أرى نفسي على جهل كثير. ما تعلمت الرياضيات في صباي حسناً وما اقبلت على الحاسوب. خفت. اجيء من حضارة اخرى فيها كلمات. كلمات – رموز تحكمنا اليوم. تعرفها الشبيبة. لا اعرفها. ربما تعود هي ايضا الى الكلمات التي اجيء منها.

يلحنون اذا قرأوا اي انهم يجهلون قواعد اللغة. عقلك انت يجيء من اللغة بعد ان جاءت اللغة منه قديماً. اذا ألحن عندي قارئ في الكنيسة او ألحن مذيع شعوري الاول ان خللاً عقلياً اصابه وسرعان ما ادرك ان عقله لا يحتاج الى نظام اللغة. كانت عندي خادمة اسمها ليلى اخبرتني اول استخدامها انها امية مع انها كانت تفهم اخبار الاذاعة (الفهم له سراديبه). كانت ترتب مكتبي كل يوم وكان يصعب علي ان اصل الى الاوراق التي كانت متراكمة قبل تدخل ليلى بلا ترتيب. فكنت ألحّ عليها باهمال مكتبي لئلا يحجب ترتيبها عدم ترتيبي الذي كنت اعرف ان استدل منه على ما احتاج اليه.

صرت افهم ان حضارة الحاسوب وما يستتبعه من آليات وتالياً من معارف صندوق مقفل لم يبق لدي وقت ولا قوة ولا فضول لالج اسراره. وفي مطلع شبابي لم يكن يزعجني اني لا افهم الرياضيات التي كان يقال في اوساطنا المدرسية انها تروّض العقل حتى ان المتعصبين لها كانوا يذهبون الى انك ان كنت خالياً من عقل رياضي لا بد ان فيك نقصاناً ما. وانا كنت اذهب الى انك قادر على ان تروض عقلك باللغة فقط وان تصقل احساسك بالشعر ثم ان تتربى على الفلسفة حتى التقيت ناساً لا يتحسسون الشعر اطلاقاً ولا تجذبهم الموسيقى الاوروبية ويعيشون مع ذلك عيشاً معقولاً في التجارة والمال والعائلة. ولاح لي من خبرات متنوعة ان الانسان يستطيع ان يحب زوجه واولاده بلا شعر مسبوك وان يكتفي بالطرب الشرقي الذي يصل الى كل الآذان عندنا والى كل القلوب.

غير ان ما هالني من زمان طويل اني لست فقط مقصراً في العلوم الدقيقة الطبيعية واني مقصر في كل علم. ربما بسبب ازدياد اتعابي وتنوّع امراضي بت منجذباً الى الطب كثيراً ويعجب طبيبي الخاص بوصفي الدقيق لاعراض المرض عندي. ولما قوي انشدادي الى الطب تعمق فهمي للانسان ولوحدته وادركت ان العلوم التي تلقيتها وكلها من نطاق اللغة غير كافية. الحقوق لغة واللاهوت لغة. ذلك انك تعالج نصوصاً تعربها فتفهم وتصير من عندك نصاً آخر فيفهمك الآخر.

كل شيء خطاب. واذا عدنا الى البدايات نقول: “في البدء كان الكلمة”. فإذا كان في البدء فهو قبل البدء اي انه خطاب الله. المسيحي يحمل حديث الله اي يحمل الله لان الله لم يكن يوماً بلا خطاب. فإذا ابتغيت الله تذهب الى فكره وفكره في ما قال او في من قال. الله مقول وبمعنى، ابنه نصه والانجيل نص النص.

هنا تواجه مسألة كبرى انك تصل الى الله من خلال نصه. هذا لا يعني انك تصل بعقلك فقط لان النص ليس فقط عقلياً. انه ينزل الى القلب. يقرأ القلب ايضاً بلا لغة. ومن هنا يقيني ان الله ينقلك الى جوفه بلا كتاب الهمه او اوحاه. هذا شأنه مع عباده. ولكني انا العارف بكتبه مقيد بمعرفتها ولست حراً ان اطلع عليها او لا اطلع. انا لا استطيع فقط ان اتصل بالله من طريق الروح او القداسة – واتصالها اعظم اتصال – اني مضطر الى ان اتصل من طريق الفكر الذي ليس مجرد فكر على طريقة “انا افكر، اذاً انا موجود”. انا اعرف اناساً لا يعقلون امراً الا وهم في قلوبهم. هناك كتّاب تأمليون هم بالدرجة الاولى مفكرون اي يسطعون فكراً مبنياً، مترابطاً، عاقلاً ومعقولاً ولكنه مع القلب دائماً في تماس بحيث لا تعرف اذا كان منطلقهم شعوراً بحتاً او فكراً محضاً ولكنك تشهد مزاجاً عجيباً بين مشاعرهم والعقل.

