بعد ثلاثة اسابيع من الصيام لاحظت الكنيسة أُمنا ان المؤمنين او بعضهم قد يتعبون من الجهاد او يملّون او يفترون فوضعت امام قلوبهم هذه الذكرى ليتشددوا. ففي نهاية المجدلة الكبرى نطوف بالصليب موضوعا على صينية مملوءة بالرياحين او بالزهور، وحول الصليب ثلاث شموع مضاءة رمزا للثالوث المقدس. ويطوف الكهنة بهذا، ويأتي المؤمنون لتقبيل الصليب، ويعطيهم الكاهن زهرة بعد ذلك علامة للفرح الذي نلناه بموت الرب.
ثم يأتي الإنجيل في القداس يقول: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (اي الى الجلجلة في إماتة شهواته المؤذية). ويضع تقابلا بين خلاصنا بالصليب وربح العالم الشرير اذ يقول: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. طبعا الصيام يكلف جهدا، ولكنه يعطي ايضا فرحا.
واذا استمعنا جيدا الى صلاة الغروب وصلاة السَحَر نتوجّه فيهما الى الصليب ونقول له -كأنه حي- “اظهر لنا بهاء جمالك” ونسمّيه “فردوسا بهيا للبيعة” (اي الكنيسة) ونعترف انه يمتعنا “بالمجد الأبدي” ونعترف انه “حامل الحياة وظفر العبادة الحسنة”.
فاذا خاطبنا الصليب، يكون هذا اسلوبا شعريا نقصد به اننا نخاطب المسيح الذي مات من أجلنا ونذكر اننا نلنا به الخلاص. فموت يسوع قيامة الجنس البشري. الصليب كان مطرح الظفر بالخطيئة، وكان أساس قيامتنا. وهو مقام المجد الإلهي بناء على قولة يسوع: “الآن تَمَجَّدَ ابن البشر وتمجد الله فيه” ويشبهها الكثير.
من هنا ان التعذيب لم يكن سوى طريق الى المجد اذ افترض منطق التجسد ان مَن ساكن الناس في بشريته باتخاذه جسدا من مريم اراد ان يرافق البشر الى آخر محطة لهم في الحياة اعني الموت والقبر. في هذا كان يسوع رفيقا لنا ومحررا، وهذا ما تعنيه كلمة الفادي. افتدانا لا تعني اذًا انه كان فدية على طريقة قانون الجزاء حيث يدفع اهل القاتل لأهل القتيل مبلغا من المال. لمن دفع يسوع؟ انه لا يدفع شيئا للشيطان لأن الشيطان ليس له عليه شيء. ولا يدفع لله ابيه لأن الآب لا يريد موت الخاطئ بل ان يحيا. هو لم يمت بدلا عنا كما يظن بعضهم. لم يذق المسيح عذابا تعويضيا عن عذاب كان لا بد من ان يقع علينا. لا معنى للكلام الذي لا يزال مسيطرا في الغرب بشقّه الكاثوليكي وبعض من الشق البروتستنتي وهو القائل بلسان أَنسلم اسقف كنتوربري: ان الله كان غاضبا على البشرية وحكم عليها بالموت ولا يزول غضبه الا اذا أرضاه إله (وهنا يعني الابن). فالله ليس ساديا، متلذذا بآلام البشرية وآلام مسيحه.
ما حصل في تحرير المسيح لنا انه إله من جهة وبشر متأله او مؤلَّه. وهذه القوة في طبيعته الإلهية وطبيعته الانسانية المتألهة، هذه القوة نزلت الى مملكة الموت وأماتته من الداخل، فجَرته، وهذا ما نعنيه بقولنا انه “وطئ الموت بالموت”. المسيح على صليبه وضعنا على سكة الحياة، اورثنا الحياة الجديدة التي نكافح فيها الخطيئة.
واذا كانت فينا هذه الحياة، نقدر ان نتابع جهاد الصوم لأنه “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم” كذلك “نبارك الرب في كل حين ونسبح قيامته لأنه اذ احتمل الصلب من اجلنا بالموت، للموت أباد وحطم”. هذا هو اللاهوت التي نقرأ به الصليب. لذلك لا نبكي على المصلوب في اية خدمة من خدمنا. ننتظر دائما تعزية القيامة.
وقيامة المخلص كانت كشفا ظاهرا لنصر حصل على الصليب، وأبانت انك “لا تدع قدوسك يرى فسادا”. النور كان في المسيح عند صلبه خفيا. عند فجر الفصح ظهر. بيّن الفصح ان المسيح ظافر. ولهذا كان كل جهد لنرى هذا النصر امرًا هينا. فاذا اقمنا الذكرى اليوم نتشدد ونسير الى ملء الفرح عند صباح العيد.
