اجتمعت في حرب لبنان مرة الى المغفور له الرئيس ياسر عرفات في رأس بيروت. قلت له: نحن المسيحيين في هذا البلد أغرانا انكم ناوون ان تنشئوا بلدًا ديموقراطيًا علمانيًا واذ ذاك نقلدكم نحن في لبنان. قال لي اذا أردت بكلمة علماني ترجمة «لاييك» – ولفظها جيدا بالفرنسية – فنحن لسنا كذلك. نحن نسعى الى بلد يضم المسيحيين والمسلمين واليهود. وربما قصد فلسطين الكاملة آنذاك. بعد ذلك كانت مدريد وأوسلو والاعتراف بتجزئة فلسطين. ولم أقبل أنا بذلك حتى هذا اليوم وان اضطر الكثيرون الى الاعتراف بدولة فلسطينية مجاورة لاسرائيل. لكنك لا تقدر انت فعليًا ان تكون ملكًا أكثر من الملك. فالسياسة ربما قضت بذلك. ولكني أنا لست بسياسي يفرق بين اسرائيل والصهيونية. فان زالت الايديولوجية الصهيونية ما المانع من ان يختلط اليهود والعرب في كيان واحد؟ وهذا ما كان يحلم به ادوارد سعيد الراقد على بضعة أمتار من منزلي تحت زيتونة.

المشكلة ان البراغماتية السياسية تقودك الى موقف الرئيس محمود عباس الذي ندعو له جميعًا بتوحيد البلد وقيادته الى شاطىء الامان ولكني أخشى ان يكون هذا من باب تربيع الدائرة إذ يبغي ان يسالم اسرائيل وألا يهرق الدم الفلسطيني. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو علام تتكل المقاومة الاسلامية في فلسطين لتقضي على اسرائيل. هل هذا ممكن في استراتيجيتها ووسائلها في ظل احجام العرب عن مساعدتها؟ المهم اليوم ان نصلي من أجل محمود عباس ليحضن هو ورفقته فلسطين على دروب وحدتها والسلام وانا واثق من ان بناءها سيقوم شاهقًا واننا سوف نكسب كثيرًا من ذكاء قادتها. عندما أسمع على الشاشة كبار مناضليها من كل الاطياف الحظ ان المنضوين تحت لواء فتح أو لواء حماس والجهاد الاسلامي هم على أعلى مستوى من الرقي السياسي ومن جدية الفكر ولا أخاف على مستقبل بلدهم لأن الكبر لا علاقة له بحجم الرقعة الفلسطينية عند نشوء الدولة. ان معجزة ما ستأتي من كبر النفوس الحية المولودة الى هذا الكفاح العظيم. انه لعمل ينتمي الى الحياة الروحية وليس فقط الى سياسات تزول.

#  #  #

رجائي الى العرب ألا يدخلوا سياسات ضيقة وحسابات اقليمية محدودة ولكن ان يحبوا القدس حتى نتمكن جميعًا من ان نصلي هناك بعد ان يرتفع العلم الفلسطيني على المساجد والكنائس كما كان يقول أبو عمار. انه لأمر غاية في الأهمية ان نمشي مع حجاج العالم في «شوارع القدس العتيقة».

يستتبع هذا ان تزيل كل دولة عربية الشوائب عن نفسها وان تعترف بها لتتخلص منها. ليس المهم فقط ان نحسّ بالقربى التاريخية بيننا ولكن ان نحقق القربى بحيث لا يسود أحد أحدا لأن نقصان الحرية في بلد واحد خطيئة يرتكبها العرب جميعا. ان العلاقة السوية بين هذا البلد وذاك تقوم على التعبير العملي في تأكيد ذاتية كل قطر كما يقول اخواننا السوريون. ليس أحد منا قاصرًا ولو احتاج كل منا الى نصائح أخيه. والنصح يعني التعاون بحيث أكون عونا لك وتكون عونًا لي لنكتمل معًا وهكذا يصير كل منا الى قلب الله وفهم رشده. ان أحبك هو ان تكون شيئًا آخر عني وان أخرج اليك بكل ما أملك من قوى فلا أسودك ولا تسودني لأنا لا نحيا معًا الا اذا كنا معًا في سيادة الله واشرافه علينا جميعا كأخوة.

