خميس الصعود الذي حل من يومين اصعب الاعياد فهمًا على المسيحيين لان الكتاب وضعه في لغة المدى اذ يقول سفر لوقا «وصعد الى السماء» ثم تقوى الصعوبة في الدستور النيقاوي القائل بعد ذكر القيامة «وصعد الى السماء وجلس عن يمين الآب». من الواضح ان هذا الكلام يقابل في الدستور عينه: «نزل من السماء وتجسد». ومن الاوضح ان كائنا روحيا لا ينزل ولا يصعد ولا يقاس بالأبعاد فالابن فيما كان في البشرة كان دائما في حضن الآب فان جسد مريم الذي اتخذه مسكنا له لم يحصره وبقي كلمة الله في العالم كله ولم يحده العالم. لما قال لي احد كبار الأئمة: «نحن نرفض التجسيم» (تلك كانت مفردته) لان التجسيم حلولية، اجبته: كان يكون حلولية لو ذاب الابن في احشاء مريم وصار العنصر الالهي فيه مادة. انه – حسب تعبيرنا – اتخذ المادة اتخاذا ولم يَصُرْها، لقيها وداخلها ولم يتحول اليها.
فاذا تكلمت عن الصعود الالهي فيعني هذا صعود جسد المسيح الى الله من بعد القيامة اي صرنا في تمجيد ناسوتية المسيح ومعادلة الناسوتية واللاهوتية اذ ادركت الاولى الثانية بسبب من ارتضاء المسيح للموت ونهوضه من بين الاموات. الله لا يرفع اليه جسدا ترابيا. انه يرفع اليه ذاك الذي «فيه يحل جميع كمال الالوهية حلولا جسديا» (كولوسي 2: 9).
بالموت والقيامة تم اتخاذ الله جسد المسيح اتخاذا كليا وما نسميه صعودا انما هو التعبير عن هذا السر. صورة انتقاله الى السماء تعبر عن قوله: «انا ذاهب الى الآب». في الحقيقة انه لا يذهب ولا يأتي ولا ينزل ولا يصعد ولكنه يضم ألوهته الى الجسد والجسد الى ألوهته ويجب ان يقول هذا كلام بشري لان الانسان جعل السماء فوق والارض تحت واتت لغته من المدى والزمان ويبيت في مفهومه الاله ولا يقع الله تحت المفهوم لان المفهوم يحده. لقد استعمل الله اللغة واللغة تضعه تحت المعقول.
ويلتزم الله هذه المحدودية ليحبنا ويحيينا ضمن مقاييسنا لكن ذوي الحس الروحي يسعون الى تنزيهه والاتصال به في القلوب.
الديانات القديمة جعلت الآلهة على رؤوس الجبال والى هذا اشارت ايضا في العهد القديم. والشرائع الالهية تعطى من جبال وعليها تتجلى الآلهة. ويسمو الانسان من الارض الى الله لان الله ساكن العلو وهو في مقام السمو او السماء. وهذا كله لغة. ولكنك اذا تخلقت باخلاق الله او غدوت مألوها او متألها حسب المصطلح المسيحي فيتم لك هذا حيث انت ولا تضطر الى ان تذهب الى مكان آخر واذا احسست ان السماء نزلت عليك فما هذا الا لغة. لذلك لم يصعد المسيح الى مكان اذ ليس من مكان يصعد اليه. ولا نزل الى الجحيم نزولا لان ليس تحت الارض من جحيم. واذا قلنا انه نزل الى الجحيم فاننا نعني انه دخل نطاق الموت لكي يحطمه ويزيله ويجعل ما فوق الانسان وتحته نورا. انت ساكن النور وليس فوق النور وتحته وعلى جنباته الا النور.
لا يهمنا المكان الذي «صعد» منه المسيح. هناك تصوير اورشليمي او اطار اورشليمي لا بد منه. المسيح صعد بمعنى انه اجلس بشريته عن يمين الآب اي جعل بشرية الانسان اذا تمسحنت وصارت مثل بشرية يسوع مقترنة بالله وحاصلة على كرامته ذاتها. هذا هو معنى انها باتت عن يمينه.
كل من حد الله بحيز او حده بصعود او بنزول انما لا يقدر ان يصل الى حقيقته او طبيعته وتاليا يبقى هزيلا. انت لا تدركه باي صورة. تشير اليه باللغة. المرقاة اليه ليس اياه. ليس لله بيت. هو يسكن عراءه وانت اليه فقط من عرائك.
وعندما ارتفع المخلص الى السماء – اذا شئت تعبيرا – ضم بشريته الممجدة الى مطلق الله. المسيح في بشريته في السماء بمعنى انه يسكن المطلق في لاهوته وناسوته معا. انا لا احب كثيرا لفظة مطلق لانها غير محررة من الاغريق. الكلمة الانجيلية هي الكمال. ما حصل في الصعود ان السيد اعلن قيام بشريته في الكمال. ذلك المساوي للكمال الالهي.
واما نحن فمدعوون الى ضم بشريتنا الى بشرية المسيح. لهذا دعانا الرسول الى فكر المسيح. وهذا الفكر يتخذ بشريتنا اتخاذا وتاليا يشفيها فتصبح على صورة بشريته اي سالكة على طريق المجد. لذلك قال المسيح: «انا الطريق». فاذا احببته تكون عند بدء الطريق واذا ازداد حبك تمشي على الطريق على رجاء وصولك الى منتهاه.
وهذا هو كمالك ان تريد اكمال الدرب حتى لا يبقى لك درب تحيد به عما رسمه الرب لك من درب. وفي هذا قال الرسول: «فأما وقد قمتم مع المسيح، فاسعوا الى الامور التي في العلى حيث المسيح قد جلس عن يمين الله» (كولوسي 3: 1). القضية كلها اذًا ان فكروا كما يفكر المسيح وهكذا تكونون في العلى. اذ يوضح بولس بعد دعوته هذه ان «ارغبوا في الامور التي في العلى لا في الامور التي على الارض، لانكم قد متم وحياتكم محتجبة مع المسيح في الله. فاذا ظهر المسيح الذي هو حياتكم، تظهرون انتم ايضا عندئذ معه في المجد».
الكلمة الاخيرة ليست صعوده بل ظهوره ولا ينحصر ظهوره في ذاته لانكم بعدما امتم ما كان فيكم للبشرة واتحدتم بالمخلص الظافر وسرتم اليه وعلى طريقه لتكونوا منه تكون النتيجة ظهوره وظهوركم معا. ما كان الصعود الا استعدادا لظهور المسيح وكنيسته العروس والانسانية الممجدة فحيث كان وكنا فهناك العرش والبشرية التي تغني الجالس على العرش «نشيدا جديدا» وهؤلاء سيملكون الى الابد وسيقولون: «للجالس على العرش وللحمل التسبيح والاكرام والمجد والعزة الى ابد الدهور» (رؤيا 5: 13).
ذلك ان الصعود هو صعودنا في هذا السكر الصاحي الى البهاء الاخير.
