غدًا يعيّد الارثوذكسيون لحلول الروح القدس على الإنسانية. يقول صاحب «محيط المحيط» ان العنصرة التي هي العيد عبرانية معناها اجتماع أو محفل. وفي الأصل اليوناني هو عيد الخمسين لوقوعه خمسين يومًا بعد الفصح. وعبارة الروح القدس وردت دائما معرّفة ولو قال بعض أدباء المسيحية العرب في العصر العباسي روح القدس ليجعلوا كلامهم مفهومًا في المحيط الذي كانوا يخاطبونه. مدلول اللفظتين معًا انما يؤخذ من الكلام في الثالوث ويعني الأقنوم الثالث فيه. وهو بحسب دستور الإيمان منبثق من الآب وهو في الكتاب روح الابن أيضًا.
هذا على مستوى الأزل. وأما على مستوى الزمان فالروح يرسله الابن الممجد بالقيامة بعد صعوده الى السماء أي انه ينقل اليك فحوى المسيح وقوة فعله لمّا كان بيننا في البشرة كما يبث فيك حركة كلامه في الإنجيل فيحييك به. فالمسيح ولو تجلى في زمن مضى انما يأتيك بزمانك أنت. وهذا ما اصطلحنا على تسميته بالعربية تأوين الخلاص ونحتنا مفردة تأوين من آن ومعناها ان نلتمس من الله ان تصبح فاعلية الخلاص ساكنة في الوقت الذي نعيشه. فعندما نسرد كلام المسيح «اصنعوا هذا لذكري» اللاحقة لقوله: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» و«اشربوا منه كلكم هذا هو دمي» لا تعني الذكرى ان تنتقل بالخيال الى حدث مضى ولكن كما يوحي اللسان اليوناني ان حققوا اليوم والآن الحدث الذي انقضى من طريق التأوين بحيث نحيا الحدث كأنه واقع اليوم. لذلك تقول الكنيسة الارثوذكسية: «اليوم عُلّق على خشبة» أو تقول: «اليوم يوم القيامة» فتوحد الزمن الذي يعيشه المؤمن بالزمن الذي عاشه المسيح.
فاذا قال بولس اننا في المسيح أوقال ان المسيح فينا فهذا كلّه فعل الروح القدس. أي انه هو الذي ينقلنا اليه أو ينقله الينا فيجعلنا. من حيث نحن جماعة، جسد المسيح أي كيانه أو حضوره أو مداه. من هذا القبيل لما حل الروح على التلاميذ يوم الخمسين جعلهم كنيسة. طبعًا الكنيسة ولدت بحب المسيح لها على الصليب. تلقت هذا الحب وجعله الروح نارًا وبهذا المعنى تعمدت بالروح والنار.
ولما نزل الروح «ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار فاستقرّت على كل واحد منهم». الكنيسة صارت واحدة واقتبل كل واحد منهم معمودية النار ونشأت فيه موهبة روحية أو مواهب. هي وحدة في اختلاف أو في تعدد المواهب. فهذا يصلي بحرارة وذاك يفهم ويعلّم والآخر يرعى الرعية جيدًا أو يدير حسنًا أو يرفع شأن الفقراء. كل هذا من الروح على تنوع. فاذا تمسحنت لا تدخل في قالب. ولو كنت على الايمان الواحد فلك تعبيرك وللآخر تعبير.
هناك من فوض اليه الرب ان يجمع مواهب الناس ويجعلها تتفاعل وتتكامل وهو الأسقف. له موهبة الوحدة أو توحيد العطايا. يعظ ويهذب ويؤدب لتتكامل العطايا الالهية في الجماعة. هو ليس عنده كلمة من نفسه. هو مطيع للكلمة الالهية ويحييها الروح فيه لينقلها في زمان الناس الى رعية مصابة بالامراض الروحية فيعالجها لتصبح على صورة المسيح.
