لا نزال نحيا في بركات عيد الظهور (الغطاس). ومتى الإنجيلي يقتبس قولة من اشعياء النبي: “ارض زبولون وارض نفتاليم” (وهما مقاطعتان) سميتا على اسمين اسماء الأسباط الاثني عشر الذين تقاسموا ارض فلسطين عندما دخلها بنو اسرائيل. وقال اشعياء ان اهلها “أبصر نورا عظيما”. متى كان ذلك؟ متى يقول ان هذا حصل لما أنارها يسوع بمعموديته وليس في ايام اشعياء. بعد هذا الكشف اخذ الإنجيلي يقول ان هناك “ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السموات”. والمعنى الواضح ان الملكوت صار بينكم لأن الملك معكم وسيعلن ملكه صراحة على الصليب.
والمعمودية نفسها ما كانت الا صورة عن موت المسيح وقيامته اذ رسم موته بصورة دخوله في الماء كما رسم بخروجه من الماء قيامته. وان تتوبوا يعني ان تُغرقوا شهواتكم كأنها في ماء وتستيقظوا للبر. ان معمودية السيد تنعكس فينا توبة. اجل نعتمد اذا كنا صغارا ولكن هذه العملية دعوة الى ان نكون معمَّدين باستمرار، وهذا لا يتم الا بالتوبة وهي تعني باللغة الرجوع، الرجوع من خطايانا الى وجه المسيح حتى يأخذنا بالرؤية ونعيش بها. فاذا عرفنا اننا مرئيون من المسيح نراه نحن، ولا رؤية لنا اذا كانت الخطيئة تعمي بصائرنا فالمسيح نراه ببصيرة القلب. وكل منا عند ذاك يسمع ما سمعه السيد: “انت ابني الحبيب”. فنحن نصير محبوبين بالحبيب الوحيد يسوع. وندرك، عند ذاك، ان لنا أبا واحدا وهو الذي في السماء. لذلك نستهل الصلاة الربية بقولنا له: “ابانا الذي في السموات ليتقدس اسمك…”.
نحن نسمع في قلوبنا اننا ابناء اذ نعرف اننا لم نبقَ عبيدا للخطيئة ولكن صرنا عبيدا للبر. وذلك يتم اذا ارسل الآب روح ابنه علينا كما ارسله على المسيح. المسيح يصور نفسه فينا بالروح القدس ويصير كل منا بالنعمة مسيحا اي ممسوحا بالنعمة. وبدء ذلك يكون بالميرون المقدس. والمسحة تدوم فينا اذا قبلناها بالرجوع الى الله.
الغطاس الذي تقبّله السيد تقبلناه بالمعمودية بدءا وليس نهاية. والنهاية فوق في السماء من بعد قيامتنا من بين الأموات. عملية مستمرة وضع الرب يسوع أساسها بموته وقيامته فكانت البشارة بشهادة الدم. او بشارة الحياة الصالحة.
لذلك يحتاج المؤمن الى المؤمن، ولذلك كان من الضروري ان يلتقي المؤمنون في الكنيسة فتنزل عليهم عنصرة كل يوم أحد وما أقيمت الذبيحة. وفيها نصير واحدا بتناولنا جسد الرب ودمه. وبلا ذلك نحن مبعثرون بهموم الحياة وغناها وملذاتها. نحن نصير في القداس الإلهي جسد الرب اي ملتصقين به ومنتظرين منه ان نصير به واحدا بعضنا مع البعض الآخر.
عيد الظهور الذي هو العيد الأجلّ من بعد الفصح يصير عيدنا الشخصي ليس فقط يوم الذكرى ولكنه يصير عيدا موصولا.
يظهر ابن الله للمرة الاولى سريا في قلوبنا يوم الميلاد طفلا فقيرا، معلما التواضع. ويظهر بنور جلي يوم عماده واحدا مع الآب والروح القدس ومتهيئًا لسر موته والقيامة. وهكذا تتجاوب الأعياد كما يتجاوب اللحن واللحن او كما تتجاوب الصلاة والصلاة حتى ندرك ان خلاصنا هو بالمسيح وحده فلا نفتش عن خلاص لنا وانتعاش وفرح الا اذا اعطينا الآخرين المسيح بحبنا لهم وهدايتنا لهم.
الحياة المسيحية واحدة طوال حياتنا. ونبرزها بهذا العيد او ذاك وبالخدمة الإلهية الموصولة ودرسنا للكتاب الإلهي المحيي وعيشنا شركاء بعضنا لبعض ولاسيما للفقراء. لا الترتيل وحده ولا الصلاة وحدها مع ان كل نفحاتنا تأتي من الصلاة، ولكن باستمرار موت الخطيئة فينا وانبعاثنا بالرجاء حتى يكون الله الكل في الكل ويصبح الكون في آخر مطافه التاريخي مطرحا لله.
