كان بولس يشدّد الكنائس التي أسسها ومنها كنيسة كورنثوس التي أنشأها بعد أن فشلت بشارته في أثينا. في المقطع الذي نقرأه اليوم نلحظ أن كنيسة كورنثوس كانت منقسمة وفيها مشاكل أخرى.
هنا يطلب الرسول الى مؤمني هذه الكنيسة ان يقولوا قولا واحدا وألا يكون بينهم شقاقات وأن يكونوا على رأي واحد هو رأي المسيح. ويقول لهم ان أخبار انقساماتهم وصلت اليه من اهل خلوي، وهؤلاء هم على الأرجح عبيد لامرأة تدعى بهذا الاسم. الانقسامات كانت اساسا قائمة على عواطف شخصية. فمن الناس من كانوا لصفا اي بطرس، فلا بد ان يكون بطرس الرسول قد زار هذه الجماعة كما زارها بولس وأبلّوس، وتحزّب المؤمنون لهذا او ذاك من الثلاثة.
هل كان من الناس مَن تحزّب للمسيح كما يبدو من النص؟ غالبا هؤلاء لم يريدوا ان يتحزّبوا لأحد من الرسل ولكن للرب وحده. فلا يكون، اذ ذاك، عندنا في الحقيقة حزب رابع. الناس اختلقوا هذه الأحزاب بسبب من توتّرات بينهم لأن بولس وبطرس وأبلّوس لم يكونوا هم على خلاف.
الحجّة الأساسيّة التي قدّمها الرسول للمؤمنين أن المسيح جامعهم وهو لم يتجزّأ فليس من رسول يمكن ان يأخذ مكانه. ويشدّد على أنهم لا ينبغي ان يكونوا له (اي لبولس). فهم لم يعتمدوا باسمه.
وعند ذكره للمعمودية انه لم يعمّد الاّ كرسبس الذي هو غالبا رئيس المجمع اليهودي الذي ذكره في سفر الأعمال (18: 8). وغايوس لا بد ان يكون هو المذكور في الرسالة الى اهل رومية، واستفانوس هو من اوائل الذين عمّدهم بولس في اخائية.
لا يوحي الرسول لنا ان العِماد كان قليل الأهمية، ولكن يوحي ان هناك توزيعا للوظائف وان مساعدي بولس هم الذين كانوا يعمّدون.
كان بولس يرى ان وظيفته الأساسيّة كانت في التبشير، وفي النظام الكنسي يُعمَّد هذا وذاك من المؤمنين. ويؤكّد «ان المسيح لم يُرسلني لأُعمّد بل لأُبشّر لا بحكمة كلام لئلا يبطل صليب المسيح».
هنا يشير الرسول إلى انه لم يكن بليغا في الكلام مع انه كان لاهوتيا كبيرا، فإنه لم يُرِدْ ان يأتي الإيمان من فصاحة الكلام او وسائل الخطابة ولكن من القوة الروحية التي في كلمات المبشّر.
هذا المقطع من الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس يحذّرنا من الانشقاق في الكنيسة ولا سيّما من الافتخار بهذا الكاهن او ذاك، او الافتخار بهذا الأسقف او ذاك، وبخاصة يحذّرنا من الانفعالات الشخصيّة والغضب.
لقد عَرفَت الكنيسة الأنطاكيّة في القرن العشرين انقسامات كثيرة وتحزّبات لبطريرك او آخر، لمطران او آخر، وتشكّلت فئات لا تصلّي بعضها مع بعض وذلك منذ بدء الثلاثينات من القرن العشرين، وحلَّ الموت انقساما من هذه الانقسامات، واتُّخذت تدابير مصالحة لإنهاء انشقاق آخر. وجعل هذا في نفوس المؤمنين حزنا شديدا وتشنّجات بين العائلات. وكثيرا ما تهددت وحدة الكنيسة بمناسبة انتخاب لبطريرك او رئيس كهنة.
الوحدة لا يُحافَظ عليها الاّ بالتقوى والإيمان أن المسيح واحد. والهزء بالكنيسة كان واضحا عند الأرثوذكسيين وغير الأرثوذكسيين، وبدا الفتور منذ تلك السنوات المحزنة كلما ظهر تصدّع، ونرجو الله ان يزيل عنّا الانقسام لنبقى أشدّاء بالروح.