في تصوري انه ليس من فيلسوف محض على لباس الجفاف الذي تراه عليه احياناً، لا شيء يصدر عن الانسان غير مرتبط بالقلب. انا لا اقول ان المفكرين هم الطبقة العليا من الناس البسطاء قد يكونون اعظم اذا كانوا على كثافة رهيبة من المحبة.

قلت لكم كل ذلك لاقول اني لست نادماً على اني لم اقرأ كل شيء. سأموت جاهلاً ليس فقط للعلوم التي ذكرت لكم اني اجهلها ولكني سأموت وانا لا اعرف في بلدي او في غير بلدي من وددت ان أعرفهم اذ كنت أحس بأن عندهم الكثير مما أردت أن أتزوده، ما لم أعرفه أو من لم أتعرف عليهم فراغات في نفسي او فراغات في قلبي. ولكن ما العمل؟

ما المصير انك لم تقرأ كل شكسبير وكل المتنبي او كل دوستويفسكي اذا أخذت الجمال الادبي. قد تهزك جماليا سورة يوسف أكثر من نصوص كثيرة. انا لم أقرأ متصوفين كثيرين وعددا من آبائنا القديسين. ولكني قرأت اشعيا وايوب وانجيل يوحنا. وهذا يسد جوعي الى الحق. صبغتك بالحق هو النور الذي يصل اليك وهو دليلك الى النور الذي لم يصل. ليس من بشر يعرف كل شيء وفي هذا أحد مفاتيح التواضع والتواضع أعظم من المعرفة.

قد تصل الى الكثير من علم التفسير اذا كنت عاشقا لتداول النصوص اي أنك قادر على ان تصل الى دقائق كلمات إلهية، الى ما تكشف والى ما تخفي وقد تصل الى العلاقات بين سفر وسفر من الكتاب الالهي وتفهم تعاقب الاسفار والقصد الالهي من هذه السطور مركبة، متراصة، ساطعة، راقصة ولكن لا تكون بالضرورة واصلا الى عتبات الله لان الله أعظم من الكلمات التي قالها وهو ان كان فيها الا أنه ألهم واحدا ليقول: “ان الله أعظم من قلوبنا”. أي انه يسكنها ولكنها لا تستوعبه واذا أنت انتقلت اليه في اليوم الاخير تسقط عليك أنوار منه فتحيا بها. ذلك انه دائما يتعالى وانت اليه كالمرأة النازفة الدم التي لمست هدب المسيح فشفيت.

لماذا كل هذه العلوم، لماذا كل هذه الآداب وهذه الحضارة؟ الله خبئ في كل هذه وعليك ان تسعى اليه في مخابئه. وان أخطأت هذا القصد يكون تعاطيك هذه الامور مفيدا لمعيشتك هنا وتكون قد ظننت ان الله مكشوف فقط في الكتب المقدسة، لا تكون قد قرأت كل تجليات الله. أما اذا فاتك شيء من المعارف – كما فاتني أنا – فالله يعرفك بلمساته وبحضوره فيك والمهم ان عرفت أشياء ألا تستكبر. ان جهلت أشياء لا تبرر كسلك اذ يخشى ان تفوتك جمالات الهية خفية في العلوم او الشعر والفنون بعامة. تكون قد أهملت الله، ومع ذلك يغفر الله لك جهلك كما غفر لي جهلي على ما أحسب. انه يعوضك بملاطفات لا يسوغ النطق بها. وفي كل حال الله يغنيك ان كنت من العارفين او من الجهلاء.

إذهب عن هذه الحياة مطمئنا الى الرحمة التي هي تكملك. ذلك ان الجهل جهل الفضائل والمتع السموية. بعد كل هذه النواقص والتحولات في دنياك المهم ان تحس أنك “موجوع أبدا بحب السماء” كما تقول حنان عاد في “لؤلؤ الروح على صهوة القيمة”. اذا بقيت على هذا الوجع تبدأ رحلتك الى القيامة.