عندنا توصية من القديس باسيليوس الكبير ان يعطي الإنسان صوته الحجم الذي يحتاج إليه ليصل الصوت إلى من تخاطبه. أكثر من هذا يكون صراخا. السيد كان يؤنب ولم يكن يصرخ. لهذا قال عنه متى: «لم يسمع احد صوته في الشوارع». كل إنسان معك هو جليسك ولست في حاجة إلى صياح. فهذا الذي تجالس يطلب منك المعنى. والمعنى لا يقوى بالصراخ.

أي من سمعك تصرخ في وجهه يعتبرك خصمه ولو كان كلامك إليه مهذبا. انه دائما يتأذى من الصوت العالي. أية ثورة غضب إقصاء للآخر وقد يحسّه إذلالا له ويحسّك أنت مستعليا. لذلك طلب بولس إلى تلميذه تيموثاوس الا يزجر شيخا (1تيموثاوس 5: 6). في هذا المنطق أقول لا تزجر الفقراء. يحسون انك تحتقرهم. أجل عليك ان تؤدب الناس حسب الظرف ولكن هذا ممكن بالحنان والرأفة. وان أخطأ إليك أخوك فعاقبه من اجل إصلاحه فأنت لست ضده. أنت ضد خطيئته فقط لأن الخاطئ حبيب الله أيضا.

الغضب عدوان. لذلك قال السيد: «لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء» (متى 5: 21). كل غضب نوع من الضرب. بيِّن للخاطئ خطأه بهدوء كامل فيشعر انك تهديه. أما إذا علا صوتك فيحس انك «عم تفشّ خلقك» عليه ولا تريد ان تهديه.

واعلم ان الغضوب في أكثر المرات ليس له سلطان على لسانه فيتلفظ بأصوات مشوهة ويختل نبض قلبه وتحس ان قوة غريبة ليست من الله تسكنه. وأحيانا يصل إلى العنف الجسدي وتتشوش قدرته العقلية. يخسر حكمه الصالح في الأشياء وتتدحرج كلماته المصوتة كتدحرج الصخر ولا يقدر ان يقتنع إذا أجبته لأنه منشغل بتهشيمك.

خف من الغضب الكامن الذي لا تعبّر عنه باللسان. هذا قد يكون قويا كالغضب الظاهر وأكثر خبثا أحيانا.

وحتى تصل إلى الهدوء، لا تتكلم أبدا إذا أحسست ان قوة تصعد من صدرك إلى حلقك ليتفجر، فاسكت وارتح. صلِّ فورا دقيقتين في داخلك وصلّ من أجل الذي هو أمامك ويثير فيك الغضب. وانس الأهانة إذا أهانك أو ثقل دمه أو كذبه أو معارضته لك ولا تردّ له شره بإعلاء صوتك فإنك إذا أحببته في هذه اللحظة أو غفرت له لكونه ضعيفا وضممته إلى قلبك لا يمكن ان تغضب.

لك ان تتمرد على الشر الذي تراه، ولكن لا يشفى الشر بالشر. خذ هذا الذي أثارك إلى الموقف الصالح لأن مبتغاك لا ان تنتقم لنفسك بل لتصلحه. لا تقم نتؤا أمام نتؤ. اضرب غلاظة من أثارك بالوداعة فإنها من الروح القدس.

مرة قال لغاندي أصحابه: لماذا تبشرنا باللاعنف. ان صاحبك يسوع أخذ السوط وضرب به باعة الحمام والصيارفة. أجابهم: ان يسوع كان دائما وديعا. فإذا كنتم قادرين ان تتحلوا بالوداعة أسمح لكم بالعنف. المقصود من هذا الجواب ان من يغضب لا تكون عنده وداعة إذا غضب.

أنت عليك ان تبقى مستقلا عما حولك، حرا من الشرور التي تراها. فكرّ دائما بما ينفع الخاطئ روحيا وقُدْه بهدوئك إلى الهدوء. اجعل السلام في نفسك. هذا يتطلب منك صلاة غير منقطعة. وإذا كان الغضب عيبك الأكبر فاطلب من الرب ان ينجّيك منه. ركز في صلاتك على هذا الطلب. فإذا رأيت ان القادم إليك من شأنه ان يثيرك فصلّ فورا عند دخولك عليه. وإذا جادلت في أمر فلا تتمسك بالصغائر ولا بالدفاع عن قضية يتبين لك انها غير صحيحة.

انما الهدوء الكبير يحصل عندك ان تجردت من الشهوات كلها. فعشق المال والجسد والوجاهة والسلطة سبب مباشر للغضب. وإذا تمسكت بأية شهوة من هذه فأنت غاضب حتما للدفاع عنها إذا عرقلك احد دون تحقيقها. السلام الداخلي شرط لسلام الكلمة وسلامة التعبير. عندما يعلو صوتك تأكد انك لم تتحرر من الشهوة. اعرف شهوتك واضربها يسلم لسانك من الصراخ.