لبنان بلد المجد الباطل. ولست أتكلم بالضرورة على كبار القوم الجالسين على الآرائك. فمن عظماء الدنيا مَن تواضع امام الله والإخوة ومن أدنياء القوم مَن استكبر. وقد تكون شهوة السلطة – اي سلطة- في البيت، في الدكان والمكتب والعمل ذروة ما يشتهي امرؤ يوهم نفسه انه هام، ذلك انه يؤمن بـأهميّته اذا اعترف الناس به على ما يرى في نفسه من قيمة. فاذا لم تقرأه كما يقرأ نفسه تكون عاقا او خائنا او عدوا. وينتفخ بك ولو كنت من أتفه الناس اذٍ. يجب الا ينقص مادحوه. والناس  ناسان. ناس يؤمنون ان الله ناظرهم وناس يهمهم رأي الآخرين فيهم. والمعنى انك اذا كنت سائرا في المجد الباطل اي ذاك الذي ينبغي ان يكون مركز انتباه للآخرين يتضمّن هذا اعتقادك ان الله ليس مركز الحياة وان وجودك انت هو الوجود. وفي مسيرة إلغائك الله من المحبوبية تكون قد أقمت مقامك وتصبح مثل آدم لما أغرته الحية ليكون مثيل الله.

                      في إمارة مولدافيا في القرن الرابع عشر اي قبل ان تتوحد رومانيا كتب أمير إلى ولي عهده (المزمع ان يصير أميرا): « يا بني لا تشتهِ ان تصبح أميرا ولا أسقفًا ولا رئيس دير لأن هذا كله من مجد العالم».

                      لا تطمح بأن تكون مرئيا ولا ان تغدو مائدتك أسخى مائدة في البلد ولا ان تبني اجمل بيت في بلدك. وفي السياق نفسه لا تشتهِ ان تطمع بالمال واشتهه كثيرًا اذا كنت مزمعا ان توزعه على المساكين. في بلد كهذا قائم حتى الآن على قانون انتخابي سيء اذا طمعت بالنيابة لأنها تنمي قدرتك على الخدمة فهذا ممدوح ولكن ان طمعت بتعظيم نفسك فأنت مقيم في دنيا التفاهة.

                      ويتغذّى المجد الباطل بمديح الناس إياك، وهنا يوصينا باسيليوس الكبير ان نسكت فورا ما دحينا اذ قد نعجب بأنفسنا ويقودنا، اذ ذاك، المجد الفارغ الى الكبرياء. لذلك يقول النبي: «ادخل في الصخر وتوارَ في التراب … عيون البشر المتشامخة تُخفض وترفع الإنسان يوضع ويتعالى الرب وحده» (اشعياء 2: 10و11) فمنعًا للتشامخ يقول القديس يوحنا كاتب سلم الفضائل: «ان ذوي الأخلاق السامية يتحمّلون الشتائم بنبل وفرح» ولهذا الراهب العظيم نعيد غدا في كنيستنا.

                      إن الخفاء افضل من الظهور ما لم يفرض عليك واجب الهداية ان يعرفك الناس. وان لم يكن عندك ما تقوله اصمت لأن الصمت اقل أذى من الثرثرة وهي دائما لا مضمون لها. فإن عرفت نعمة الخفاء تدرك ان الله يراك وحسبك هذا عزاء. واذا اضطررت الى الاختلاط فلا تتوخَ ان تبدي ذكاءك او معرفتك للغات او انجازاتك الدنيوية والروحية. لأن ما كسبته في هذه الدنيا من مال ونفوذ وقوة فهو من الدنيا. اما المواهب الروحية فليست ملكا لك. انها ودائع الله فيك لتقول كلمته وتشهد له.

#             #

#

                      فليأتِ كل ما تقوله او تفعله من التواضع الذي هو معرفتك انك لا شيء فلا تجعل نفسك شيئا لأن هذا روح شر ويهدم الآخرين. لا تعمل شيئا حسنا ليكافئك الرب فالمكافأة في السماء ولا تطمع بها بل اطمع بالرضاء الإلهي وغفران خطاياك ومعنى ذلك الا تشهر فضائلك لينمو بها الآخرون. هم يلمسونها ان كانت حقا فيك. وان كنت من المثقفين وكتبت مقالا او كتابا فلا تسل أحدا اذا قرأك اذ تكون آنذاك، في كثرة أحيان، ساعيا الى المديح وهذا قد يدمّرك. واذكر قول الكتاب: «الويل لكم ان قال فيكم جميع الناس حسنا» (لوقا 6: 24).

