الروحانيون يقيمون تضادا كاملا بين كيان الإنسان وما يقتنيه، تضادا يصل الى حدّ التناقض والتصادم الفعلي. انت لست ما تملك. ما تملك مقتناك اي خارج عن شخصيّتك ولا يزيد شيئا على وجودها ولا على فعلها. في طفولتي في الأوساط المتأثّرة بالتجارة كان يُقال: «شو بيسْوَ هذا الرجل» والجواب ألف ليرة عثمانية ذهب او مئة او عشرة آلاف. اي انهم كانوا يرون قيمته بما في حيازته. ولست أظن ان السؤال كان مجرّد اصطلاح. كانوا يعتقدون بأن المال وجود يزيد على الوجود. وكان من المألوف ان المالك يصبح من الذوات. لم يكن الفقير ذاتا. وكانوا يقولون ان لهم وجاهة اي ان لهم وجوها اذ الفقير محجوب الوجه لا يظهر الانسان الا بما بين يديه. اجل، المال مصدر طمأنينة. خسارة المال اذًا خسارةُ للطمأنينة عند من قال هذا القول. والواضح ان ثمّة من يطمئن الى كونه محبا واو محبوبا ومن الكبار في الجهاد الروحي من اطمأنّ الى فقره او اذا ربح يفرح لعطاء قرره. هذا لا يفرح اذًا بما جنى ولكن بما ينفق.
الوجيه الفطن، المراقب تبدل سلوك الناس يعرف ان من يتملّقه قد يكون كاذبا ويعرف ان من قال عنه وجيها انما يبتغي المنفعة ومن قال هذا القول يريد نفسه منعما عليها وكثيرا ما لاحظ الوجهاء نفاق من يدور حولهم. كبار القوم كثيرا ما لم يكونوا كذلك حقا. انما جُعلوا كذلك بشبكة من الأكاذيب. انهم يصدقون الأكاذيب. ليستعلوا على المحتاجين والسذج.
المال لا تتقي به شرّ المرض او شرّ النميمة والعداء والموت. وبمالك يكثر حاسدوك ولا تستطيع ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة على قول الناصري واقتناؤه لا يحثّك على الكرم فاذا حزته وكنت كريم النفس فنفسك تمارس الكرم وتدنو من الله وحده ولا يدنو اليك من أحسنت اليهم لأن فقرهم يبقى قامعهم فلا يعودون لشكرك. انت اذًا لا تنمو بهم ولكن عطاءك أنماك.
# #
#
الى المال الجمال حيازة وقيمتك عظيمة بما انت عليه من فضائل جميلا كنت ام قبيحا. والقبيح اذا سمت أخلاقه حتى حدّ الانبهار يعتبره الناس أجمل من الجميل الفارغ. الموضوع مثار عند النساء بخاصة لأنهن العنصر الأخّاذ في الجنس البشري. ليست هذه هي الحال في مملكة الطير. كثيرا ما تباهت المرأة بحسنها كأنها هي أتت به ومن أتى به حصرا الوراثة على تعقيداتها.
# #
#
والموروث يزداد بهاء بالطعام والتروّض على الكياسة والأناقة. الحسن اذا تستمده الحسناء والقليل فيه من تحسينها. اذًا هو ليس منها. تقتنيه وتاليا هو مجرّد صورة لا وجود. الاعتداد اذًا سخافة. وتتعالى الجميلة اذا فرقت بينها وبين وجهها واذا تساوت فيها وقفتها امام المرآة او انحجابها دون المرايا. وتتعالى الى ذروة الفهم اذا اقتنعت بأن كل هذا ذاهب الى التراب. ولعلّ شيخوخة الحسناء هبة من السماء لأن تكاثر الغضن على محياها يوحي لها انها في صباها كانت على ضلال وهنا يصعقنا بولس اذا قال: «من افتخر فليفتخر بالربّ».
في هذا السياق اللباس عند الرجال والنساء اذا أحسوا بأنهم بهذا يعظمون. واللباس قنية وهو يطغى عليك. كذلك التعري او شبهه طاغ لأن الكسوة خارجيّة وغيابها خارجي. انا لست أجهل ان «المجتمع الراقي» يجمع بين اللباس والمهن والوظائف. فللمحامي والقاضي ما يرتديانه والجندي واستاذ الجامعة في بعض الحفلات. ويبدو ان شيئا من التأثير على الخيال فاعل. غير ان الفرنسيين يقولون ان الراهب لا يكونه ثوبه. اجل هناك طقوسيات متعلّقة بهذا الترتيب تربّى عليه الناس. ولكن علم القاضي بذاته والأقمشة التي يلقيها على جسده لا تكسو فكره ومن المؤكّد ان الراهب من تبتّلت نفسه لله وخرقته لا تجعله متصوّفا. وانت تظهر امام ربّك في اليوم الأخير حافيا عاريا صامتا حتى الخجل ويقرأك ربّك بمحاسنه هو التي هي الحلّة الذهبيّة التي تدخلك الى الملكوت.
# #
#
وعندي ان الثافة نفسها حيازة لأن الأمي والمتأدّب عند الله واحد والميزة الوحيدة فقط للطاهرين والطهرلا علاقة لها بالعلم ويتنزل الطهر من عند ربّك على الجاهل والعالم. في هذه الدنيا وفي مسيرتها أعرف أن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ولكن ليس في العلوم ولا الفلسفة ولا الشعر ولا اي فنّ من الفنون ما يوصلك الى الملكوت.
انا ما قلت سيّان أن تتثقّف والا تتثقّف لأن العقل أمر فخم وجاذبيّة كبرى ولأنك قادر أن تسخّره لخدمة الكلمة الإلهيّة ولأنه بهجة من مباهج النفس وارتياح وجود ولأن الذين قضوا حياتهم يتعلّمون نعمة قائمة بيننا فقد ترهّبوا ترهبا ساطعا. مع ذلك أصرّ على أنّ الذكاء زينة ولو أسكرتك. فكما أن الجمال موروث الذكاء موروث بمعنى ان شيئا حصل في أحشاء أمك فأتت تعاريج دماغك دقيقة وأتت عند سواك غليظة. هناك ركيزة عضويّة ينتصب عليها الذكاء. اجل تروضه بالدراسة والجهد الطويل ولكنك في المنطلق وارثه ويختفي احيانا في الشيخوخة حتى لا تتباهى بما لست انت صانعه.
قالت لي حفيدة أخي منذ أيام ولها من العمر خمس سنوات بعد أن رأتني ماسكا بكتاب: أنت تدرس حتى الآن؟ ندرس، هذا كل ما نستطيع عمله ولكن بدءًآ من إرث اي من قوّة خارجة عن إنسانيّتنا في أبعادها الروحية والخلقيّة. هنا يسعفني ايضا بولس بقوله: «انا ما أنا بنعمة الله». هذا كيانك الحقيقي.
لست أساوي بين المال والجمال. فالأول أكثر خارجية من الثاني ولا أساوي بين الجمال والذكاء فالاول أكثر خارجية من الثاني. والذكاء تستدخله بمقدار كبير. ولكن واحدًا من هذه الثلاثة لا يجلب الحق اليك. هذا ليس من الحيازة. هذا من الكيان حتى يعرّيك الله من كل ما اقتنيت فيراك نورًا ويسر هو وملائكته بك وتعرف في القيامة انك عطاء النعمة.
