عاش يسوع على الأرض خصوصًا في الجليل حول بحيرة طبريّة المسمّاة ايضا بحر الجليل فرأى أخوين وهما سمعان الذي سمّاه يسوع في ما بعد بطرس لمّا اعترف هذا بأن المسيح ابن الله الحي فأعطاه اسمًا مشتقًا من الصخرة «بيترا» لأن إيمانه كان قويا مثل الصخر وهذا الإيمان بالمسيح هو الصخرة التي بُنيت عليها الكنيسة. سمعان كان معه أخوه أندراوس، وكان هذان يلقيان شبكة في البحر. هذه شبكة يقع فيها السمك. فقال لهما السيّد «هلّم ورائي فأَجعلكما صيادَي الناس». لم يفهم هذان آنذاك هذا الكلام. فهماه بعد العنصرة لما انصرفا الى البشارة وصارا يأخذان الناس بالإنجيل.

عند ذاك تركا الشباك وتبعاه. أَحبّا كلامه. شَعَرا أنه من الله. السير وراء المسيح كلّ حياتهما يتطلّب ترك الشباك. غير أن الإنجيل يدلّنا أنهما وبقيّة الرسل الصيادين كانوا من وقت الى آخر يصطادون اذ لم يكن لهم دخل إلا من هذه البحيرة. غير أن قلوبهم لم تكن في البحر ولكن مع المسيح. كل منا يحبّ أن يترك اشياء هو متعلّق بها ليحبّ يسوع حبا كاملا. المؤمن يتعاطى عائلته ومهنته. غير أن قلبه مفتوح ليسوع فقط. هناك أشياء تتعارض مع حياتنا المسيحية. هذه يجب إلغاؤها. وهناك أشياء نحملها معنا فيما نحن سائرون مع المسيح.

بعد هذا رأى أخوين آخرين هما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا، وقد ذكرهما الإنجيل مرات، ويوحنا هو صاحب الإنجيل الرابع. كان هذان يُصلحان شباكهما في حين أن الأولين أي أندراوس وبطرس يصلحان شبكة واحدة. اي أن أعمال يعقوب ويوحنا كانت أقوى اقتصاديا ولعلّ لهما أكثر من سفينة. ثم يقول الإنجيل انهما تركا السفينة وأباهما الذي كان معهما في الصيد وتبعا المعلّم لأنهما توّا آمنا بالمعلّم. كان هذا إلهاما من الروح القدس. ايضا قاما بعملية ترك ليس فقط لشيء ماديّ اي الشباك، ولكن قاما بترك عاطفيّ أي الانسلاخ عن أبيهما.

ثم يقول الكتاب: «وكان يسوع يطوف الجليل كلّه يُعلّم في مجامعهم». المجمع هو قاعة كبرى في كل مدينة وقرية في فلسطين وخارج فلسطين يصلّي فيها اليهود يوم السبت ويتلو فيه أحدُ الناس العهدَ القديم ثم يشرح هو أو سواه ما قُرئ باللغة الدارجة التي هي الآرامية.

يسوع كان يدخل الى هذه المجتمعات ويكرز ببشارة الملكوت انطلاقا من النص الذي تُلي. هذا كان مسموحا عندهم اذ لم يكن عندهم إكليروس. اما الكهنة فكانوا فقط يخدمون في هيكل اورشليم ويقدّمون الذبائح. عبارة «يكرز ببشارة الملكوت» تعني ان يسوع كان يقول للناس: «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات». هذا هو المعنى الأساسي ليسوع في كلّ مرة يُبشّر بها. كلّ تعليمه في هذه المرحلة كان دعوة الى التوبة، التي تعني تغيير أذهانهم ليلتصقوا بالفكر الإلهي، ومن كان عنده فكر الله يتحوّل سلوكه. الأخلاق تأتي من التعليم.

ثم يذكر إنجيل متى أن السيد كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب. هذا كان يجيء من حنانه على المرضى، وكان يدفعهم الى الإيمان والتوبة. يسوع معلّم وصانع عجائب. وقد أعطى السيد في ما بعد قوة للتعليم وقوة للشفاء، وبقيت الكنيسة على هذا المنوال تُعلّم وتعظ وتهتمّ بالمرضى، وأخذ العالم المسيحيّ يَبني المستشفيات ليعرف المريض حنوّ الله ويعود الى الصحة.