                      ان تطرب بهذا الإطراء يعني انك لا تزال من اهل الأرض. ابتغِ بالحري بساطة القول وبساطة السيرة وفتش عن اقتباس الفضائل عند الآخرين لتتشبّه بهم. وعند ذاك تعرف انك تجيء من الأبرار وانك لست آتيا من جهودك اذ يقول القديسون عندنا: لا تدخلك جهودك الروحية العظيمة الى السماء بل رحمة الذي يرحم من يرحم ويرأف بمن يرأف. انت لست ثمرة اعمالك مهما عظمت. انك زرع القديسين فقط فاذا عاشروك لا تفخر بما استمددت منهم بل افخر بأن المخلص تنازل اليك ليهبك شيئا من التواضع.

                      واذا تعلّمت ذلك فلا تأخذ زائرك الى قصرك ان كنت ذا قصر لتتباهى امامه بما بنيته لأن المال الذي بين يديك وديعة من اجل الفقراء وان عشت في الترف فمن المؤكد انك تصاب بالعُجب (مع ضم العين) فالثري الكبير مهدد به والقلة لا تقع.

                      لا تتبختر بالسيارات التي عندك ولا تدع زوجتك تقتني الأثواب الفخمة الكثيرة محتشمة كانت ام غير محتشمة فلا شيء يقنعني ان خزانة المرأة بالثياب الكثيرة الفاخرة لا تعرضها الى التباهي. فلتتعلم المرأة أيا كان بهاؤها وأية كانت مقتنياتها الخاصة انها من تراب والى التراب عائدة. هذا لا يعني ان النساء معرضات الى الزخرف اكثر من الرجال. وعلى كل منكم ان يراقب شريك حياته بتواضع ولكن بالحزم الذي توحي به التقوى لأن الأناقة المغالية والاقتناء المفرط يعرضان الى التنافس والآخرين والى تفاهة الكلام والسلوك واذكر كلام بولس: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم» (غلاطية ٢٧:٣). فاذا لبست المسيح لا تستطيع ان تزيد عليه فخرا. هذا يملي عليك البساطة في كل شيء.

                      انا لست بقائل: لا تحب جمال الفن في منزلك والكثير من الاشياء الضرورية في عالم اليوم ولست موحيا ان ترتدي الرث من الثياب او المتصدع من الأثاث ولكني قائل لك فقط «ان مَن افتخر فليفتخر في الرب» (1كورنثوس 1: 31).

                      هذا ما قاله بولس بعد ان قال: «من كان في العالم من غير حسب ونسب وكان محتقَرًا فذاك ما اختاره الله؛ اختار غير الموجود ليزيل الموجود، حتى لا يفتخر بشر أمامه».

                      هذا يقودنا الى انتفاخ بعض بعائلاتهم وما يغذي عصبياتهم الأسرية كأنك تستمد من ذويك مجدًا وليس عند انسان مجد. فلا تحتقر ان كان اسم عائلتك مشهورا عند الناس الذين لا شهرة لهم لأنك لست بالضرورة مثل اسلافك الصالحين فالفضيلة لا تورث واسم البشر زائل بزوال هذه الأرض وتبدل الأزمنة. واعلم ان عائلتك ان خسرت اموالها فغالبا ما يتعرض مجدها الى الزوال. لذلك من جعله الرب كاهنا في كنيستنا اذا خاطبناه لا نذكر اسم  عائلته بل نقول ان فلانا خادم للرعية الفلانية. وعلى غرار هذا كلما تقدست تزول ذاكرة عائلتك من ذهنك ويبقى ذكر القديسين الذين بفضلهم نلبس المجد.

                      اجل هناك زهد بكل ما تقتنيه ومن هذا زهد بجمالك و بثقافتك. فهذه كلها ملك للرب ونحن ليس عندنا ملك ولكوننا مؤتمنين على ملك الله ونديره لمجده وعزة الفقراء. وملكاتنا العقلية ليست لنا وهي فينا للخدمة فقط وهذا كله إذكاء للبهاء الإلهي في الناس.

                      كل ما قلته في هذه الأسطر هو لتحفظ الله في قلبك واذكر قول يسوع: «مجدًا من الناس لست أقبل» (يوحنا 5: 41) وفي هذا الإنجيل نفسه قال السيد ايضا لليهود: «كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبون» (يوحنا 5: 44).

                      ان ترفض المجد الذي ظننت انك ورثته او ذاك الذي يأتيك مما تملك او مما تقول وذاك الذي انت عليه جسديا كذلك الذي تؤتاه من حسناتك هذا شرط لتتقبل المجد الذي يكللك به الرب. فعند ذاك يضيء الله عليك بنوره وتمشي امامه لكون الدنيا غير قادرة ان تزينك. فإن اخليت نفسك من كل عجرفة وادعاء ووعيت انك فراغ يغدق الله عليك غناه ويجعلك من المقربين ويرى نفسه فيك وانت تعي نعمته فقط ويحل الملكوت فيك في أزمنة الدنيا حتى تنتقل الى الملكوت ههنا ينزل عليك فاذا اختطفك تسير في الله وتكتمل فيك صبغة الروح ويقول الله فيك منذ الآن كل شيء ويرى هو انك اصبحت كلمة من عنده.