عند بحيرة طبرية المسمّاة بحر الجليل ايضا دعا يسوع اندراوس وبطرس أخاه ليلتحقا به قائلا: “هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس”، فتركا مصدر رزقهما وتبعاه وهما لا يعلمان الى اين يسير ولكنهما آمنا توا انه يحمل رسالة إلهية. اما من هو فما كانا عندئذ عارفين. بعد الخبرة قال له بطرس: “انت المسيح ابن الله الحي”. وفي الجولة نفسها رأى اخوين هما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا الذي صار فيما بعد التلميذ الحبيب والكاتب للإنجيل الرابع. هذان لم يكتفيا بترك الشباك كما فعل الاولان. تركا السفينة مع الشباك، وكذلك أباهما الذي كان معهما في الصيد.

          لا تقدر انت ان تتبع المسيح الا اذا تركت شيئا لك او شيئا فيك اي ألاّ تبقى متعلقا بشيء يحول دون التصاقك الكامل بيسوع، ان تترك ما كنت تعتبره مصدر شعورك وهنائك. اجل في الدنيا اشياء جميلة ونافعة وترقي انسانيتك، عائلتك ومهنتك او كلمتك الجذابة او أدبك. هذه كلها تمارسها بإحساسك انك مرتبط بالسيد بصورة كاملة، غير مشروطة وانه هو وحده حياتك          “والباقي يزاد لك” حتى لا يحدث انفصام بين ما تحبه او من تحبه على الأرض وانتمائك الى المسيح.

          كلنا، اكليريكيين وعلمانيين، ملقى عنا هذا الواجب ان نمشي وراء السيد. غير ان الكاهن عندنا محصور بهذه المسيرة وليس له اهتمام آخر إلا اذا سمحت له الرئاسة الروحية بمهنة يرتزق منها (زراعة، تعليم الخ…). ولكن القوانين الكنسية حرّمت عليه ان يكون ذا منصب في الدولة.

          الى هذا فالكاهن رسول الوحدة والسلام في رعيته وكل رعية قد يحتك بها بسبب من ظروفه. ينتج من هذا انها حرّمت عليه ان يتعاطى السياسة، فلا يلتزم حزبا ولا زعيما ولا يدعو الى لائحة انتخابية ولا يذمّ مرشحا ولا ينصح بمرشح اذ يكون قد انحاز وبطلت أبوته لمن انحاز ضده ويكون قد فرّق الرعية وقد يتهمه البعض انه يكون قد استفاد بطريقة من الطرق من هذا الانحياز.

          خارج الوضع الانتخابي ينبغي على الكاهن ان يكون قليل الكلام على اهل السياسة فإنهم دائما يعلمون بالأمر ولا يعادونه وحده ولكنهم يغضبون على الكنيسة نفسها. ولو أراد ان ينتخب فلا يبوح بشيء ولا يتحدث الى زوجته او اولاده عن ذلك فأصواتهم حرة ويجب ان يهرب من صدام عائلي بسبب سياسي.

          السياسة عند الكاهن تبقى فكرا بحتا وقد تصير حديثا على الا تمس الأشخاص. يمكن ان يصبح الكاهن عالما سياسيا وان يتحدث بالمبادئ، ولكن لا يجوز له ان ينزل الى معمعة سياسية على الأرض. هذا يخرب الكنيسة. انت لك معلم واحد وهو المسيح وانت تعمل فقط في حقله. وكل حقل آخر له أربابه وليس لنا شأن في هذا.

          هذا الاستقلال يؤهلك لتعلِّم ولتكرز ببشارة الملكوت. والملكوت اوسع واعمق وأبعد من سياسة البلد. انت للشفاء والتعزية والبنيان وتوحيد المؤمنين بكلمة يسوع، ولا تحتاج الى كلمات اخرى. نحن المسؤولين في الكنيسة لنا وسيلة وحيدة لتحسين العالم وهي كلمة المسيح وان نكون قدوة في الإيمان والعفاف والطهارة. ما عدا ذلك من تحسين ممكن لهذه الدنيا قد نعرفه بالفكر ولايطلب منك احد تعطيل الفكر. ولكن معارك هذا العالم ليست معاركنا وان نفاضل بين سياسي وآخر ليس انشغالنا. نحن “نحيا ونتحرك ونوجد” على ارض الملكوت وحده.