إنجيل اليوم (لوقا 12: 16-21) يصوّر لنا رجلا أَخصبَتْ أرضه وكثُرت غلّته. امام هذا رأى ان مخازن القمح عنده لا تكفي فأراد ان يهدمها ويبني اكبر منها. هذا يبدو طبيعيا. غير أنه اطمأن إلى كونه صار غنيا وأخذ يتّكل على ماله وظن انه يستغني عن الله وكأنه يقول: الله اتكلتُ عليه لما كانت ثروتي قليلة. اما الآن فلست في حاجة اليه.

          لم يلمه الرب لأنه جعل لنفسه أهراء كبيرة ولكن لكونه استنتج من ذلك انه يقدر ان يستغني عن الله. كثيرا ما نتوجّه إلى الله حتى يُخرجنا مِن فقر، وبعد ذلك نجعل قوّتنا في ثروتنا (أو في صحتنا ومجدنا).

          يسوع يقول عن هذا الانسان انه غبيّ. فطمأنينة الإنسان لا تقوم بالأشياء التي يملكها بل بسيادته على هذه الأشياء. فاذا صار عبدا لما يملك يفقد الإنسان حرية الروح اذ «الشكر لله الذي آتانا الغلبة عن يد ربنا يسوع المسيح» (1كورنثوس 15: 57). الملء ليس بامتلائنا من اموال هذه الأرض. فوزنا هو بالذي أَحبَّنا وجعلَنا احرارا من الموت. فوزنا هو بمحبة الله لنا التي في المسيح يسوع ربنا (رومية 8: 37-39).

          أن نعرف هذا، أن نؤمن بهذا يجعلنا مطمئنين إلى الله، أغنياء بالله. الخطر في الغنى ليس الملْك بحد نفسه ولكن في أن يدفعنا الملْك إلى الاستغناء عن النعمة الإلهية. لا يريدنا الله فقراء بالضرورة، ولكن لا يريدنا ان نعتبر الفقر مصيبة كبرى اذا كان مقرونا برضا الله علينا. المهم ان نعرف ان النجاح في الدنيا لا يدلّ على ان البركات نزلت علينا. ليس في العهد الجديد ما يدلّ على أن الله مُنعم علينا بالمال. فقد يكون مُنعما علينا بالفقر. المهم ان نجعل الله كنزا لنا لأنه «حيث تكون كنوزكم فهناك قلوبكم».

          طبعا يريدنا الرب مجتهدين في هذا العالم، ساعين إلى التقدُّم المادي في ما هو شرعي لأن في هذا مصلحة لعيالنا وقدرة على إعطاء الفقراء. يسمح الله ان نفرح بالكسب لا لنكون اقوياء في هذا العالم ولكن لتكون لنا قدرة على خدمة الآخرين.

          المال الوفير يجعله الله في ايدينا لا لنتعشّقه ونفتخر به لأن في هذا استكبارا مؤذيا لأن «مَن افتخرَ فليفتخرْ بالرب». إن عِشْق الدنيا يجعلنا عبيدا للدنيا وطامعين بها. و«الطمع عبادة وَثَن». المال اذا استعبدَنا يصبح بديلا عن الله. ولذلك قال يسوع: «ما من احد يستطيع ان يعمل لسيدين، لأنه إما ان يُبغض أحدَهما ويحبّ الآخر، وإما ان يَلزم أحدَهما ويَزدري بالآخر. لا تستطيعون ان تعملوا لله والمال» (متى 6: 24). المهم ان نكون احرارا في داخل النفس من كل ما هو مخلوق وان نتحرر من وطأة المال علينا بتوزيعه. مشاركتنا للمحتاج هي وحدها التي تُحرّرنا من أنانية الغنى، فاذا ذهبنا إلى الفقير نكون ذاهبين إلى الله.

          أن نتحسّس بوجود الفقير وبأنه أخونا هو الدليل الساطع اننا نتحسّس وجود الله في حياتنا. هذه المشاركة تجعلنا نرى ملكوت الله هنا في عالم القلب. هذه المشاركة هي بناء الكنيسة. هي الرؤية على ان الفقير عضو في جسد المسيح. لا يمكن ترجمة ايماننا الا بهذه المحبة اذ ما من محبة بلا عطاء.

          يمكن ان نكون أغنياء اذا اعتبرنا أننا وكلاء على أموال الله. هذه ليست مُلْكا لنا. هي ملْك الله وتذهب إلى من كان محتاجا اليها. نحن نفرح بالعطاء، والمحتاج يفرح. لأن «العطاء مغبوط اكثر من الأخذ». هذه شركة الفرح العظيم.