المبتغى ان نكون حاضرين في الحق معًا والابداع والانتاج. وهذه كلها لا تتحقق الا بالصداقة الكبيرة والمودات. والآخر مودود كما هو واذا كان يصر على كيانه فنصر نحن أيضًا على كيانه لأنه هكذا يفرح وبالفرح تدوم النعم. قد يقال ان هذا رهبانية ولكنها رهبانية «ابتغاء رضوان الله». ومن ابتغى هذا الرضوان انما يعف عما هو «لعب ولهو وزينة وتفاخر». وهذه منها الكثير في الحياة السياسية. واذا أتينا حقا الى استرضاء الله في الحياة العربية المشتركة في بقاع المشرق الذي حول القدس نسكن المثالية والواقع في آن. سموا هذا هلالاً خصيبًا أو سموه شيئا آخر تكون القدس فيه محجتنا ولن نختلف حول مركز جغرافي لهذه المجموعة. في هذه المجموعة يكمن قلب العروبة ولن يكون لبنان الا في وسط هذا القلب وقد قال هذا في دستوره بعدما قاله في ميثاق الوفاق الوطني التماسًا لوحدة له يصونها المشرق مجتمعًا. والقدس ولبنان ابدًا معًا كما قالها بطريرك كنيستي اغناطيوس الرابع في مؤتمر اجتمعت فيه الدول الاسلامية في الطائف.

هذا شرق عربي لا شرق أوسط كبير أو صغير. نحن لا نريد مغامرة يشرف عليها الاجنبي لمنافعه. هناك أخطاء كبيرة من وجود ثنائيات متفرقة في الشرق الأدنى فالثنائي فلسطين – الاردن خطأ كما ان الثنائي سوريا – لبنان خطأ. كل ثنائي محكوم بالمواجهة آجلا أم عاجلاً أو محكوم بالاستقطاب لأن «النفس امارة بالسوء» ولأن الثنائية تقود الى الانصهار كائنًا ما كانت تعابيره أو اية كانت اساليبه. الحب ليس فيه انصهار لأنه يعني افناء الآخر فيك بطريقة أو بأخرى. والانصهار يعني سلطة من جهة وخضوعا من جهة أخرى. وهذا هو دمار العشق. والعشق لا يكون بين أخوة أعفاء ولكن تقوم بينهما المحبة التي تعني البذل والمجانية في سبيل عظمة الآخر ونموه وصحته. مع هذا اقول ان الثنائية ان اضطر القوم عليها لا تمنع علاقات مميزة حقوقية كانت او ثقافية ووجدانية. لكن الرقم اثنين رقم صدام اما الرقم ثلاثة وما زاد عليه فصورة تعاون يضعف فيه التواجه الاثنيني.

غير ان هذا يحتاج الى صقل عقول سياسية ناجحة نعمتها ثقة قريبة من الكمال. والمجموعة التي تتعدى الاثنين لا تحتاج الى ايديولوجية لتصمد. وفي أوروبا لم تحتج وحدتها الى لغة واحدة. أما نحن فلنا لغة واحدة ولهجة شعبية واحدة. ولا يمس هذا التقارب المشرقي تواصلاً وكل الغرب وخصوصًا في اطار الجامعة العربية كما لا يلاشي حلما عربيًا كبيرًا.

التقارب على صورة التكون الاوروبي الذي تم هو التقارب العملي الوحيد في المحافظة على سيادة كل كيان لان هذا أمسى الظاهرة الشعورية في هذه البلدان. خطأ العرب انهم اعتمدوا الايديولوجية القومية منذ قرن ونيف ولم يفلحوا لانك لا تكتب نظاما قائديًا سياسيًا ثم تنزل الى الشارع. العروبة رؤية تنفذ فيها ما استطعت براغماتيا، حتى المشرق العربي الذي تصورناه ممكنا تدريجا غير قابل للتحقيق اليوم. فالوطنية الفلسطينية تريد تأكيد نفسها قبل ان تصبو الى مشروع أوسع. ولبنان بكل اطيافه يؤمن بذاته ورسالته في دنيا العرب وربما في العالم في باب العيش الطوائفي المشترك والذي ليس مثله شيء في الخارج.

هذه أشياء يؤذي المشرقية ان يتسرع الناس فيها. لكن الكثير من مشاكلنا الى حل ان وضعنا التعاون العربي في مشرقه على طريق التنفيذ.

كل مشروع سياسي ينطوي على مخاوف ولكن كل مشروع يتطلب شجاعة وخروجًا من أزقة السياسة المحلية الضيقة ومن الفساد. أنا أعرف العقبات الكبيرة المرتبطة بعوامل كثيرة ولا سيما منها اختلاف الانظمة. الا ان الدخول في اية مرحلة تعاون متروكة مراحله الاخرى لله ولجديتنا والوضع العالمي. لكن شيئًا في العالم لا يتحقق الاّ بحلم كبير.