مَثله، سردًا طويلاً، قد يكون من أبلغ ما تفوّه به السيد عن التوبة. فتى يحب العيش الرغد، الواسع بما يتضمّن ذلك من تحرر، يطلب نصيبه في الإرث من أبيه. ليس لأنّه عزم على أن يضل وحسب، ولكن لأنّ الذهاب عن البيت رمز عنده لتفلّته من سلطة أبيه التي تبدو للكثيرين منا سلطة مستبدة، متعسفة.
“سافر إلى بلد بعيد” ليدل على أنه لا يطيق القربى من أبيه أو لا يحتمل أن يدفعه الشوق إلى الرجوع. ترجمتنا تقول إنّه عاش في الخلاعة. ترجمة آخرين تقول إنّه عاش في الإسراف. الخلاعة تتطلّب الإسراف. أخوه الأكبر يتّهمه أنه عاش مع الزواني. ما أراد الإنجيل أن يبيّنه أنه بدّد كل نصيبه من الثروة وانه لم يبقَ عنده ما يقدر به على أن يعيش. جاع الفتى. طلب عملا عند واحد فاستخدمه راعيا للخنازير. والخنزير حيوان نجس عند اليهود ولعل في ذكره إشارة إلى أن هذا الشاب كان يلامس الخطيئة أو يحيا فيها.
“رجع إلى نفسه”. هذا ما يسميه آباؤنا امتحان القلب وما يسميه بعضٌ فحصَ الضمير. إنه ساعة وعي، وعي الشاب إلى أن أباه عنده ما يكفي لإعاشة كل أهل بيته. وتصور أن أباه سيقبله. ولكنه أدرك قبل ذلك أنه أخطأ إلى السماء. الخطيئة هي جرحنا لله قبل أن تكون جرحًا للناس. ولكن الوعي مع الندم لا يكفي فقال هذا ما مفاده أني اذا عدتُ إلى البيت الأبوي سأقول صراحة لأبي: “لست مستحقًا أن أُدعى لك ابنًا، فاجعلني كأحد أجرائك”. الندم لا يكفي أن تعترف أمام الكاهن. مطلوب منك أن تعتذر من الذي أخطأتَ إليه وذلك بوضوح.
“فقام ورجع إلى أبيه”! لم يقل لوقا فقط الى أبيه ولكنّه قال قبل ذلك قام. قام من أعماله القذرة. تخلص منها بالتوبة أي بنكران هذه الأعمال أوّلا، ثم تحرك نحو والده. إذن، التوبة أولا ثم ما تُلزمنا به من أعمال.
“وفيما هو غير بعيد رآه أبوه”. كيف رآه إن لم لم يقف على مطل من البيت، على شرفة أو وراء نافذة. أي أنّه سمّر نفسه في مكان لأمله بأن ابنه عائد لا محال. بعد ذلك يقول: “فتحنّنن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله”. ما قال لوقا: انتظره لكي يدخل. الشوق دفعه، وربما كان شيخًا، الى أن يخرج هو لأنه لم يحتمل أن يؤخّر وقت القبلة. وقبل ذلك قال: “ألقى بنفسه على عنقه”.
كان ينتظر هذا الضم. كان يعيش بأمل هذا الالتصاق. وأخذ الوالد مع الخدم يفرح برجوع الخاطئ. لم يعاتبه. لم يوبّخه على أنّه أنفق المال. لم يذكر له أنه عاش مع الزواني. الولد هنا. يكفي أنّه حيّ يرزق وأنّه سيتمتّع بكل غنى الوالد وبحنانه. وهذا الحنان هو الذي سيحس به الفتى ويحس أنّه دواء لقلبه المجروح ولم تكن الملذّات دواء.
“لأنّ ابني كان ميتا فعاش وضالا فوُجد”. هذا القارئ لكلمة الله كان قد تعلّم منها أن الخطيئة موت وأنّ الوجود عودة عن الضلال.
ثم كانت الفرحة مع الغناء والرقص وذبح العجل المسمّن. وهذا فرح في السماء وعند الملائكة.
لن أتكلّم عن الابن البار الذي حسد أخاه. هذا تذكير من السيد أننا مدعوون الى محبّة الخطأة وأن يعودوا وقد يصيرون أفضل من الأبرار.
هذا المثل الذي سُمّي مثل الابن الشاطر عند شارحيه مع أن هناك ابنين هو في الحقيقة مثل الأب الشفوق الذي يغفر دائما للعائدين اليه لأنّه يحبّهم مجانا.
هذه القراءة وهي الثانية من موسم التريودي الذي يهيئنا للصيام المبارك تدفعنا الى أن نعي حسنات الصيام وجمال التوبة فيه.
