الواضح من قراءة الأناجيل الأربعة أنها تخصص نصوصا طويلة عن القديس يوحنا السابق (لمجيء المسيح) والصابغ (والصبغة بالعربية هي المعمودية). وهو من القلائل جدا الذين لهم عيد مولد. بعض القديسين نعرف تاريخ وفاتهم او استشهادهم، ويوم الشهادة نعتبره يوم مولدهم الحقيقي. لعل تخصيص فصول كاملة ليوحنا مرتبط بأن أول بشارة السيد: «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات» هي إياها التي نادى بها يوحنا، أَم كون يوحنا دلّ على السيّد بقوله: «هذا هو حَمَلُ الله الحامل خطايا العالم» وتاليا تنبأ عن صلبه مباشرة كما لم يفعل نبي قبله بهذا الوضوح، أَم السبب يعود الى كون الثالوث القدوس قد ظهر على نهر الأردن فيما كان يعمّد السيّد، أَم ان السبب هو ان يوحنا آخِر نبي في العهد القديم الذي كان موته صورة عن موت السيد. هذه كلها أسباب تجعلني أُقدّر ما دعا الإنجيليين كلهم الى أن يتحدثوا عنه بهذا المقدار.
الفصل المتلوّ اليوم مؤلف من ثلاثة مقاطع جمعتها الكنيسة من مطلع إنجيل لوقا، ونسبها هذا الى التراث الشفهي السابق لكتابته. تقصّى هذه الأمور ولا سيما ان لوقا لا يعرف ما يتعلّق بيوحنا مباشرة لكونه كان أنطاكيًا اي من خارج فلسطين، ولكنه أراد ان يؤكد انه تقصّى عن هذه الأمور مِن الذين سبقوه في كنيسة اورشليم.
روى ما حدث لزخريا والد يوحنا، وذكر ان هذا المولد فيه تدخل إلهي ويُسمّيه الولدَ المنتظَر يوحنا وهي تعني ان الله حن،ّ ولا شك ان الاسم يتجاوز الشخص الى الدور الذي سيلعبه في كشف المسيح للناس. ولهذا السبب يكون عظيما. وهذا الكلام هو من جبرائيل الملاك نفسه الذي بشّر مريم. وهو يشبه والدة الله بأن الملاك قال عنه «ويمتلئ من الروح القدس»، والملاك قال لأم يسوع الشيء نفسه لما سمّاها الممتلئة نعمة.
الجانب السياسي في شخصيته انه يتقدم امام الرب «بروح ايليا وقوّته» أي بحماسة ايليا وشجاعته. ذاك قاوم آخاب الملك، وهذا قاوم هيرودس الملك. ولا مبرر لأن نقول كإحدى الطوائف في بلدنا ان ايليا تقمّص في يوحنا المعمدان. «بروح ايليا» تعني بفضائل ايليا ونفسيّته وأسلوبه في تحدّي العظماء ولا سيما ان اليهود لم يكونوا يعتقدون في التقمّص.
وما شدد عليه لوقا ان أليصابات أصرّت على ان يُدعى يوحنا ولم تتشاور وزوجها حول هذه التسمية لأن زخريا قد صار أبكم، وما عرف الناس رأيه باسم ابنه الا بعد ان أعطوه لوحًا فكتب الاسم ذاته، وعند لوقا هذا يعني ان الاسم جاء للولد بوحي إلهي لزخريا وامرأته.
اذ ذاك انفتح فم الرجل ولسانه. وهو بدوره امتلأ من الروح القدس، وايمان كنيستنا ان أنبياء العهد القديم يحلّ عليهم الروح القدس ليكتبوا. ولذلك نعتبر كلاً من الستة عشر نبيًا الذين وضعوا 16 كتابا قديسين، ويُسمّى المسيحيون بأسمائهم.
في صلاة زخريا يقول: «انه افتقد وصنع فداء لشعبه». معنى ذلك ان زخريا كان يتكلم عن المسيح، لأن المعمدان لم يصنع فداء لشعبه، وتنبأ عن ابنه قائلا: «انكَ تسبق امام وجه الرب لتعِدّ طرقه»، وكأن هنا لوقا يشير الى نبوءة إشعياء التي اتخذها الإنجيل: «أعدّوا طريق الرب».
بعد هذه النبوءة، ينهي لوقا الانجيلي قوله عن الصابغ بهذا الكلام: «اما الصبي فكان ينمو ويتقوّى بالروح» ويريد هنا الروح القدس. ثم يقول: «وكان في البراري الى يوم ظهوره لإسرائيل» اي الى الفترة التي عمّد فيها الشعب. هذا هو الجانب البتولي عنده، وكان هذا النوع من النسك معروفا عندهم ولو قليلا.
العيد العظيم لقديسنا يبقى طبعا عيد قطع رأسه. اذ ذاك ظهر مجد الله فيه.
