عيد الظهور الإلهي الذي هو ذكرى معمودية السيد كان يتضمن ايضا تذكار الميلاد، ففصلهما في الشرق القديس يوحنا الذهبي الفم لأسباب تربوية ورعائية ليتضمن يوم 6 كانون الثاني فقط ذكرى المعمودية التي يقال لها في العامية الغطاس المأخوذ من غَطَس لأن السيد عَمَّده المعمدان غطسا في الماء.
فبعد انفصال العيدين احدهما عن الآخر بنَت الكنيسة كل عيد مثل الآخر تماما فجعلت «بارامون» اي وقفة لكل من العيدين مع قداس، وأقامت الأحد اللاحق لكل عيد مرتبطا بالعيد. ولكل منهما ايام تهيئ له وتذكر معانيه. العيدان متوازيان اذًا والهيكلية واحدة. وقبل الغزو الثقافي الغربي الذي ركّز على الميلاد وأحاطه بزينة وأضواء، لم يكن الميلاد شعبيا مميزا عندنا. فحتى مطلع شبابي لم يكن بيت ارثوذكسي يقيم الشجرة أو المغارة، وما كان الأهل يوزعون هدايا. عيد يتم في الكنيسة فقط، ثم يتبادل المؤمنون الزيارات. كان الارثوذكسيون قبل خمسين او ستين سنة يحتفلون بزخم واحد وابتهاج واحد بالعيدين حتى قضت الدولة اللبنانية على الغطاس رسميا، ودفعت المسيحيين إلى الميلاد حصرا.
ولم نحتفظ شعبيا بشيء من رونق العيد سوى ان الكاهن يطوف على البيوت لينضحها بالماء المقدس بعد صلاة العيد. رتبة تقديس الماء تتم مرتين حسب الأصول، مرة في البارامون قبل القداس، ومرة في العيد قبل القداس ايضا اي بعد المجدلة الكبرى. ذلك انك لا تصنع رتبة اذا انتهى القداس. اما تقديسنا الماء اليوم بعد القداس الإلهي فمردّه، على ما اظن، إلى ان المؤمنين يصلون متأخرين.
اللافت في تقديس المياه أنّ عندنا حركتين: إحداهما نضح المؤمنين بالماء وشربهم منه، وثانيهما تبريك البيوت. تقديس الماء هنا ليس ليصبح ماء المعمودية، وفي الأصول لا يُستعمل ماء الغطاس للمعموديات. الماء المقدس يعني ان كل شيء حيّ -والحي يحيا بالماء- بات مخصصا لله. والبيوت اذا رُشت تصير بدورها مُلْكا لله اذ يقدّسها الماء الحامل النعمة.
مما لا ريب فيه ان تحسينًا يجب ان يدخل على زيارة الكاهن للبيوت. فليقف اولا ويقم بطلبة لكل اعضاء البيت بأسمائهم. هذا من شأنه ان يقضي على ما قد يُشعَر به على انه عملية آلية.
فليكن هذا الموسم تذكيرا لكل واحد منا بمعموديته. فليجدد نفسه بالروح القدس. اجل نحن نؤمن بمعمودية واحدة لكونها اتخاذا لموت الرب وقيامته. ولكن المعمودية مفتاح لحياة البر، والبر نجدده في كل حين.
هذا ما يشير اليه الإفشين (الصلاة) الذي نقدس به طبيعة المياه لتصبح حاملة الحياة الجديدة. الكاهن في مَطالع الصلاة يقول: «أضئني انا عبدك… أَنِرْ عينَي عقلي». ذلك انه يلتمس تقديسه من حيث ذاته ومن حيث انه يحمل الشعب. يتوب الكاهن اذ يخشى ان تَحُوْل خطاياه دون حلول الروح القدس (هذا ايضا في قداس باسيليوس). وصاحب الصلاة قديس يرى نفسه خاطئا. هو صفرونيوس الدمشقي المولد الذي صار بطريرك اورشليم قبل ان يفتحها العرب بسنتين.
يشهد لإيمانه الثالوثي ثم يمتد إلى إشراك الكون جميعا بفرح العيد. «اليوم القمر يتلألأ مع العالم بالأشعة الساطعة». لا يقول ان القمر يستمد نوره من الشمس. النور الحقيقي الآن هو المسيح شمس العدل كما سمّيناه في الميلاد. «اليوم نجونا من الظلمة» بفضل ظهور الرب الذي يُفعم السماء والأرض فرحا واحدا.
القسم الكثيف لاهوتيا ينتهي بما كان اكثره افشين تقديس الماء في سر المعمودية حتى يبلغ اخيرا استدعاء الروح القدس: «انت الآن ايها السيد قدّس هذا الماء بروحك القدوس». لا يقول كما في القداس «محوّلا اياه». ليس عندنا هنا استحالة ولكن توظيف الماء في عمل تقديسيّ للناس والمنازل والحقول.
إلى جانب هذه الصلاة العظيمة ألِفنا في بعض الكنائس -وقد صارت قليلة- ان نقيم التقديس الصغير للماء في اول كل شهر فيأتي المؤمنون ويستقون منه. وفي المنازل التقية في اليونان يُحفظ هذا في وعاء يدلّى من السقف او ربما من الجدار فيتناول منه المؤمن ملعقة كل صباح.
