هذا هو أحد مرفع اللحم أي الذي نرفع بعده (يوم الإثنين) اللحم عن الموائد، وأُسّس هذا الأسبوع تمهيدا لدخول الصيام الكامل بعد أسبوع. ويُسمّى «أحد الدينونة» اذ نقرأ فيه إنجيل الدينونة كما ورد في متى. الحديث عن الدينونة يصوّر المسيح جالسًا على عرش مجده وحوله الملائكة القديسون ليقوم دائنا للجنس البشريّ، ويميّز، عند ذاك، الأبرار والأشرار، ويسمّى الأبرار خرافًا والأشرار جداء، بالنظر الى لونَي هذه الحيوانات. «ويُقيم الخرافَ عن يمينه». واليمين عند الشعوب الشرقية صورة عن التكريم، واليسار صورة عن الغضب.

بعد هذا يصوّر الإنجيلي حديثا بين يسوع والصالحين، وحديثا آخر بينه وبين الخطأة. للأولين يقول: «تعالوا يا مباركي أبي، رثوا المُلك المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم». أعدّ الله المُلك للذين يعرف مسبقا أنهم يستحقّونه بسبب أعمالهم الصالحة وليس لأنه شاء اعتباطا منه وتعسفا او بصورة كيفية أن يجعل ناسا في الملكوت وناسا في جهنّم. هذه الفكرة كانت منتشرة عند بعض المسيحيين اللاتين وكثيرا عند البروتستنتيين التابعين لمذهب كالفين Calvin الى أن تخلّى هؤلاء عنها في القرن التاسع عشر. نحن موقفنا أن الله ينظر مسبقا الى عمل الإنسان الذي يقوم به بحريته.

الى الصالحين يقول: «كنتُ جائعا فأطعمتموني… وبقية الأعمال الصالحة (عطشتُ فسقيتموني)». هنا يوحّد المسيحُ نفسه مع الجائع والعطشان والعريان والمريض والسجين، فكأنه كان هو جائعا في الجائع ومريضا في المريض وسجينا في السجين. يدمج السيد نفسه بالمحتاج الى خبز او كساء او تعزية. أنت إذا أردت أن تُقدّم شيئا للسيد قدّمْه للناس لأن يسوع جعل نفسه واحدا مع الناس. هو فيهم، وخِدمتك لهم خدمة له.

للخطأة يقول: «اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الأبدية». هنا تأكيد ليس على وجود نار حسيّة. هذه صورة. ولكنه تأكيد على أن عذاب الأشرار في اليوم الأخير انصراف عن وجه الله. الله موجود امام الأشرار، وهم في حضرته، ولكنهم أعداء له. وجودهم في حضرته يكون عذابا لهم.

عمّا يؤاخذهم؟ «كنتُ جائعا فلم تُطعموني». انكم أهملتم الجائع والعطشان والعريان والسجين والمريض. انكم في الحقيقة أهملتموني انا. لم تشاهدوني في المساكين. انا في السماء، كيف تشاهدوني؟ ما من سبيل الى لقائي ما لم تُلاقوا المعوزين بمحبتكم. فإن لم تحبّوهم لا تكونون قد أحببتموني. الإنسان هو مكان لقائك بالله إنْ كنت حسنا، ومكان إهمالك لله إنْ كنت سيئا.

ينتج عن تصرّف الصالحين حياة أبدية، وعن تصرّف الأشرار عذاب أبدي لأن أعمال الإنسان تلحقه.

أرادت الكنيسة قبل أن تدخل الصيام أن نفهم أنه فرصة للقاء البشر بالمحبة. الله لا يهمّه إمساكك عن الطعام إلا لتُعطي ما لم تأكله الى الذي ليس عنده ما يأكل. فاذا حاكمت نفسك وسلكت صالحا لا يُحاكمك الله.