أن تسامح الآخر بوجوده، الا ترفض خصائصه وما يختلف فيه عنك هو الإقرار بأن الله سمح له ان يكون كما هو كائن أي قد يكون أسوأ مما تتمناه له ان يكون. ولكن الدنيا هي هكذا وفيها الناس كما خرجوا من بطون أمهاتهم وكما نموا في مجتمعهم وحسب خبراتهم العديدة.
ان يكون كما هو يجعلك تتوقع ان يتصرف كما عرف ان يتصرف وقد لا يروقك هذا. وأنت لا تكتفي بقبوله على الرغم عنك، ولكنك ترتضيه على رجاء إصلاحه، فالبشرية لوحة كل لون فيها مختلف عن الآخر، وارتضانا الله جميعا مختلفين إذ نحن أحرار وليس مِن قالب يتقولب البشر فيه. فإذا قبلت الآخر تكون قد قبلت ارادة الله في عبيده، وارادته التي لا نسبر غورها هي التنوع.
الشيء الذي ينتج عن القبول ان تتعاون مع الآخر إذا كان قريبا منك، اعني إذا كان في بيئتك أو اضطرتك مهنتك على التعاون. طبعا لا بد لك ان تعرف ان كان مستقيما أو سارقا، صادقا أم كذوبا. لك حق في الا تتعامل وإياه في مهنتك. المعاملة في دنيا العمل لا تضطرك على عشقه، وأنت تبقى في الاستقامة والصدق.
المسامحة تقضي بألاّ تقتل الآخر لأن المسيح حاضر في كل من تعامله، ولأن الذي أعطى الإنسان الحياة هو وحده الذي له حق استردادها. معنى ذلك انك لا تغضب أبدا فالغضب مصدر الشتيمة والضرب فالقتل. ومعنى ذلك ألاّ تحقد وان تبقى رفيقا بهذا الذي تعامله لأن الرفق جانب من جوانب المحبة القادرة على كل شيء.
من مظاهر المسامحة ان تتقبل في الرضاء الذي ليس على دينك ولا من كنيستك، فالناس هم حيث هم دينيا منذ ولادتهم، وعليك أن ترحمهم وألا تهزأ بمواقفهم الدينية، وإذا جادلت ففي احترام كامل. لا توافق باللسان على مواقف لا تقبلها كنيستك، ولا تتملق ولا سيما أنك قد لا تكون من العارفين بما هم عليه من معتقدات.
وبلدنا مجتمع متعدد. فأنت تواجه ولا تتحدى. وتفرح في أعيادهم وللفكر الصالح الذي هم عليه، وتتحفظ حيث ينبغي ان تتحفظ. ولا تجادل كثيرا، وان جادلت فبالحسنى إذ علينا ان نرعى المودات وان نقيم معهم وحدة إنسانية بعد ان تعذرت الوحدة الدينية أو المذهبية بيننا.
أنت لا تثأر من احد ولا تتعاطى النكاية أو الكيد، وقدِّم خدمة حيث استطعت لأن الخدمة تليّن القلوب. وإذا مرض من قررت ان تقربه منك، فأن تعوده يقرّبه منك ان لم يكن من الشرسين. وربما زالت عداوته لك إن رسب فيه شيء من العداوة. أَحرق سيئاته بمحبة واضحة، فاعلة. اذكرْ قول المعلّم: «مَن لطمَك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر» أي بَدّدْ عداء نفسه بلطف غير محدود. حافظ على مكانته وصيته وامدحه في غيابه إذا رأيته صالحا إذ يتشجع بهذا فترقى أخلاقه. ولو افترضنا انه بقي شريرا فاذكر قول السيد: «أحبوا أعداءكم، باركوا لأعينكم» لأن المبتغى ان نكون بالمحبة على هذه الأرض بدءا لملكوت الله.
السماحة من قبلك تصير تسامحا متبادلا بينك وبينه ويكون الله الجسر بينكما. هذا يكون انتصارك على نفسك ودعوة إليه ليدخل في نطاق المسيح.
