ليس من حدث خلاصي إلا وله صدى في مسلكنا. العيد ينزل فينا حياة ونهجا فبعد الفرح تطبيق. هذا يتحقق اليوم في هذا الأحد الذي بعد رفع الصليب. القراءة الإنجيلية من مرقس ونستهلها بقول المعلم: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. “من أراد ان يتبعني” لأن المسيحية دعوة، ولكن اذا ارتضيتها فهي تلزمك بأشياء قاسية لأن المسيحية جدية وتتطلب كل قلبك، كل وجودك. من هنا قوله: “فليكفر بنفسه” او ليزهد بنفسه متخليا عن أنانياته وشهواته كلها. هو لم يقل فليترك مالا او بيتا، فقد تتركهما وتبقى محور ذاتك. تضرب ميلا مؤذيا فيك الى ميل مؤذٍ آخر في حين ان المطلوب ان تضرب التمحور حول ذاتك لتتمحور حول المسيح، أن تتحرر من كل ما يعرقل سيرتك الى يسوع.
“يحمل صليبه ويتبعني”. طبعا هنا ليس المقصود ان تتزين بصليب من خشب او ذهب او فضة في عنقك. النص اعمق من هذا. المبتغى ان تتحمل من يضايقك وتحسه نيرا عليك ويزعجك يوميا، وهذا قد يكون من الذين يعيشون في بيتك او هم زملاؤك في العمل وآخرون. حتى متى تتحملهم؟ يقول “يتبعني”. الى اين سار حتى تمشي وراءه. انه لقد سار حتى الصليب. انت تمشي وراءه حتى لو أحسست بأن هذا الخصم او ذاك (وقد يكون قريبا لك) انما يميتك معنويا او يريد ان يسحقك بمصالحك او يخل في حياتك العائلية. تصبر وتغفر حتى النهاية.
ولهذا قال: “من اراد ان يخلص نفسه يهلكها” بمعنى انه يبذلها تضحيات وسهرا ويلقي على نفسه أثقالا كثيرة. خلاف ذلك فيه ربح للعالم، للعالم الخاطئ. لذا يتابع السيد: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. المال ربح كبير. الوجاهة كذلك. الكيد ايضا. في نظر اهل الدنيا ان عملت هذا انت فهيم. ولكن في نظر الروحانيين هذا هلاك للنفس، للذات العميقة التي تلتقي فيها المسيح.
هذا يعني بالتأكيد ان تكون مصلوبا (ولو كانت صحتك جيدة). وهذا يعني ان تكون مصبا لآلام يسوع فيك وتاليا مطرحا لمجده. عند ذاك فقط لا تكون مستحييا بيسوع وبكلامه اذ تكون مؤديا للشهادة. ليس مَن تلا دستور الايمان يكون شاهدا للمسيح. انه لضروري ان يكون ايمانك موافق الدستور. ولكن في الأهمية نفسها ان تتشبه بالمسيح، ان تصبح ايقونته. وايقونته الكاملة هي ايقونة الصلب لأنها تعبر لنا عن محبته لنا وتقول ان هذا الصليب هو المكان الذي تمجد فيه الآب.
لماذا الإصرار على الصليب؟ ذلك ان بعضا من الناس يريدون ان يتوبوا عن خطيئة واحدة فيهم وليس عن كل خطيئة، او يريدون ان يغفروا لبعض الناس لا لكلهم. المسيحية لا يمكن ان تتجزأ. انها عمارة كاملة. وانت تعتنقها كاملة. تضم اليك جميع الناس كما امتدت ذراعا المخلص الى أقاصي الأرض ليجمع الى نفسه كل المعذبين ويصعد بهم الى الآب. انت اذا تجردت عن اشتهاء هذه الدنيا تكون قد تسمرت على صليب المخلص وقدرت ان تحب البشر جميعا وتصعد بهم الى الآب.
