حذّرنا السيد كثيرا من شهوة المال ومن ازدياده بلا حدود سواء أكان عندك أم لم يكن. فلا فرق بين الغني والفقير إذا سيطر عشق المال على نفسهما فالخطر ليس بوجوده بل باستبداده.
ليس الإغراء في الثراء بالضرورة فقد تكون ثريا ومتواضعا. الخطر في اقتناء المال ان تصبح مستغنيا عن الآخرين. هذا هو معنى كلمة غني باللغة. ما يريده الله منك ان تحس بحاجتك إلى الآخرين سواء أعطيت أو أخذت. العلاقة في هذا المجال وفي غيره هي المشاركة وروح المشاركة. فإذا كنت كذلك فالآخر في قلبك وليس ماله في قلبك.
اذكر قول المعلم: «لا يقدر احد ان يخدم سيدين، لأنه إمّا ان يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 4). للمال هذه القوة عليك ان يصبح معبودك، وفي هذا قال القديس يوحنا الذهبي الفم: «ان حبه يغلب كل حب ويطرد من النفس كل رغبة أخرى».
في هذا المنحى قال بولس الرسول: «ان الطمع عبادة وثن» (كولوسي 3: 5 وافسس 5: 5). لم يقل الكتاب لا تجنِ من عمل أتعابك. انه قال الا ننهمك، الا يصبح شيء مادي هاجسنا الأول فيخطفنا عن المسيح. يمكن ان تحمي نفسك من غدك لأن هذا هو الاقتصاد الذي في ظله نعيش. فلما قال السيد: «لا تهتموا للغد»، لم يقصد الا تنتظروا عملا في الغد. ولكنه أراد الا يطيش الغد عقلك. أنت تعمل لليوم وللغد، ولكن لا تضطرب لشيء. هناك مسعى ومع المسعى رجاء.
الفكرة المسيطرة على موضوع الاقتناء هو ان الأموال ليست لأحد من حيث الملك بمعنى انك تستعمل الغنى كوكيل عليه وليس كمستمتع. أنت مؤتمن على أرزاق الله. لذلك تستعملها لك وللآخرين. تأخذ منها ما يكفيك ولا تبذخ ولا تبطر إذا كان عندك الكثير. القاعدة ان تسلك -ولو غنيا- في حشمة فلا تفلش ما عندك فلشا لتسحر الآخرين بما عندك أو لتغويهم. أنت وما عندك في خدمة الآخرين. أنت غير مخيَّر بين العطاء والبخل. لذلك قالت المزامير: «بدّدَ، أعطى المساكين فيدوم بِرُّه إلى الأبد». لا تسأل أي مبلغ اليوم أعطي. أنت على قدر محبتك تبذل، وعليك ان تقوي رغبتك في البذل لكي تهرب من عبودية المقتنى. اسهر على الا تنفق مبالغ خيالية على ضيوفك وأعراس بنيك. عش في حياء وخفر وعفة.
السيد لم يرذل الأغنياء. كشف فقط الأخطار الروحية المحدقة بهم، وهي تحدق بكل إنسان حصل على حسنات الدنيا. فالخطر يهدد الإنسان الجميل والإنسان المثقف. أي من اعتد بما عنده -مالا كان أم جمالا أم ثقافة- يعسر عليه دخول ملكوت السموات، لذلك نطلب «نباهة النفس» أو اليقظة الروحية لئلا نقع في التجربة.
غير ان الخطر الكبير المحيط بالغنى ان يقع في تجربة التسلط. تلك الخطيئة لا بعدها خطيئة لأنها إقصاء للآخرين وإلغاء لهم. ان تكون أنت السيد يعني انك قبلت الا يكون الرب هو السيد. فاهرب من التبجح والمجد الباطل. واهرب خصوصا من ان تستعلي على الطاهرين والمتّقين الرب.
