مثل إنجيل اليوم رهيف لكونه يضع كل إنسان تحت مسؤولية كبيرة وهي ان يستثمر كل مواهبه فلا يدع قوة من قواه مهمَلة ولكن يغذيها وينميها لأن الله سيطلب منه ليس فقط نفسه ولكن سيسأله عما فعل بكل قدرة كانت فيه وعما اذا سعى ان يرتقي درجات الوجود الذي هو عليه.
كلمة وزنة كانت تدل على مقياس للوزن، ثم صارت تعني عملة ثمينة توازي الف دولار. في تلك الأيام الفقيرة يكون العبد الذي استلم خمس وزنات قبض على مبلغ له قوة شرائية كبيرة. اي ان المثل الإنجيلي بقوله ان واحدا استلم خمس وزنات والآخر وزنتين والثالث وزنة يكون قد صور الوضع البشري الذي نحن عليه. نحن متفاوتو المواهب ولا يطلب الرب من النفس اكثر مما تستطيع.
عندما افكر بهذا المثل يبدو لي انه هو ايضا إنجيل الدينونة كذاك الذي نعتبره إنجيل الدينونة: كنتُ جائعا فأطعمتموني او لم تطعموني . لا يمكن فصل هذين الفصلين، وكأن الإنجيل يقول: لا يكفي أن تطعم الجياع وإلى ما ذلك من أعمال عدّدها السيد، ولكن عليك ان تفعّل كل طاقاتك لأنك حامل طاقات من الله يجب ان تثمر ليستفيد منها سائر الناس. ما فيك من قوى ومواهب لم يوضع فيك من اجل متعتك الخاصة ولكن وضعت في خدمة البشر لأنكم عائلة الآب الواحدة التي لا يملك فيها احد شيئا لنفسه.
عن اية وزنات يتكلم الكتاب؟ هل يجب مثلا انماء الطاقة البدنية؟ ليس لها طبعا قيمة الطاقة العقلية او الطاقة الروحية. مع ذلك عندما نراقب إنسانا مريضا نرى في بعض الأحيان انه لم يقم برياضة بدنية كافية. لا يُزج الإنسان في الجحيم اذا أهمل الرياضة ولكن المحافظة على الصحة واجب اخلاقي ذو اهمية ولو محدودة.
الملكات العقلية أهم. وهنا يأتي الكسل آفة كبرى. فاذا قدر ذووك ان يرسلوك إلى مدرسة جيدة ثم إلى جامعة وكنت ذكيا، هذا فيه خدمة افضل لك وللبلد. اجل انت مسؤول ان اهملت قراءة الكتب وربما الجريدة اليومية لأن إنماء ثقافتك فيه خدمة للمجتمع، ولكنك لن تُزج في الجحيم بسبب من إهمال الدراسة وتعاطيك مهنة يدوية.
المراد الأساسي في هذا المثل المواهب الروحية. وهذا ما سماه آباؤنا الحرب الروحية ومكافحة الشهوات. فأنت تنظر إلى القدرة الروحية التي فيك وتزيدها بالجهد الذي تبذله مع استمداد النعمة الإلهية. فإذا اهملت صلاتك لا تنزل عليك النعمة وتصير كأرض قاحلة. واذا لم تشترك في الطقوس الارثوذكسية تكون قد استغنيت عن كنوز عظيمة قادرة ان تؤهلك لفهم كبير وفرح كبير. هذه ثروة بين يديك وليست صعبة المنال. وعند موتك ان كنت لا تعرف هذه الأشياء تذهب إلى السماء فقيرا.
واذا لم تستثمر المواهب فيدل هذا على انك لا تحب الرب كما يطلب ان تحبه. تكون كالاجير لا كالابن، في حين انه يريد ان تدخل الملكوت جميلا، بهيا، مزينا بثوب مذهب. واذا نظرت إلى الناس حولك ورأيتهم جائعين إلى عطف فأَنْمِ قدرتك على العطف. واذا رأيتهم خائفين من غضب عندك او من قسوة وكنت في اعماقك رقيقا فاجعل رقتك أكثر رهافة وأشمل عملا.
راقب دائما ذاتك وحاول ان تضرب الشهوة المسيطرة، وان تكتسب الفضيلة المعاكسة، لانك اذا كبرت روحيا يكبر الناس بك. مكافأتك تأتي من قول السيد: من له يعطى ويزاد . والمعنى ان الرب اذا رأى استعدادك للنمو يعطيك نموا. خف من الله: العبد البطال ألقوه في الظلمة البرانية . ليس في الحقيقة من ظلمة الا ان الإنسان في الخطيئة يجعل الظلام في نفسه. فاذا شئت ان يأتيك نور فاسعَ إلى النور. يكون الملكوت قد دخل اليك وصار هو فيك ضياء.
