في رسالة اليوم يقول بولس الرسول انه بَشّر أهل غلاطية بالإنجيل. هو يدُلّ بهذه الكلمة على تعليمه ولا يقصد الأناجيل الأربعة التي لم تكُن مدوّنة عندما أَرسل هذه الرسالة الى أهل غلاطية. ثم يقول انه لم يتسلّم هذا التعليم من إنسان ولا من واحد من الإثني عشر، بل تسلّمه من الرب مباشرة اي بإعلانٍ أَعلنه له السيّد.
ويُثبت هذا الكلام بأنه لما كان في ملّة اليهود كان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويُدمّرها، ونحن نعلم هذا من أعمال الرسل حيث قال هذا. فلما ظهر له المُخلّص على طريقه من اورشليم الى دمشق حوّله الى تلميذ له لم يوجد آنذاك في حماسته وإخلاصه وسعة علمه وعمق لاهوته أحد.
هذا لمس عند ظهور الرب له على طريق دمشق أن الله أَفرزه اي اختاره من جوف أُمه ليكون له تلميذا ودعاه الآب بنعمته أن يُعلن ابنه فيه ليبشّر به بين الأمم الوثنية، وبهذا أخذ في ما بعد تفويضًا من التلاميذ حتى قال: «لساعتي لم أُصغِ الى لحمٍ ودمٍ» أي لم أَسلُك حسب انفعالات بشرية، ولكن أَسلمتُ نفسي لصوت يسوع وأمره.
كان بولس يعرف أنه أساسيّ أن يتّصل بالرسل ليوحّد نفسه بهم لا ليأخذ منهم سلطانًا إذ اتخذ هذا السلطان من المسيح مباشرة. ويوضح أنه من دمشق انطلق الى ديار العرب. ويعتقد المفسرون أن هذه الديار هي حوران وكانت في الإدارة الرومانية تسمّى العربية.
ماذا فعل هناك؟ ربما وجد بعض المسيحيين القلائل وعايشهم لأن حوران ليست بعيدة عن دمشق. وما من شك فيه أنه كان يصلّي ويختلي بربّه ويعلن له ربّه حقائق الإيمان، وهذا يؤكد ما قاله في مطلع هذه الرسالة.
ثم يقول: «إني بعد ثلاث سنين صعدتُ الى اورشليم». هو لم يقضِ سابقًا، أي بعد تنصّره، وقتًا في اورشليم. وذهابه اليها بعد هذا الغياب الطويل كان هدفه أن يزور بطرس. معنى ذلك أنه كان يعرف أن بطرس لم يكن قد غادر فلسطين في السنين التي قضاها بولس في ديار العرب. عرف بولس ذلك بطريقة ما. فقال: «أَقمتُ عنده خمسة عشر يومًا، ولم أرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب» (اي نسيب الرب يسوع).
ماذا كان يعمل بولس هناك؟ لا شك أنه كان يصلّي كل يوم مع بطرس ويتحادثان في اللاهوت.
الى هذا يدلّ هذا الكلام على أن بقية الرسل كانوا قد غادروا فلسطين الى بلاد التبشير. ولا نقرأ في أعمال الرسل أن بولس استطاع أن يتصل بأحد منهم، ثم نراه على علاقة مع بطرس في أنطاكية.
نستدلّ من هذا الكلام أن بولس سعى أن يبقى ملاصقًا للرسل. نحن نبقى مع كنيسة الرسل التي هي كنيستنا. لا نستطيع ان نعيش بعيدين عن الإخوة. إنهم جسد المسيح.
