افترض الرب يسوع في مثل اليوم ان كل اليهود يسمعون كلمة الله وانهم فئات لا تقبل الكلمة او ترتدّ عنها او تخنق فيها الكلمة ملذاتها. وافترض مع ذلك فئة تحفظ الكلمة “في قلب جيد صالح” وتثمر بالاستمرار. ان كلام السيد مبني على ان اليهودي يذهب إلى الكنيس يوم السبت ويسمع التلاوة وان الأهل يلقنون اولادهم الكلمة من مخطوطات التوراة التي استغرقت كتابتها سنة او اكثر لعدم وجود الطباعة آنذاك. كذلك نعرف ان عمل الرباني (وبالعامية الحاخام) أن يقضي معظم يومه يدرس التوراة ويحفظها ويستشهد بآيات منها.
وفي الإسلام من يحفظ القرآن كله ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره وبعد الحفظ يفهم. هل ينطبق مثل الزارع في اوساطنا؟ اي هل في كل بيت نسخة عن الكتاب المقدس، واذا وجدت هل نقرأها. واذا اعتمدنا على الذين يشاركون في القداس فهل “يسمعون” بصورة جيدة انجيلا منغما اي لا يدخل كلمة إلى السمع. وهل من إصغاء إلى الرسائل وهي ايضا مرتلة على بعض من الطرب لسرور المرتل؟ وكم نسبة الحضور في كنائسنا. يقول لي كاهن في هذه الابرشية عليم بالإحصاء انها لا تتجاوز .2% هنا وثمة.
اجل صلواتنا واناشيدنا فيها الكثير من معاني العهد الجديد اي يدخل شيء من الايمان بالسمع. ولكن لو كان الله يكتفي بالصلوات والاناشيد وهي سابقة لتدوين الأناجيل لما أوحى الرسل الانجيل. قد تكمن الصعوبة الكبرى بالكسل. وما يرضي الله ان نطلب اليه القوة لنمد يدينا إلى الكتاب الموضوع في خزانة او مكتبة وننظفه من الغبار التي تأكله ونقرأه من الدفة إلى الدفة. قرار حازم يأتي من ايماننا بأن هذا الكلام هو “روح وحياة” (يوحنا 6: 63). لما قال يسوع هذا هو كان يعني حقا ما قاله اي ان هذا الكتاب كما سكبه الله في قلوب الرسل ليس مثله ما يأتينا بالروح القدس والحياة المنبثقة منه. وأبسط حجة نقدمها لكم ان ليس مثل الله من تكلم عن الله. وهو القائل: “ليس من الخبز وحده يحيا الانسان بل من كل كلمة تخرج من فم الله”. واذا صعب عليكم في البدء ان تطالعوا على انفراد فاعقدوا حلقات إنجيلية مرة في الأسبوع وطالعوا الكلمة معا بإرشاد مرشد ان وجدتموه في الرعية كاهنا كان ام غير ذلك.
يقيني الذي لا يزعزعه شيء ان الحياة الموجودة في كلمة الله لا يعوض عنها اية قراءة لكتب روحية مهما سمت. ليس ان معرفة الإنجيل تغنيكم عنها ولكن لا شيء يضاهي الانجيل. هو يدخل الروح القدس اليك مباشرة ان قرأته بروح التوبة ومثل انسان يفتش حقا عن الخلاص وان يصير “خليقة جديدة”. معنى هذا ان هذه القراءة المتأنية تصور المسيح في قلبك فيصير لك فكر المسيح. مع مرور الزمن تحس انك اخذت تواجه شؤون دنياك بفكر المسيح وليس بناء على مصالحك. تفهم ان مصلحتك الحقيقية هي ان تتبنى مشيئة الرب.
كيف تقرأ؟ في البدء فلتكن قراءتك متواصلة بحيث تأخذ متى ثم مرقس حتى تصل إلى سفر الرؤيا. وتفعل هذا مرتين او ثلاثا او اكثر. وتقرأ في وقت تحدده لنفسك في النهار او في الليل. وبعد اكتسابك هذه المعرفة الشاملة تذكر اي مقطع تحتاج نفسك اليه حسب اوضاعها اي في فرحها او حزنها او بعد سقطة. تفهم مثلا ان العظة على الجبل في متى (الإصحاحات 5 إلى 7) تساعدك أخلاقيا، او تحس انك في حاجة إلى ان ترتفع روحيا بإنجيل يوحنا، او تدرك ان بعض المسائل التي تواجهها واجهها بولس قبلك فتعود اليه. وهكذا تنشأ ألفة بينك وبين الكلام الإلهي.
وقد يكون من المفيد ان تقتني دفترا تُدوِّن فيه هذه الآية او تلك او هذا المقطع او ذاك مع الأرقام واذا استحسنت مثلا كلاما عن المحبة عند بولس او في رسالة يوحنا الاولى الجامعة فاكتب رقم الآيات واحفظها كما تحفظ الشعر لتعود من ذاكرتك إلى لسانك او إلى سلوكك، فاذا لاحظت في وضع انت فيه انك قادر ان تستحضر من ذاكرتك قولة إلهية مناسبة للموقع تكون قد بت أليفا للكلمة. وانت في حاجة طوال حياتك إلى كتاب الله. وقد تقرأ مقطعا واحدا مئات المرات وتلاحظ انه ينبوع يتجدد فيك وانك تفهم باكثر عمق آية ظننت انك فهمتها، ويبدو لك عند كل تلاوة انك تفهم اكثر. هذه هي الحياة.
