يؤكد الإنجيل في عدة مواضع ان سبب صنع العجائب عند يسوع انه كان يقوم بها عن حنان. ما كانت الغاية ان يظهر قوته او ان يبهر الجماهير لتؤمن به.

          إلى هذا عندنا عجيبة إكثار الخبز في البرية. التلاميذ لم يخطر على بالهم الا ان يصرفوا الجموع. كان هذا فكرًا دنيويًا عمليًا. غير ان السيد كان يعرف ان هؤلاء الناس قد لا يجدون لأنفسهم طعامًا فقد تكون قراهم بعيدة عن المكان وقد يجوعون.

          قال السيد: اعطوهم انتم ليأكلوا وقد كان عالمًا انهم لا يستطيعون. أجابوا: “ما عندنا هنا الا خمسة أرغفة وسمكتان”. لعل رقم “خمسة” المذكور هنا كان المُنطَلق لتقديس الأرغفة الخمسة الذي نقوم به عند غروب لأعياد السيدية أو أعياد القديسين. وما من شك انه أساس تقديمنا خمس قربانات عندما نطلب أن تُذكَر أسماء الأحياء والأموات على الصينية في القداس الإلهي. والسمكة صارت في المسيحية الأولى رمزًا والأحرف المؤلفة منها كلمة سمكة في اليونانية يصير كل حرف منها بدءا لكلمات تعني “يسوع المسيح ابن الله المخلّص”.

          تمّت الأعجوبة بعد أن قال الكتـاب عن السيد: “وبارك وكَسَر وأعطى”. هذه هي الأفعال التي نستعملها في القداس عندما نذكر تحويل الخبز الى جسد المسيح والخمر الى دمه.

          تكون هذه الأعجوبة صورة مُسبَقة عن سرّ المناولة. العجائب في الإنجيل الى جانب كونها محسوسة تتضمن تعليمًا روحيا بطريقة الرمز.

          صَرَفَ يسوع الجموع بعد أن أطعمهـم. يبدأ السيد بالأشياء المـاديـة المحسوسة على أن تكـون وسيلـة ليرتفع الإنسان روحيـا وفي هذا يتعلّـم أن يشكر. المهم أن يعرف كلّ منّا ان المسيح هـو الذي يعطيه كل شيء الأمور المتعلقة بالدنيا والأمور المتعلـقة بالخلاص اي الفضائل وفي كل حال يشكر. السائل فضلُـه أقـل من الشاكر. السائل يستفيد ماديًا اذا طلـب خبزًا او مالاً والرب يلبيـه اذا كان هذا لخيـره. اما الذي يطلـب الفضائل فمقامه أعلى لأنه يفهم الأشياء العميقة النافعـة للنـفس. وهذا يعني انه سمـع كلمة يسوع: “اطلبـوا اولا ملكـوت الله والباقي يُزاد لكم”. اذا فهمنا هذا القـول نفهم ايضًا القول الآخر: “ليس بالخبـز وحده يحيا الإنسان”. يبدأ الإنسان حياتـه مع المسيح اذا أدرَك ان أمـور الملكــوت أعظم من أمور هذه الدنيا.

          في الأعجوبة كانوا معًا. هكذا في المناولـة الإلهية يكـونـون معًا. وكما أحسّوا آنذاك انهـم جماعة واحدة لأنهـم أكلـوا خبزًا واحدًا، يحسّون في القداس انهم جماعة المسيح وانهـم إخوة لأنهـم تنـاولـوا الخبزَ السماوي الواحد. يتحـدون بعضهم ببعض بعد ان اتحد كل منهم بالمسيـح. ويعرفون انهم بعد ان أخذوا جسده صاروا هـم أيضًا جسد المسيـح.

          اذا أدرَكتَ انـك تتنـاول كل شيء مـن المخلّص تفهم أيضًا ان أخاك يتنـاول خلاصَـه من المخلّص الوحيـد.