لذلك يقول الرسول: «لا تطفئوا الروح» فاذا اخضعتم الناس لقوالب وكررتم ما قاله الأسلاف تكرارًا تكونوا مخضعين الرعية لمزاجكم الخاص أو لكلمة رغباتكم وليس لكلمة المسيح. وتنشأ الانقسامات في الكنيسة لأن كل واحد يقول كلمته كما تنفثها فيه شهواته أو يتكلم عن حسد وغيرة وبغض وكبرياء فتظهر كلمات من بشرتنا وليست من الروح.
ازاء كل هذه الشرور تقول عباداتنا غدا: «ان الروح القدس نور وحياة وينبوع… مطهّر للهفوات. اله ومؤلّه. نار من نار بارزة». هو حياة بمعنى انه يفجّر فيك «أنهار ماء حي» فتمسي انت كالروح. ذلك ان المسألة التي تطرح نفسها هي ما علاقة الكلمة (المكتوبة) في الوحي الروح. عندك انجيل ثابت. هذا ليس حكرًا على العلماء. أجل هناك منهج علمي لدراسته قائم على معرفتك النص الأصلي وتحليله اللغوي واضاءته بمعطيات التاريخ وعلم الآثار وما الى ذلك. ولكن هناك أيضًا عبور الكلمة الى قلبك، الى كيانك، لتصير انت بدورك كلمة ليس بمجرد ترداد المعقول الأصلي ولكن بحيث تصبح كلمة حية ومحيية. هذا ممكن فقط اذا ألهمك الروح الالهي المعنى الذي تحتاج اليه نفسك لتنتعش فيلهمك الروح معنى من الجملة الواحدة ويلهم سواك معنى آخر ويأخذ بيدك ليقودك الى القداسة.
أجل الروح مفسر الكلمة بمعنى انه يكشف غناها لك قارئا. ولذلك قال بولس: «لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى». ومع ان الروح أمين للمسيح الاانه يعطيك اليوم غنى بالقولة الواحدة وغدًا غنى آخر. هناك شيء مستند الى تفسير آبائنا وبحث العلماء ولكن هناك شيء غير التفسير وهو الإحياء.
وهكذا لا يردد المؤمنون بيسوع الانجيل اسطوانة ولكن ينقلونه رسالة شخصية قد لا تحيي ناقلها بالقوة التي يحيا بها سامعها.
هذا ليس ضد تعليمنا ان الكنيسة خزانة المعرفة. ولكن يخطىء من قال إن كل آية لها تفسير واحد. علميًا وفي السياق التاريخي يصح هذا لكن الإثراء ليس واحدًا لي ولك. من هنا ان الكنيسة ليست هي خزانة معرفة بمقدار ما هي ينبوع روح يتدفق كل يوم من فوق علينا نحن الارضيين ليجعلنا آنية للروح القدس ولو كنا آنية من خزف.
أجل كنا نعرف ان أسرار الكنيسة كالمعمودية والقرابين والتوبة والزواج وما اليها كلها من عمل الروح لأنها كلها محتواة في شخص المخلص ولكل – على طريقته – اتحاد بالمخلص. هذه تجليات يمكن ان نعيشها في عمق كبير اذ تاثير السر الكنسي يختلف بين مؤمن ومؤمن. غير ان غاية الاسرار على تنوعها ان تنشىء فيه القداسة. والروح هو الذي يحدثها ويغذّيها فيك.
أجل، في كل سر إلهي كنسي ينزل عليك الروح. والكنيسة هي في تحققها كنيسة الروح. المهم ان تفتح نفسك للعطاء الالهي حتى تصير حاملاً للروح. هناك من كان الله لباسهم، من كان نور وجهه مرتسمًا على وجوههم.
هذا يضطرنا الى جهد عظيم، الى بذل للنفس لا يحد ولا يتوقف. وهذا الجهد نفسه يأتي اليك بالروح. انت بالقداسة تبلغ القداسة. انت منحوت الروح يوما فيوما حتى تحل عليك وعلى البشرية جمعاء العنصرة الأخيرة في القيامة.
