب يتجدد كلما ازددت اخلاصًا وقويت في العطاء، ولست في حاجة الى علم كبير لتعرف ان هذا الجسد يهدأ في آخر الكهولة وان المحبة لا تهدأ لأنها تأتي من الله. ولست في حاجة الى علم كبير لتعلم ان «المحبة اقوى من الموت» واثبت من الجنس. الزواج ليس كله مضجعًا ولكن كله اخلاص.
لماذا الاخلاص؟ لأنك عاهدت كائنًا آخر عليه، ان كنت لا تؤمن بالعهد الزوجي وتؤمن فقط بالعاطفة الجياشة وما يرافقها من شهوة كان الافضل ألا تتزوج. اذا كنت تحسب ان الزواج مؤسسة او قانون ومجرد مكان للحقوق والواجبات فكان الاحرى بك ألا ترتبط. مرة جاءني رجل وامرأته وقالا لي: «اننا اتفقنا على الطلاق». قلت لهما انتما تتكلمان وكأن الزواج عقد ثنائي قائم مقام التراضي وتجهلان انه ليس عقدًا ثنائيًا ولكنه عقد ثلاثي… قالا: من الثالث؟ قلت بل الاول هو الله. اذا كنت لا تؤمن بالله في الحقيقة اي في اعماق نفسك وكنت لا تؤمن ان الرب هو الجامع فما كان عليك ان تقترن بامرأة.
أنا أمضيت اثنتي عشرة سنة قاضيًا في الاستئناف في كنيستي في لبنان وجلست سنتين قاضي محكمة البداية في ابرشيتي وعرفت شقاء عائلات كثيرة جاءت الي للمحاكمة كما عرفت تعس عائلات اخرى جاءتني مسترشدة وفهمت صعوبة الاوضاع كما عرفت ان مواجهتها غير ممكنة ان لم يعد الله الى قلوب متنافرة وكثيرا ما تنافرت لاسباب غير جدية وادركت ان الناس لا يعرفون الصبر الذي لا يحل على انسان الا من ايمانه، والصبر ان تعيش مع الله ورفيقك في الصعوبة، الحياة العائلية فيها عسر كثير لاسباب عديدة اهمها في متابعتي لاحوال النفس ان الرجل لا يعرف امرأته في مرحلة الخطبة واذ به يفاجأ بعيوب تصدمه وتتكشف له عيوب الفترة بعد الفترة ولم يقرأ كلمة الكتاب: «احملوا بعضكم اثقال بعض وهكذا تمموا شريعة المسيح». ولم يعلم هذا الانسان ان التراحم والتواد بين اثنين أفي الزوجة عاشا أم في الحياة الاجتماعية انما لا يحصلان بلا تعب.
# # #
لماذا المعية؟ لانك لا تكتمل الا بالآخر الذي ارتبطت بخدمته والانتباه اليه ورعايته بالحب الالهي وليس فقط بعفوية القلب البشري الذي قد يقف او اقله يفتر. ليس من اخلاص فينا للوطن او الكنيسة يقوم فقط على ما نكسبه منهما، ليس من كتابة عظيمة تستقيم للأديب بلا دوام دراسة اذا ما زال الارتعاش، ما من مؤمن كبير لم يعرف انقطاع النعمة الالهية حينا بعد حين وما من قديس لم يخطئ، انت، مؤمنا، لا تنتقل من مجد الى مجد على الدوام. انت تنكسر وتجبر النعمة كسرك وتعيدك الى رؤية محبة الله اياك.
# # #
ثم هناك الاولاد الذين هم فرحة لا تفوقها الا فرحة الروحانيين بالصلاة الدائمة التي بها يحسون انهم ابناء الله المدللون، كلنا اختبر في العيلة او عند اصدقائه ان الولد يكلف سهرا طويلا وعناء كثيرا ووقتا غير محدود وقد يطول وقت العناية الى سن متقدمة.
هذا الولد لا يمكن ان تعنى به مربية غريبة تستحيل عندها عاطفة الاهل. اظن ان العائلة تثبت بالاولاد وهم يثبتون بالعناية التي يتلقون والكثيرون منهم يثبتون على الايمان والرجاء والمحبة لكونهم رأوا هذا في ذويهم، يقول معلمي كوستي بندلي في هذا المجال انك لن تعرف الله «أبًا لك الا اذا احسست بأبوة ابيك الجسدي، الانسانية هكذا قائمة على انك تلد ابنك وتربيه وكذلك هو يربيك، ولذلك قالت احدى العالمات الفرنسيات في دراستها حول الجنس ان العائلة على رغم السقوط الاخلاقي العميم – باقية الى الابد. ويقول كل العلماء الذين تتبعوا حالة اولاد المطلقين ان هؤلاء في حالات كثيرة تؤثر فيهم صدمات الانفصال. فالولد ليس فقط ابن ابيه وامه ولكنهما ابنهما مجتمعين فان كلا منا، نفسيا رجل وامراة معًا ولا تتكون شخصيتنا اذا امضينا اياما من الاسبوع مع الوالد واياما مع الوالدة ولكنها تتكون اذا انصبّ فينا الراقدان متعاملين، متلاقيين.
هنا استحضر الفيلسوف العظيم هنري برغسون القائل ان من قطف لذة الزرع يجب ان يحتمل عناء الحصاد، لا تقول كنيستي ان الزواج غايته الانجاب ولكن الانجاب ثمرته المباركة. «المرأة وهي تلد تحزن لان ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لانه قد ولد انسان في العالم» (يوحنا 21: 16).
الفرح لا يقتصر على ايلادك ولدك ولكن على ايلاد الرجل زوجته او المرأة زوجها. هو فرح العطاء المستمر المضني ولكنه الفرح، انا لا استطيع ان اعرف مقاصد الله في تكاثر الجنس البشري، ولكني احس بأن الله اله الفرح وان ما يهمه من كل قصتنا في الزواج ان نبدع ذاك الذي يرافقنا بدوام المحبة وهي غير مشروطة بما قدمه الرفيق او بما يعطينا الاولاد، انا اعلم ان الانسانية في الحياة العائلية عرفت جمالات روحية لا توصف وحققت قداسة مذهلة. وهذا لن يظهر في انسانية اليوم ما لم تعرف ربها من جديد.
